أخبارتقارير وتحقيقات

حرب التقراي في إثيوبيا تعكس صراع “الإصلاحيين” والحرس القديم”

هل يتحول أبي أحمد الحائز على"نوبل للسلام" إلى رجل حرب؟

خاص التغيير، إعلان الحرب الذي قام به رئيس الوزراء الاثيوبي “آبي أحمد” على جبهة تحرير التقراي أثار تساؤلات حول صورة الرجل الحاصل على جائزة نوبل للسلام في أواخر العام 2019.

فتورط آبي أحمد في حرب في إقليم التقراي الذي يضم الفصيل العرقي القوي الذي قاد البلاد لعقود، وكان مسيطرا على الاستثمارات ومتحكما في كافة المناصب القيادية بالدولة منذ العام 1991، جاء مخيبا للآمال الدولية في تجنب الصراعات الداخلية، لرجل استطاع أن ينهي حربا استمرت لعقود بينه وبين جارة بلاده اريتريا وقاد مشروعا سياسيا إصلاحيا قلل من هيمة أقلية التقراي على السلطة السياسية في البلاد.

إعلان الحرب على جبهة تحرير التقراي:

في صباح الأربعاء الماضي، أصدرت الحكومة الإثيوبية توجيهاتها لقوات الدفاع للتدخل لحماية البلاد ضد جبهة تحرير تقراي، بعد مهاجمتها لقواعد عسكرية في “مقلي” عاصمة إقليم التقراي في محاولة منها للإستيلاء على أسلحة ثقيلة.

وأكد رئيس الوزراء الاثيوبي أن القرار بشن الهجوم جاء بعد محاولات استمرت “بصبر” لأشهر لحل الخلافات مع قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيقراي بشكل سلمي.

وأضاف آبي أحمد في تغريدة كتبها على صفحته بموقع تويتر:  “حاولنا الوساطة والمصالحة والحوار، لكن كل ذلك فشل بسبب غطرسة وعناد الجبهة الشعبية لتحرير تقراي، وأخيراً قاموا بمهاجمة القيادة العسكرية الشمالية المتمركزة في أقليم تيقراي”.

وقال آبي أحمد في تغريدة أخرى: ” لا يمكن للعناصر الإجرامية ،بحسب تعبيره، أن تفلت من حكم القانون تحت ستار السعي للمصالحة والدعوة إلى الحوار. تهدف عمليتنا إلى إنهاء الإفلات من العقاب الذي ساد لفترة طويلة جدًا ومحاسبة الأفراد والجماعات بموجب قوانين البلاد”.

تاريخ الصراع:

وصف الصحفي والمحلل السياسي الأثيوبي “عبد الشكور عبد الصمد حسن”، الصراع بين حكومة آبي أحمد وجبهة تحرير التقراي بصراع الرؤية الاستراتيجية بين مركزية الدولة واستقلالية الاثنيات، مشيرا إلى وجود ثلاثة رؤى في بلاده، احداها رؤية تنادي بمركزية الدولة، بالتفافها نحو لغة واحدة ودين واحد، والرؤية التي تنادي بها جبهة التقراي باستقلالية الاثنيات المختلفة في اقاليمها، والرؤية الثالثة التي مزج فيها رئيس الوزراء بين الاستقلالية الاثنية والالتفاف حول المركزية القومية.

ونفى حسن أن تؤثر الحرب التي أعلنها آبي أحمد على جبهة التقراي على صورة الزعيم التي تلتف حولها جماعات ذات وزن تطالب به كزعيم وحدوي لاثيوبيا، مشيرا في الوقت نفسه إلى احتمالات تناقص شعبيته حال خسرانه للحرب مع إقليم التقراي.

واختلف الصحفي والمحلل السوداني عبد المنعم أبو ادريس مع حسن في وجهات النظر حول صورة “آبي أحمد”، والتي حذر أبو ادريس من تحولها لصورة حاكم ديكتاتوري، مؤكدا على أنه ارتكب خطأ كبيرا بإعلانه الحرب على إقليم التقراي.

التداعيات على السودان

أعرب الكاتب الصحفي الاثيوبي عبد الشكور عن أسفه لعدم تدخل القيادات العسكرية والسياسية السودانية لرأب الصدع بين الجبهة والحكومة، مؤكدا على مقدرة الحكومة السودانية على لعب دور محوري في الضغط على قيادات جبهة التحرير الشعبية التي أكد بأن لها علاقات مع المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية في الخرطوم.

وقال حسن: اتصل رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك برئيس الوزراء الاثيوبي “آبي أحمد” للاطمئنان على الأوضاع دون أن يقدم مبادرة حل سودانية، مشيرا إلى الدور الكبير الذي لعبته اثيوبيا في المقابل ابان سقوط نظام البشير في العام الماضي.

وأضاف حسن: “هذا خطأ استراتيجي كبير”!

وأكد حسن على تأثير الصراع في إقليم التيقراي على كل دول القرن الأفريقي، أمنيا واقتصاديا.

واتفق أبو ادريس مع حسن حول تأثيرات الحرب الاثيوبية على السودان من الناحيتين الأمنية والاقتصادية، مشيرا إلى مجاورة إقليم التيقراي لولايتين غير مستقرتين؛ هما القضارف وكسلا.

وقال أبو إدريس إن الشريط الحدودي بين الدولتين تنشط فيه عصابات الشفتة الاثيوبية، ويتسم بأنشطة غير شرعية منها تجارة السلاح والإتجار بالبشر، مؤكدا أن عدم الاستقرار الأمني سيفاقم من تلك الأنشطة الإجرامية مع بعد المناطق الحدودية من المناطق الحضرية.

وتوقع أبو إدريس أن تكون هناك سيطرة على الأوضاع الأمنية إلى حد كبير بعد نشر القوات المسلحة السودانية ل(9) آلاف جندي على الحدود، مشيرا إلى أنها المرة الأولى التي يكون فيها هذا العدد الكبير من الجنود في المنطقة الحدودية.

وقطع أبو إدريس بعدم قدرة الجيش على السيطرة على تدفقات اللاجئين التي قال إنها ستشكل مزيدا من الضغط الاقتصادي على السودان الذي يعاني من أزمات اقتصادية كبيرة، وتحديدا على أهالي المناطق الحدودية التي وصفهم أبو ادريس بالفقر ومحدودية الدخل.

التأثير على سد النهضة

توقع حسن أن يكون هناك تأثيرا على المشاريع التنموية في البلاد، وخاصة على سد النهضة الاثيوبي الذي سيتأثر تأثيرا بالغا حال امتد أجل الحرب.

ومن جهة أخرى، توقع حسن أن يسهم المشروع في قلب موازين الحرب نسبة لالتفاف كل الشعب الاثيوبي حوله، حتى شباب إقليم التيقراي مشيرا إلى كتاباتهم في الوسائط الاجتماعية التي تؤكد دعمهم الثابت للمشروع، وتوقع حسن أن يكون أحد النقاط التي تشكل ضغطا من داخل الإقليم وقلب كفة الموازين لصالح الحكومة المركزية.

من جهة أخرى قطع حسن بعد القدرة على التكهن بمدى استمرارية الحرب، كاشفا عن الإمكانات المادية واللوجستية الكبيرة التي يمتلكها التيقراي بحكم بقائهم في السلطة لسنوات طويلة.

وأضاف: “كل موارد الدولة في يد هؤلاء الناس، لقد جمعوا كثيرا من الإمكانات ورجعوا بها الى الإقليم، لديهم الكثير من الموارد”.

ولم يستبعد حسن وجود دول إقليمية داعمة للصراع في إقليم التيقراي، مشيرا إلى علاقاته التاريخية مع عدد من دول الجوار من بينها السودان ومصر.

 

وأكد حسن على أن علاقات جبهة تحرير التيقراي الإقليمية هي التي أسهمت في أن يكون صوتها مسموعا وعاليا، مع الوضع في الحسبان بأنهم يشكلون فقط نسبة 6% من سكان اثيوبيا مقارنة مع بقية الاثنيات.

جذور الأزمة:

تبدو الأزمة بين حكومة آبي أحمد، وإقليم “التيقراي” بمنزلة خلاف دستوري يمكن حسمه عبر المحكمة الدستورية، بعد رفض الحكومة للانتخابات التي قام بها الإقليم بعد تأجيل البرلمان للانتخابات المركزية بسبب جائحة كورونا (كوفيد19).

إلا أن الأزمة بحسب الصحفي السوداني أبو ادريس لديها جذورا أعمق من ذلك، حيث بدأت مع تقلد آبي أحمد رئاسة الوزراء في إثيوبيا، خلفاً لهيلي ماريام ديسالين عقب احتجاجات شعبية، قامت بها إثنية “الأرومو”، أكبر الاثنيات في البلاد، والتي ينتمي إليها أحمد.

 

وطرح “آبي” بعد توليه السلطة خطوات إصلاحية في البلاد، أزاح بموجبها عدداً من أبناء “التيقراي” من مواقع استراتيجية، ظلت حكراً عليهم منذ العام 1991.

وبحسب أبو ادريس، فإن المصالحة مع الحكومة الإريترية، اعتبرتها اثنية التيقراي بمثابة إعلان حرب عليها، باعتبارها هي التي كانت وقود الصراع الممتد بين الأعوام 1998 و2002 بسبب الخلافات الحدودية.

وفي ديسمبر الماضي، أقدم آبي أحمد، على تأسيس “حزب الازدهار”، متخطياً الإرث الإثيوبي في تأسيس الأحزاب على “الخلفية الإثنية”، وقطع الصحفي المختص في الشأن الاثيوبي، أبو إدريس بأن التيقراي قاطعوا حزب رئيس الوزراء ورفضوا الانضام إليه، في إصرار واضح على المحافظة على الإرث الاثني كما أشار الصحفي الاثيوبي عبد الشكور حسن.

هل اثيوبيا مهددة بحرب أهلية شاملة

استبعد الباحث في شؤون القرن الإفريقي إبراهيم إدريس في إفادته “للتغيير”  فكرة الحرب الأهلية طويلة الأمد ، واعتبر ما حدث هو انعكاس لصراع بين تيارين مختلفين داخل إقليم التجراي نفسه، اي  بين إصلاحيين وحرس قديم،  فتيار الحرس القديم بقيادة وزير الخارجية السابق السيد / سيوم مسفن  يرغب في عمل عسكري مؤقت يتم من خلاله سلسلة إملاءات على السطلة المركزية لضمان عودة – التنظيم الحاكم في الأقليم . هذا ما جعل القيادة المركزية تقوم بحركة محسوبة لتفعيل دور السلطة المركزية في الأقليم من خلال القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي لدعم تلك التيارات الإصلاحية خارج التنظيم الحاكم للوصول للمشاركة في الإنتخابات القادمة و تحجيم دور الحرس القديم ممثلا في جبهة تحرير التقراي.ويضيف إبراهيم إدريس”مثل هذه العمليات العسكرية كانت تحدث في أكثر من اربعة اقاليم في عموم إثيوبيا تقوم بها التنظيمات القومية من أجل مُحاصصات للوصول لتحديد دور لتنظيماتها في قيادة الدولة الإثيوبية . هي لحظة مؤقتة في ضراع سياسي ”

ويبقى التخوف الأكبر من مطالبة إقليم التيقراي بحق “تقرير المصير والذي يمكن أن يحصل عليه عبر الدستور، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً لتهديد تماسك الدولة التي يوجد بها 80 مجموعة إثنية، تتحدث لغات مختلفة وموزعة على أقاليم وفق تقسيمات اثنية ودينية مختلفة أيضا.

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى