أعمدة ومقالات

عودوا إلى مجرى الثورة

محمد عتيق

(1)
يوماً بعد يوم يتعاظم تيار الديمقراطية في المجتمعات الانسانية وتتعاظم معه أهمية وضرورة الأحزاب السياسية باعتبارها “المدماك” الأهم أو الأول في البناء الديمقراطي حسب التجربة البشرية حتى الآن .. ولكن هناك قطاعات كبيرة من السودانيين يعتبرون أن عدد الأحزاب في السودان كثير جداً ، أكثر من اللازم ، وهذا ظن خاطئ يقوم على مقارنة السودان مع المجتمعات الغربية في هذا الجانب ..

الديمقراطية في الغرب قطعت اشواطاً جبارةً في تطورها المرتبط بشكل وثيق بقضايا وهموم مجتمعاتها (دولاً وشعوب) وحرية خياراتها ، تلك المجتمعات التي استكملت بناءاتها الوطنية والقومية ، وازدهرت فيها الحياة الاقتصادية والعلمية تحفها وتائر متصاعدة من الاستنارة والفلسفة والاختراعات ، ووصلت فيها تلبية الحاجات الإنسانية (الفردية والجماعية) درجات عالية من الاكتفاء والرفاهية ، لم تعد الاحتياجات اليومية فيها هموماً تزحم البرامج الحزبية المتنافسة : الكهرباء ، المأكل والمشرب ، التعليم (جودة ومجانية وإلزامية) ، المواصلات…الخ وإنما حول المناخ ، الفضاء ، البيئة مثلاً ، بينما نحن تحاصرنا تلك الاحتياجات الأولية ، ندرتها تخنقنا وتكبل أدمغتنا (وأحياناً افئدتنا) ومواهبنا عن الانطلاق في مجالات الإبداع الانساني في العلوم والفلسفات والآداب، عن ارتياد آفاق أعلى للوطن والمواطن ..

مجتمعنا لا زال في أطوار بسيطة ومعقدة : جهات وقبائل طوائف وطرق ، بناءاتنا (الثقافية ، الفكرية…الخ) في عمومها كلها هشة ، النظام الساقط اثار النعرات القبلية/ الجهوية والعرقية بشدة لدرجة أن إدارة أبسط الخلافات أصبحت بالسلاح والعنف وتسفيه الآخر عرقاً وديناً واصلاً (ضغثاً على إبالة) ، وبذلك ورثت الثورة واقعاً حاد الانقسام ، ومعها ، صبيحة سقوط النظام ، هذا الكم الهائل من الاحزاب والتنظيمات السياسية التي لا بأس منها ومن كثرتها ، كل حزب منها له مبرراته ، كل ينظر للمخرج من باب معين وزاوية خاصة ، وكلما تقدمنا خطوات على دروب التعليم الجيد والاستنارة واتساع الرؤى للقضايا الوطنية كلما انتشرت بيننا روح الإلفة والتسامح وكلما ارتقينا على مدارج الوحدة والاندماج الوطني ، التقدم هكذا خطوة إلى الأمام سيعمل على دمج بعض الاحزاب وعلى ذبول بعضها ، فلنترك تعدد الأحزاب وكثرتها فهي الألوان المتنوعة في حديقة الوطن ، تبث أريجها في الساحة ، والأكثر عبقاً هو الأطول عمراً وأعمق عطاءاً ، هو الأفيد للوطن .. لا يجب أن تزعجنا هذه الكثرة في الأحزاب..
(2)
كذلك ورثت الثورة احوالاً خانقةً في معاش الناس في كل جانب ، مؤسسات منهارة ، أجهزة نظامية مهترئة وملوثة ، دمار شامل في البنى التحتية ، تعليم وصحة في الدرك الأسفل من السوء ، وأصبحت الرؤى للحلول وبالضرورة محصورة في منهجين :

- منهج النظام الساقط وممثليه في بعض مؤسسات الفترة الانتقالية (المكون العسكري في المجلس السيادي ومجلس الوزراء ، منهج رفع الدعم وتحرير الأسعار والمناشط الاقتصادية والممتثل تماماً لمطالب صندوق النقد والبنك الدوليين بكل آثارها المعروفة من تجويع وتشريد ، الفقراء يزدادون فقراً وعدداً ، والأغنياء أكثر غنىً واستغلالاً وانعزالاً عن الشعب والوطن ..
- والمنهج الآخر ، منهج الانحياز للشعب والاعتماد عليه وعلى الموارد الوطنية المحلية : المزيد من الدعم مع الوفرة ، إعادة تأسيس التعليم على أسس المجانية ومناهج تحرير العقول وإضاءتها ، تأهيل المعلمين وتدريبهم ، وإعادة الحياة للمؤسسات الصحية الحكومية وتطويرها ومجانيتها برصد الموازنات المالية العالية لهذين المرفقين ، باستعادة الشركات والمؤسسات الاستثمارية بما فيها مناجم الذهب وامتيازاتها التي تهيمن عليها الأجهزة النظامية والأمنية لتكون تحت إشراف ومسؤولية الحكومة ممثلةً في وزارة المالية والاقتصاد الوطني .. وباختصار ، هو المنهج الذي اعتمدته اللجنة الاقتصادية لقحت في برامجها ومقترحاتها التي وجدت حتى الآن إهمالاً تاماً من لجنة البشير الأمنية في المجلس السيادي ومن حكومة “الثورة” ، واتباع المنهج الأول المذكور أعلاه ، نفس منهج النظام الساقط الذي انفجر الشعب ثورةً نادرةً ضده وفي وجهه ..
(3)
لسوء حظ السودان وشعبه وثورتهم الضخمة ، تمتاز بلادهم بموقع استراتيجي نادر ، وتذخر أراضيها في الباطن والظاهر بثروات لا حصر لها ، عاث فيها وانتهكها الاسلامويون فساداً لم يعرفه التاريخ ، نهباً وتدميراً ، رهناً وبيعاً .. فإذا كانت مواريث الثورة هي هذا الدمار والنهب والتفريط ، فإن الجانب المؤلم الآخر هو تقاطع الأطماع والمصالح الاقليمية والدولية فوق أرض السودان ومقدراته البشرية والمادية والإستراتيجية ، هذا التقاطع ينظر للديمقراطية وترسيخها في السودان خطراً ماحقاً على مصالحه ومصالح وكلائه من أنظمة دول الجوار ، وهذا هو الذي جعلها يقظةً ومنتبهةً لمسار الثورة ، وبمجرد أن لاح لها أنها إلى نجاح ونصر أسرعت بوضع خططها موضع التنفيذ في اختراق مؤسسات الثورة واختراق خياراتها الشعبية مما جعل زمام المبادرة سياسياً في يد “لجنة البشير الأمنية” وأتباعها ، وزمام الاقتصاد ومعاش الناس في يد القوى الرأسمالية والطفيلية المحلية والإقليمية.. وبدون كثير تفسير : هذا هو الوضع الذي نحن فيه والذي من ملامحه :

- خيار صندوق النقد والبنك الدوليين الذي شرعت الحكومة في انتهاجه على الصعيد الاقتصادي ..

- مأزق تأسيس المجلس التشريعي ..

- التصدع والانحراف في جبهة العدالة ..

- مأساة السياسة الخارجية التي انتهت إلى الموافقة على التطبيع مع الكيان الاسرائيلي..
ولحسن الحظ ، فإن قوى الحرية والتغيير متفقة على القضايا الأساسية الداخلية ، فقط ينقصها تقدير اللحظة التاريخية لتكون خياراتها : الانحياز التام للوطن ، وترك الأنا الحزبية لتضع كل أصابعها على نفس “الزناد” وعيونها في نفس الفوهة ، فتنتزع القرار الوطني بتصويب واحد موحد على تلك القضايا الداخلية الأساسية :

* المنظومة العدلية : قضاء ، نيابة عامة وإعادة تأسيسها وفق خطط خبراء وفقهاء الثورة من القضاة والمستشارين والمحامين ..

* المجلس التشريعي وتأسيسه وفق منطق الثورة ، وبالنسب المحددة لقحت ..

* تتقدم اللجنة الاقتصادية لقحت بدراساتها وبرامجها المقترحة لتستلم وزارة المالية والاقتصاد الوطني ..
هذه هي الصحوة المطلوبة الآن وبإلحاح ، لن تفيدنا المواقف الذاتية ، ظروف البلاد والعباد وأحوالها لا تحتمل الاستعراض وتحقيق البطولات المتوهمة (لا سحب اعتراف ولا الانسحاب من هنا وهناك ولا الصمت) ، كلها لن تفيد في شيء ، كلكم مسؤولون وقضيتكم واحدة ، ومعكم سلاحي : لجان المقاومة والشرعية الثورية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى