أعمدة ومقالات

الحاج وراق يكتب: تأثير فوز بايدن على المنطقة والسودان

فوز بايدن بالرئاسة الأمريكية فوز بطعم العلقم ، فعلى عكس توقعات استطلاعات الرأي اتضح ان المجتمع الأمريكي منقسم بحدة، وصوتت غالبية الامريكيين البيض لترامب ، مما يعني ان أولوية الرئيس القادم ستكون في الداخل الأمريكي – كيفية إعادة اللحمة للمجتمع وإبراء جراحه .

وأكدت الانتخابات ان ترامب ليس مجرد شخص وانما تعبير عن تيار إجتماعي واسع – التيار القومى – ، ولذا فإن بايدن سيضطر لتقديم تنازلات لهذا التيار، مما يرجح ان برنامج الإدارة الامريكية القادمة العملي سيعبر عن تسوية بين برنامجي الديمقراطيين والجمهوريين .

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة ، فهناك استراتيجية عامة مجمع عليها ، تقوم على تأمين منابع النفط وطرق إمداده ، والمحافظة على أمن اسرائيل ، ومكافحة الإرهاب . وستظل هذه الأولويات حاكمة للسياسة الأمريكية رغم الفروق التفصيلية بين الحزبين في كيفية تحقيق هذه الأولويات .

وظفت الولايات المتحدة التيار الإسلامي – خصوصاً الاخوان المسلمين – طيلة الحرب الباردة كترياق ضد الشيوعية والحركات القومية اليسارية . وأوكلت مهمة رعاية هذا التيار لسنوات للمملكة العربية السعودية . ولعبت هذه الصيغة دوراً مهماً في إرهاق الاتحاد السوفيتي بأفغانستان وإخراجه منها . لكن تغير المشهد لحدِ ما عقب الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة 11 سبتمبر 2001 .

رأي الحزب الديمقراطي بصورة عامة مواصلة توظيف الإسلامويين باعتبارهم سلاحاً فعالاً ورخيصاً ، سواء في أجندة المنطقة ، أو في المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا – حيث توجد أقليات مسلمة مقدرة – ويمكن أن يزعزع الإسلام السياسي نظامي البلدين ، خصوصاً وانهما نظامان مغلقان . إضافة إلى ان فتح المجال للاسلامويين للسيطرة على بعض بلدان المنطقة سيضطرهم بحكم ضرورات الحكم للتواؤم أكثر مع مطلوبات الغرب فيما يتعلق بالحد من الارهاب وضمان حقوق غير المسلمين وحقوق النساء والسلام مع إسرائيل . وكذلك توظيف الإسلامويين كحائط سني أمام إيران ولتقويض النظام السوري حيث الأغلبية سنية . فضلاً عن ان تهديد الاسلامويين سيدفع الدول المحافظة في الخليج لطلب الحماية الأمريكية بصورة أكبر . فإذا حقق الإسلامويون المطلوب كان بها وإلا فانهم سيزعزعون ويقسمون بلدان المنطقة فتأكل بعضها بعضا بدلاً من ان توجه عداءها تجاه إسرائيل والغرب .

ومن ثم فإن الحزب الديمقراطي بصورة عامة يتعامل مع التيار الإسلامي وكأنه سحابة غيث أينما هطلت تأتيهم بخراجها !.

وفى المقابل يرى الحزب الجمهوري بعد 11 سبتمبر ان الإرهاب الإسلاموي لا يمكن عزله عن الظاهرة الأوسع – ظاهرة الإسلام السياسي – فهو امتداد لها ، وبحكم ثقافته السياسية فان هذا التيار معادٍ للتعددية وللغرب والانسانية ، وأكدت الأحداث الإرهابية ان غالبية الإرهابيين ذوو انتماء سابق في الإسلام السياسي مما يعني انه سلاح صدئ من اسلحة الإرتداد الذاتي توجهه نحو الخصم فيرتد إلى النفس أيضاً . ولهذا فإن الجمهوريين وإن قبلوا بإمكانية وجود (معتدلين) فانهم اكثر حذرا تجاه الاسلامويين ويتطلبون اثباتات عملية بناء على معايير محددة تؤكد الإعتدال .

ومع تزايد اعداد المسلمين في الغرب ، وتزايد مخاطر التطرف والإرهاب ، تحول الموقف من المسلمين والاسلاميين إلى ورقة انتخابية ، وتبنى اليمين موقفاً معادياً من الإسلامويين باعتبارهم مهددا للحضارة والديمقراطية ، بل وتبنت دوائر يمينية أكثر تشدداً موقفاً معادياً من الإسلام كدين .

ووجد الانقسام في امريكا – بين الديمقراطيين والجمهوريين – صدى له في المنطقة ، فصار المحور السعودي الاماراتي المصري متحالفاً عملياً مع الحزب الجمهوري ، بينما قطر حليفة للحزب الديمقراطي .

ورغم ان لقطر سبب للابتهاج بفوز بايدن ، حيث سيتوطد دورها كوكيل عن رعاية وتدجين الاسلامويين إلا ان فرحتها ، على عكس ما تتصور، لن تصل الى مداها ، لعدة اسباب ، أولها ان المحور الآخر – السعودية الامارات مصر – وكأنما تحسب لهذا الفوز فأمن موقفه لحد ما بالعلاقة الدافئة مع إسرائيل ، ولذا فان أية ضغوط أمريكية مستقبلية مضطرة لوضع هذا في الاعتبار ، والسبب الثاني ان السعودية والامارات كليهما دولتان نفطيتان وتملكان صناديق سيادية ضخمة وأيما رئيس أمريكي سيحسب كثيرا قبل ان يغامر بزعزعة استقرارهما أو تقويض العلاقة الاستراتيجية بهما ، والسبب الثالث انهما دولتان مركزيتان فى أي مسعى أمريكى – اسرائيلي لاحتواء إيران . فضلاً عن ان الديمقراطيين سبق واختبروا ان هاتين الدولتين حين تواجهان خطرا تعتبرانه وجودياً يمكن ان تتمردان على الموقف الأمريكي ، مثال دعمهما سوياً عزل الاخوان في مصر ، مغامرتين في ذلك بالوقوف ضد إدارة أوباما.

لما سبق ذكره فالأرجح أن يوجه الرئيس الامريكى الجديد بايدن ضغوطا اكبر من السابق نحو السعودية الامارات مصر فيما يتعلق بحقوق الانسان- خصوصاً لأجل اطلاق سراح وإعادة الاعتبار لعديد من عناصر النخبة السعودية التي أطيح بها في مجرى صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وضغوطاً لأجل التخفيف من الطابع المغلق المتسلف للآيديولوجية الرسمية السعودية، وكذلك ضغوطاً لأجل تقييد الدور الاقليمي للامارات تحديداً. وضغوطا لتخفيف ملاحقة الاخوان المسلمين في مصر مقابل انفصالهم الواضح عن ممارسات العنف والارهاب. لكن المتوقع أيضاً ان تتم هذه الضغوط في الحدود التي لا تقوض العلاقات الامريكية الاستراتيجية بدول السعودية الامارات مصر، خصوصاً وان الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ستمثل كابحاً قوياً للادارة الديمقراطية.

وغالباً ما يواصل الرئيس بايدن مساعي احتواء إيران، لكن على عكس الجمهوريين بالوسائل الناعمة أساساً، إلا إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر في الملف النووي حينها من المرجح أن يلجأ لاستخدام القوة العسكرية.

في كل المناظرات والانتقادات لترامب لم ينتقد بايدن سياسة ترامب تجاه اسرائيل، مما يؤكد ان أمن اسرائيل أولوية استراتيجية محل اتفاق بين الحزبين، ولذا اذا كان من المتوقع أن يخفف بايدن بعض الاجراءات العقابية التي اتخذها ترامب ضد الفلسطينيين مثل عزل السلطة الوطنية وقطع تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا)، لكن من غير المتوقع ان يتراجع بايدن عن خطة ترامب في دفع مزيد من دول المنطقة للتطبيع مع اسرائيل.

وأما فيما يتعلق بالسودان فالفروق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري تكاد تكون منعدمة، الأمر الذي تؤكده إعادة تعيين دونالد بوث كمبعوث خاص في الادارة الجمهورية رغم تعيينه في الأصل من قبل إدارة أوباما.

وسبق وأكدت الادارة الأمريكية مراراً انها تدعم الانتقال الديمقراطي في السودان تحت قيادة مدنية .

وحين أيد حلفاء ترامب في المنطقة سيطرة المجلس العسكري، تدخلت الادارة الامريكية بعد مجزرة فض الاعتصام ومارست ضغوطاً كثيفة على حلفائها كي يضغطوا بدورهم على العسكريين ليقبلوا الانتقال الديمقراطي.

وقطعاً سيعضد فوز بايدن سياسة امريكا تجاه السودان القائمة على دعم الانتقال الديمقراطي .

والأهم ان فوز بايدن يفترض ان يبدد أية أوهام لدى دوائر في المكون العسكري بان حلفائهم الاقليميين يمكن ان يشفعوا لهم لدى الادارة الامريكية كي تقبل انقلاباً عارياً أو مقنعاً على الانتقال الديمقراطي.

ومن نتائج فوز بايدن ان الحركة الشعبية شمال بقيادة الحلو ستخسر دعم أحد حلفائها في الولايات المتحدة – ديفيد بزلي: المقرب من ادارة ترامب وكان مرشحاً ليكون مبعوثاً أو سفيراً للسودان.

وفي المقابل فان بايدن أكثر حساسية تجاه المظالم الاثنية من سلفه ترامب، وأقل تمسكاً بوحدة دول المنطقة، حيث كان بايدن أحد داعمي مقترح تقسيم العراق، كما لعب دوراً في الضغوط الامريكية على نظام الانقاذ للايفاء بحق تقرير المصير لجنوب السودان الذي انتهى باستقلاله، ولذا فمن المحتمل ان يدعم بايدن صيغة اكثر مواتاة لجبال النوبة، وفى حال رفضها ربما يعتمد صيغة شبيهة بنيفاشا– فترة انتقالية يعقبها حق تقرير مصير.

ختاما، رغم انه لم يعد ممكناً في عصر العولمة الفصل بين ما هو خارجي وما هو داخلي، إلا ان الخارجي سواء اقليمياً أو دولياً يفعل في الداخل بحسب قابلياته، وفيما يمكن ان تتسع قدرة دولة موحدة الارادة الوطنية على التفاوض والمناورة فان دولة هشة وموزعة الولاءات ومراكز اتخاذ القرار ستكون أكثر قابلية لتدخلات الخارج بما فى ذلك السلبية منها، ولهذا فان الخارج ليس بديلاً عن توافق القوى الاجتماعية السودانية الرئيسية على مصائر بلادهم.

الحاج وراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى