أعمدة ومقالات

د.ناهد محمد الحسن تكتب: تطبيع أم علاقات عاديّة؟

قراءة في موقف حزب المؤتمر السوداني

د.ناهد محمد الحسن

فوجئنا قبل أسابيع بانضمام السودان الى ركب الدول ( التي ستطبع  مع اسرائيل)، و هو ما ظلت حكومة حمدوك تنفيه و تنكره على الدوام منذ تسريبات لقاء البرهان- نتينياهو.

و رغم ان كل الملابسات الخارجيّة و الداخليّة كانت تشير الى انّ هذا الأمر صائر لا محالة، و رغم ما قيل عن مشاورات جرت مع أحزاب الحريّة و التغيير قبل اصدار القرار الا انّ صدمة اعلانه التي رافقت فيديوهات مسجلة ضمت (حمدوك- نتينياهو- ترامب) أطلقت حالة من التصريحات و البيانات الرافضة للتطبيع من قبل كثير من الأحزاب السودانيّة. و بسرعة عادت تعقيدات المشهد السوداني و نتائج الانتخابات الامريكيّة و اكتشاف مقبرة ضحايا تضم 300 قتيل يرجح انهم ضحايا ساحة الاعتصام المنكوبة تبتلع فورة الاحتجاجات الخجولة ليطوي السودان بعدها إرث عاصمة اللاءات الثلاثة مدشنا مرحلة جديدة في تاريخه أكثر غموضا و التباسا و لا أبالغ اذ أقول (خطورة) أيضا !.

و أنا إذ أكتب هذا المقال أحاول – في ظل السيولة السياسيّة التي نعيشها-  أحاول أن استنقذ مواقف السودان و سياسته الخارجيّة من فك الهتافية و المزايدة السياسيّة و إعادته  لطاولة التأسيس المعرفي بإعتباره قضيّة إشكاليّة معقدة لا يجوز معها التسطيح و الإبتذال، لأنها معنيّة بحق مواطنين مشرّدين عن وطنهم  و آخرين يعانون من اضطهاد عرقي و ديني داخل وطنهم، و بكيان عنصري ومغتصب يمد لنا يدا ملوثّة بالدماء و يمارس علينا ابتزازا سياسيّا رخيصا، و نحن في زيغ المسغبة و الخوف نتبع عرّاب التطبيع  الى قدر لم نتدارسه جيّدا و لم نلتقط أنفاسنا لندرك معناه و مغزاه.

بالنسبة لي كانت هذه التجربة فرصة لأعود استذكر تاريخ القضيّة الفلسطينيّة ، (القضيّة التي ما عرفنا غيرها في السبعين سنة الماضيّة غير أنّا لا نعرف عنها شيئا)، ( اقتباس لعبدالله علي ابراهيم عن شيخ شيعي تعليقا على قضية التطبيع). و سأحاول فيما يلي أن أشارككم موجزا عن القضية و الموقف الأمريكي عبر التاريخ، و المقاطعة كأسلوب مقاومة، و مصطلح التطبيع، و موقف الحزب مع توصيات أخيرة.

( لو شبت النار في شجر الأرز)- التوراة:

أطلقت محاكمة ( دريفوس) في فرنسا 1895 موجة من العداء لليهود، لم يكن اليهود وقتها بحاجة للمزيد من العداء، فلقد كانت السياسات القاهرة للدول الأوروبية حيث يعيش اكثر من 90% من اليهود ، تستخدمهم ككبش فداء تمرر عبره سخط شعوبها ، حيث حرم اليهود من العمل بالزراعة و الانتماء للنقابات و حوصروا في دور وحيد  للتاجر و مسلف الرهن. فشخصية المرابي، الانتهازي، البخيل ، القذر كانت الإطار الذي يوضع فيه اليهودي في الأدب الأوروبي و من ذلك تاجر البندقيّة و غيرها. غطّى تلك المحاكمة صحفي/ يهودي/ نمساوي  شاب هو ثيودور هرتزل، الأب الروحي للصهيونيّة العالمية و الذي كتب في مذكراته أنه بعد تلك الحادثة صار على يقين أن العداء للسامية في أوروبا لا حل له سوى تقبّله و التعامل معه، و صار يبحث عن ملجأ لليهود و لم تكن فلسطين وجهته الأولى، كان يفكر في امريكا الجنوبيّة و كان مدركا لحوجته لطاقة تجييش ما، و رغم أنّه لم يكن متديّنا الا انّه وجد الدين ملائما جدا لمهمته بالاضافة للدعم الامبريالي. الى ذلك الوقت كانت امريكا مهرب اليهود الوحيد حيث هاجر اليها اكثر من ثلاثة ملايين يهودي حتى الحرب العالمية، عدد اليهود المقيمين  في امريكا اليوم أكثر من المقيمين في اسرائيل نفسها. نمت الحركة الصهيونيّة بسرعة في ظل الحرب العالميّة الثانية و تصاعد اضطهاد اليهود في روسيا و بولندا، فلم تكن المانيا أول من بدأ بحرق اليهود ولكن القياصرة الروس، هرب اليهود من روسيا الى المانيا ليقعوا في أحضان الهولوكوست التي ابتلعت ليس فقط النساء و الأطفال و لكن أبدع العقول أيضا، من ضحايا المحرقة النازيّة مؤلف كتاب المسألة اليهوديّة ابرام ليون صاحب التنظير الماركسي للقضية اليهوديّة المرتكز الذي قام عليه الحزب الشيوعي الاسرائيلي لاحقا. و تشير بعض الوثائق الى ان حرق و اضطهاد اليهود تم في صمت و تجاهل من الحركة الصهيونية التي كاتبت هتلر توافقه على فكرة النقاء العرقي و اهميتها لليهود . فقد كانت راغبة في ان يدفع الاضطهاد  اليهودي ليقبل بالهجرة الى فلسطين . و في ظل الحاجة لمرتكز للمصالح الامبريالية في الشرق الاوسط بعد ثورة 1936 ضد الاستعمار الانجليزي في فلسطين و رهق الحرب ، أطلق بلفور وعده لليهود بوطن في فلسطين و صرّح تشرشل بأهمية وجود مرتكز في الشرق الأوسط لقواته، و عبر الدور الذي لعبه اليهود في جر امريكا للحرب العالمية بدأت ثنائية الحكاية التوراتية و الدعم الامبريالي تبدو واقعا. ارسل المزيد من اليهود عبر البحر الى فلسطين التي ثارت في 1936 لتوقف الاستيطان اليهودي و تحرر أرضها. الصهيونيّة فكرة دينيّة و سياسيّة تعتمد على ما جاء في التوراة عن عودة اليهود الى ارض الميعاد بعد ظهور المسيح المخلص، كانت مجرد صلوات تتلى عبر القرون قبل ان يجعلها هرتزل قاربا محملا بالوعود و البارود يجتاح فلسطين. و قبول هذه السرديّة هو لب الصهيونيّة و علينا أن نعي حين نبني السلام مع اسرائيل على أي سرديّة نصوغ تصوراتنا لهذه المعضلة.

في نوفمبر 1947 اصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين بنسبة 55% لليهود و 45% للفلسطينيين ( القومية الأكبر و اسياد الارض). في ابريل 1948 قامت مليشيا الأرغون بقيادة مناحم بيغن بمذبحة دير ياسين الشهيرة و التي بسبب تداعياتها اخليت 180 قرية من العرب- 239 الف شخص-  الذي قضى التقسيم ببقائهم في الجانب الاسرائيلي،  و فر ايضا 152 الف آخرون من 70 قرية و من مدن يافا ، جنين، عكا) التي كانت من المفترض أن تكون تابعة لفلسطين وفقا للتقسيم .  من دير ياسين الى صبرا و شاتيلا  1982 و الاعتداء على غزة والى يومنا هذا أحتلت اسرائيل اكثر من ثلاثة اضعاف مساحتها، و تبقى لفلسطين فقط قطاعا ضيقا مأهولا بالسكان في غزة و الضفّة الغربية، و حوالي سبعة و نصف مليون لاجيء حول العالم .

سيكون من التسطيح ان نقول إن الفلسطينيين شعب منكوب و غير محظوظ ببساطة،  فالاحداث التي عقّدت المشهد السياسي العربي كانت لها تداعيات مباشرة على القضيّة الفلسطينيّة ، منها تسابق الشركات الاجنبية تحديدا بريطانيا – امريكا- فرنسا- هولندا على نفط الخليج، انقلاب حكومة الشاه بعون امريكا على حكومة محمد مصدق في ايران ، تأميم قناة السويس، ظهور الاوبيك، حرب النكسة، مقاطعة البترول بقيادة القذافي، و ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، و كل من الجبهة الديموقراطية و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. حدث هذا في موجات التحرير من الاستعمار، تنامي تيار القومية العربية، العبور 1973 ، اتفاقية كامب ديفيد، الثورة الاسلامية في ايران.. ، حرب لبنان 1982 اعتداء العراق على الكويت ،سقوط المعسكر الشيوعي، الانتفاضة الثانية،  الثورات العربية،كل ذلك كان له تداعيات هبوط و صعود على القضية الفلسطينية.

الموقف الأمريكي:

بعد سقوط المعسكر الشيوعي في 1989 تغيّر الموقف الامريكي من مجرّد دعم مطلق لإسرائيل لموقف  يحاول المحافظة على الحياد و لو شكليا لدعم السلام بين الاسرائيليين و الفلسطينيين و يبحث عن حل دائم للمشكلة. و من ذلك استضافة منظمة التحرير في واشنطن و دعم منظمة الاونوروا التابعة للأمم المتحدة بثلث تمويلها سنويا و اتفاق الرؤساء الامريكان جميعا- عدا ترامب-  على تعليق التوقيع على جعل القدس عاصمة لاسرائيل و الذي وقعه الكونغرس في 1995 ليكون ساريا في 1999 و سمح للرئيس الامريكي بتعليقه كل 6 شهور و قد علقه كل الرؤساء حتى امضاه  ترامب في 2019 مما سيجعل من المستحيل على اي رئيس امريكي الغاءه مرة اخرى. مارس الرؤساء الامريكان ضغوطا حقيقية لجعل اسرائيل تتبنى حل سلام دائم مع فلسطين و وافق الفلسطينيون بدون شروط على اي اتفاقية سلام عرضت لهم بدءا من اتفاقية اوسلو 1993  و التي لم تعد منها فلسطين بأكثر من قبول لمنظمة التحرير رسميا كمفاوض عن القضية الفلسطينية. رغم ان الاسرائيليين مجمعون تقريبا على حاجتهم لحل دائم الا أن تيارا واحدا يبدو ماضيا في تنفيذ فكرته و هي حكم ذاتي ( اوتونوميا) تحت سيطرة اسرائيل، ما يعرف بتيار موشي دايان (1967-1973 كان وزير خارجية اسرائيل) منذ السبعينيات مقابل تيار يغال ألون ( وزير خارجية اسرائيل 1974 -1977 )  عن المناطقية ( حل الدولتين). يتماشى تيار موشي دايان مع الشعور العميق بعدم الثقة و الأمان و الخوف المتجذر من الآخر الذي لا تطمئنه المعاهدات او الضمانات، الرغبة دائما في السيطرة على مجريات الاحداث و تأمين الحدود  بشكل مبالغ فيه لن يسمح للاسرائيليين بتقبل فكرة حل الدولتين او السماح للاجئين بالعودة . و قد تماهت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة محمود عباس مع اطروحة السلام الى درجة التنسيق الأمني مع الدولة الاسرائيلية، و حثت الدول العربية على التطبيع مع اسرائيل وبدأت في تغيير طريقتها و مفرداتها ، غير ان هذا كله لم يكن كافيا أبدا..فاسرائيل دائما تبحث عن (موطيء قدم للمزيد من الأرض)،، لهذا وجد محمود عباس نفسه أمام صفقة القرن بقيادة أكثر الرؤساء سوقية في التاريخ الأمريكي، فترامب كما سمّاه بومبيو ( هبة الله لبني اسرائيل) فعل لهم كل ما يتمنوا و أكثر، طرد منظمة التحرير الفلسطينية من واشنطن، اوقف دعم امريكا لمنظمة الاونوروا، سلم القدس لاسرائيل و سمح ببناء المستوطنات!. مع ضغوط مستمرة على عباس بقبول صفقة القرن مما جعل عباس يقول ( لم يتبق شيء نفاوض عليه!). كل ما يرغب فيه الفلسطينيون الان هو سلام في اطار دولتين ، عودة القدس و عودة اللاجئين و ايقاف المستوطنات و 7 الف كيلومترات مربعة من وطن كان 27 الف كيلومترا مربعا!.

الموقف العربي:

انضمت جامعة الدول العربية لحرب الاستقلال 1948 ، كما دعمت حرب 1956 و حرب 1967 . و مع تنامي تيار القومية العربية تم تفعيل مقاطعة اسرائيل و قد اسست الجامعة لها لجنة مقاطعة كان مقرها دمشق 1946  لكنها نقلت لتونس بعد الموقف من سوريا مؤخرا، و لديها مناديب في كل دولة عربية. بعد حرب النكسة كان الفلسطينيون ينظرون الى  ضرورة الاعتماد على انفسهم بدلا عن المواقف العروبية المتذبذبة. و قد كانت معركة الكرامة 1968 تدشين لهذا الاتجاه، و اعلان ميلاد. لكنه ازعج الاردن التي هاجمت مكاتب منظمة التحرير بعمان و مخيمات اللاجئين فيما عرف بأيلول الاسود الذي تولدت عنه منظمة ايلول الاسود الانتقامية. كانت هنالك عدم ثقة متبادل بين العائلة المالكة في الاردن و الفلسطينيين رغم دعم الملك حسين في البداية لعمل الفدائيين في الكرامة. فقد ضم الملك عبدالله الاول الضفة الغربية بمعاهدة الى الاردن و اغتاله خياط فلسطيني و هو يزور الاقصى بصحبة ابنه الامير الحسين بن طلال الذي اصيب ايضا.و مع الهروب الى لبنان وجد الفلسطينيون انفسهم عالقين في حرب اهلية انتهت بالعدوان العربي على لبنان فيما عرف بحزيران الاسود. كما شاركت حركة  بيار الجميل و حداد اللبنانية  في مذبحة صبرا و شاتيلا في 1982 .

بالنسبة للخرطوم فقد قررت في مؤتمرها بعد حرب 1967 ما عرف بلاءات الخرطوم ( لا صلح، لا تفاوض و لا اعتراف باسرائيل). كان اجتماع بيان موقف لتحدي الهزيمة بعد النكبة بهدف توحيد الجهود على الصعيد الدولي و الديبلوماسي على ازالة اثار العدوان و تأمين انسحاب القوات الاسرائيلية من اراضي 67 . لكن عبدالناصر قبل اتفاق وليام روجرز ، وزير خارجية نكسون،(1969-1973 )، القاضي بالرجوع لحدود 1967 مقابل الاعتراف بالحدود مع اسرائيل. و من ثم أتت اتفاقية كامب ديفيد مع السادات 17 سبتمبر 1978 و التي احتوت على بند وحيد خجول في حق الفلسطينيين لا يقع بعيدا عن فكرة موشي دايان ( الاتونوميا) الحكم الذاتي تحت سيطرة اسرائيل.

المقاطعة كأسلوب للمقاومة: سرد أحداث موت معلن

منذ ان رفع تشارلز بويكت  ايجار الاراضي للمزارعين الايرلنديين في 1880 ، دشن الايرلنديون اسلوب الاضراب و المقاطعة كاسلوب احتجاج على مسلك مدير العقارات الانجليزي في معرض ثورتهم ضد المستعمر الانجليزي،و سرعان ما تراجع بويكت عن قراره و انتصر المزارعون و صار اسمه يعني المقاطعة بتداعيات المقاومة في القاموس. و قد استخدم البشر اسلوب المقاطعة حول العالم منذ ذلك الوقت و بكثافة لارغام الأنظمة القاهرة في اطار العمل السلمي على التراجع و الانسحاب، و من ذلك ( حملة احمل مغزلك و اتبعني) بقيادة المهاتما غاندي لمقاطعة المنسوجات البريطانية. و حملة مقاطعة سيارات النقل في الاباما التي اسقطت  الفصل العنصري في المواصلات  في 1956 و مهدت لقانون الحقوق المدنية فيما بعد.

و قد دعا البرت لوتولي رئيس المؤتمر الافريقي العالم لمقاطعة نظام جنوب افريقيا العنصري ما كان من شأنه في النهاية من محاصرة النظام و اسقاطه. و قد كان الجواز السوداني الى جانب اسرائيل يحظر السفر الى جنوب افريقيا ايضا. ذكر الدكتور عبدالله علي ابراهيم في محاضرة له عن التطبيع بجنوب كليفورنيا مستشهدا بكتاب الديبلوماسي عبدالهادي صديق عن مقاطعة السودان للمنتجات البرتغالية تضامنا مع نضال مستعمراتها في افريقيا. و قد دشن الفلسطينيون حملة البي دي اس:

Boycott Divestment Sanctions

لمقاطعة اسرائيل اقتصاديا و ثقافيا و اكاديميا و رياضيا و هو ما تفعله الجامعات الفلسطينية بنجاح. و قد كبّدت هذه المقاطعة الاسرائيليين مبالغ طائلة حين نجحت في الضغط على البرلمان الاوروبي . خصوصا حين سحب كل من صندوق التقاعد النرويجي و اللوكسمبوروغي و الهولندي استثماراته من مصارف و شركات اسرائيلية. بالاضافة لمقاطعة دانس بانك في الدانمارك لمصرف هبو عاليم لتورطه في بناء المستوطنات. قاطع علماء رفيعون كاستيف هوكينغ الجامعات الاسرائيلية، و كذلك جامعات كجوهانسبيرج و اتحادات طلاب ، كاتحاد الطلاب البريطانيين الذي يضم اكثر من 7 ملايين طالب و طالبة بالاضافة ل343 اكاديميا بريطانيا . كلفت مقاطعة المنتجات الزراعية 6 مليار دولار و ايقاف شركة فيتنز الهولندية خسرت شركة مكوروت الاسرائيلية عقدا قيمته 170 مليون دولار امريكي. ما يحدث الان من حملات تطبيع و ملاحقات و تعديل قوانين في الغرب  هو جزء من محاولة كسر المقاطعة التي باتت خطرا حقيقيا.

نجحت مقاطعة جنوب افريقيا لنظام الاباراثايد لأنها كانت محلية و افريقية و متعددة الاذرع و عالمية. و ما تفعله اسرائيل من تفكيك قمم المقاطعة لعزل النظام الفلسطيني و تركيعه. فحين نقول اننا سنتلقى مساعدات من اسرائيل مقابل التطبيع  هذا يعني اننا سننضم الى ركب الصامتين في سرد احداث موت ملعن لشعب أعزل.

تطبيع أم علاقات عاديّة: صندوق بانادورا

ظهرت مفردة تطبيع عند الاسرائيلين قبل كامب ديفيد بكثافة و جاءت على لسان رئيس الحكومة المصرية وقتها مصطفى خليل في وصف الاتفاق. و ما يحاول ان يقوله الاسرائليون عبر هذه المفردة ، هو جعل العلاقات طبيعية ليس فقط عبر حدود امنة او تمثيل ديبلوماسي بل تطبيع اقتصادي و ثقافي و رياضي ، مرة أخرى تريد اسرائيل ان تحصل على تطمينات عبر توثيق الروابط . و هي لا تقبل بعلاقات عادية. فقد كان حافظ الاسد يشترط في تصوره للعلاقات مع اسرائيل علاقات عاديّة و ليس تطبيع و هو موقف الهند في عهد نهرو مجرد تمثيل ديبلوماسي محدود لاسرائيل عبر مقيم اسرائيلي في بومباي دون ان يقابله سفارة للهند في اسرائيل، و لم تقفز الهند فوق الارث الغاندي تجاه اسرائيل الا بعد اكثر من اربعة عقود.

حين ورّطنا من ورّطنا في لقاء البرهان- نتنياهو. كان هذا بمثابة صندوق بانادورا..لا يمكن ان يعود لسابق عهده ابدا كما لن نكون نحن نفس الدولة بعده. بلد خرجت متعثرة و بنزيف قاتل من نظام قاهر و مستبد ، انتهت الى معاهدة تتربص بها المؤامرات من كل جانب و تلاحقه الكوارث المفتعلة و الطبيعية من اوبئة و فيضانات،  و حروب ، و أزمة خليج ، و ضائقة اقتصادية الخ..هذه هي الظروف التي وجد فيها حمدوك نفسه و هو يمنح مهلة محدودة قبل الانتخابات الامريكية ليوافق على التطبيع مع اسرائيل.. اسرائيل كما كتب صحافيوها لا تثق في سلام هش مع السودان..و بالتالي ستعمل على ان تحصل على حليف مستقر و هذا لن يكون رئيسا مدنيا منتخبا بالضرورة فقد ذاقت طعم الثوار في مصر حين هتفوا بالقرب من السفارة الاسرائيلية ،هتافهم الاخير قبل ان يبتلعهم العسكر الى حين. هذا يعني ان علينا ان نكون متيقظين لمعنى دخول اسرائيل السودان باعتبارها ستجد موطيء قدم مريح اكثر لتأمين سلامها مع السودان بشتى السبل و الوسائل ، دخول اسرائيل انتصار للعسكر. رفض التطبيع هو ايضا اظهار للعسكر بمظهر الجانب المرن الموالي لاسرائيل.. ايضا انتصار للعسكر.. الم اقل انه صندوق بانادورا؟!

من شأن العالم الذي يتربص بنا ان يرى جهودنا تفشل في الانتقال الديموقراطي لنلحق بمصر و اليمن و ليبيا و سوريا..أن تضيع قيم الثورة العليا و تبتلعها عبارات براقماتية عن مصلحة البلد و مصالحنا و تفرغ الثورة من كل قيمها و تصير بلا روح.. و ليست الصيحة الجهورة ضد القهر و الاستبداد ..البذرة لاعادة تعريف الذات و الشعور بالكرامة و التشافي..الهدف هو هذا التيه ..بلا وجهة قيمية محددة تجاه أنفسنا و تجاه الاخرين..

المؤتمر السوداني : (التلب اللزوم مدخور يشيل العايلة!)

منذ تأسيس الحكومة الانتقالية و تحديات ما بعد الثورة التي تنوء عنها الجبال ، أظهر السياسيون السودانيون مراهقة سياسية و هتافية معيبة، جعلتهم يفككون مؤسساتهم و يتبادلون التخوين و الاتهامات و يشيطنون ايقونات الثورة و لم يسلم من دمار الثور في مستودع الخزف أحد..و وصل مسرح العبث هذا الى حد تأليب الشارع على الخروج و اسقاط الحكومة ! و ساعدته الحكومة طبعا بغياب الشفافية و الكاريزما و الصمت المريب و العجز عن تقديم الرؤية و الحلول..و الجميع ينفض نفسه عن الحرية و التغيير وجد المؤتمر السوداني نفسه مطالبا بأن يسند الحكومة الانتقالية و لو وحيدا.. لأن سقوطها يعني سقوط الديموقراطية ..و في هذا الظرف برز موضوع التطبيع ..كيف كان من الممكن لحكومة بدأت تفقد السند الشعبي ، شبه معزولة أن يكون لها الخيرة من أمرها؟! هذا هو الاطار الذي حدث فيه التطبيع تحت الحاح السباق الانتخابي الامريكي..موقف نتفهمه و لا نزايد عليه. و لكننا نطالب – لخطورته- في الحال و المآل ان يتم اخضاعه للبحث و الحوار و المناقشة الكثيفة..فموضوع التطبيع ليس من المواضيع التي علينا ان نقابلها ببيان او تصريح مع او ضد..علينا بلورة موقف يراجع بحذر الخيارات المتاحة من سلام مبدئي كالذي طرحه محمود محمد طه يمنح الفلسطينيين الحقوق التي يطالبون بها مقابل سلام حقيقي و ليس عطاء تحت ضغط و ابتزاز و مؤامرات..سلام يفهم ان البلد المعزول و المهدد بلد خطر ..و تأمينه هو تأمين لحياة الجميع من حوله.. سلام العدالة و الحقوق و الواجبات..او علاقات عادية بتمثيل ديبلوماسي محدود و مقاطعة من جانب النقابات و المجتمع المدني كما فعلت مصر..المهم ان يناقش الامر باستفاضة و يوضع ضمن تصور متكامل يدرس الايجابيات و السلبيات لكل قرار..و يتعامل بحذر مع مصطلحات المستعمر كعبارة تطبيع…و يتحاشى السردية الصهيونية، و يفلت من المآزق العرقية.. فنحن لا نساند فلسطين لأننا نظن اننا عرب او لأننا مسلمون.. اننا نفعل ذلك من تضامن انساني مع الشعوب المقهورة كما فعلنا مع جنوب افريقيا، انغولا، موزمبيق، الكاميرون، كينيا، فيتنام.. الخ..و اي عالم سنصير اليه اذا كف الأخيار عن فعل او قول اي شيء ازاء الظلم و الاستبداد؟ ان تضامن الشعوب و الاشخاص مع المستضعفين هو كل ما لدينا في عالم تسيطر عليه قلة من المستبدين الجشعين.. و علينا ان نسأل انفسنا و من سنجلس اليهم في طاولة حوار حقيقية ماذا يعني السلام مع اسرائيل؟ اطاره و معناه و تداعياته على مستقبل السودان؟ و ماذا سنخسر نحن و الفلسطينيون من السلام او عدم السلام و الحوار؟

محطة أخيرة:

(سجّلوا في دفاتركم أنني

اتنازل عن حصتي في الطحين

و عن حصتي في الوقود

و عن حصتي في غبار الوطن

طائعا اتنازل عنها لأجل الطفولة و العشب

و القفزات الكبيرة نحو النجوم القصيّة)

سيمدون أيديهم لنقيدها / محمد المكي ابراهيم

تعليق واحد

  1. يعني يا دكتورة السردية الطويلة عن فلسطين واليهود نطلع منها بى شنو ؟ هل نطلع منها بإنو موقف المؤتمر السوداني كان سليم او معذور وما عليه غبينة ؟ كان يمكن ان تصلي للنتيجة دي دون ان تصلينا بسردية ما ليها اي نتيجة او ترتيب فيما يليها . واذا كنا ايضا حنطبع بس نشوف كيف يتم التطبيع ، كما زعمت او حاولت تختيهو ما بين السطور ، فدا برضو ما كان بيحتاج للسردية الطويلة . ام ان الغرض كلو هو المداراة للنوايا الحقيقية اللي ما عندك او تعبير عن الارتباك الفكري . فنحنا تارة امام قضية ما هينة ومافي داعي نستعجل وبين تأييد المؤتمر السوداني المستعجل وبين التطبيع نص كم . يعني مقال مليان تناقض وعدم تركيز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى