أخبارتقارير وتحقيقات

قصص موجعة للاجئين إثيوبيين.. جثث مذبوحة وأمهات فقدن أطفالهن

أمل محمد الحسن، التغيير، القلابات،”ولدت في معسكر أم جرقة” داخل الحدود السودانية، وعمري الآن (52) عاما، وعدت إلى السودان لاجئا مرة أخرى!” هذا ما قاله “ارقاي حفتو”، أحد سكان منطقة الحميرة في إقليم تيجراي، والذي فر من الحرب المشتعلة بين حكومة اقليمه وبين الجيش الاثيوبي.

قال حفتو إنه يعمل سائقا، وفي طريقه وجد خمس جثث لأشخاص مذبوحين، فقام بترك السيارة تعمل وركض دون أن يتوقف حتى عبر الحدود إلى منطقة حمداييت، ومن ثم قامت السلطات السودانية بنقله مع آخرين إلى معسكر “أم راكوبة” في محلية القلابات شرق.

من ضمن القادمين إلى المعسكر، “ممي”، التي تركت في بلدتها ابنها صاحب التسعة أعوام، مع جدته لأبيه، ولا تعرف عنه أي شيء!

“كنت أقوم بإعداد القهوة، وسمعت إطلاق نار كثيف، فتوقفت عن عملها، واختبأت مع بقية أبنائي الخمسة داخل المنزل، إلا أن صوت الرصاص استمر في الانهمار، ووجدنا رجالا ونساء موتى في الشارع من الجيران والمعارف، قمنا بالركض بملابسنا التي نرتديها”.

بعد أن توقفت عن الحديث متحسرة، عادت “ممي” لتلوم الحكومة، قالت لم تخبرهم أن عليهم الخروج، وهي لا تدري ما سبب كل هذه الحرب والموت.

 

وحول ما يحدث في بلدتها التي قدمت منها، قالت إن كل شيء توقف قبل خمسة أيام من هروبهم، حيث انقطعت الكهرباء، وأغلقت البنوك والمحال التجارية، وتوقف كل شيء عن العمل.

وأعربت “ممي” عن شعورها بالحزن الشديد نسبة لتوقف الاتصالات عن العمل، الأمر الذي يجعلها لن تتمكن مطلقا من معرفة ما الذي حدث لصغيرها، وهل تمكن من الهرب مع جدته أم لا.

كانت تجلس بالقرب من “ممي” قريبة لها، في شهر حملها الأخير، تدعى رهوة. قالت ممي إنها التقت بها في الحدود، وأن مواعيد وضوعها أتت ولا تدري أين يمكن أن تجري عمليتها القيصرية لوضع جنينها.

وكشفت رهوة عن قدم متورمة من آثار ضغط الجنين، إلى جانب السير لمدة (3) أيام قبل الوصول إلى الحدود السودانية.

قالت رهوة إن زوجها وضعها على “مشمع” مسطح ليقوم بدفعها أثناء عبورهم لنهر ستيت، بينما كان يحمل طفليه في عنقه وبين ذراعية.

حكايات الجدة سلاس

“خوفي على حفيدتي هو ما جعلني أهرب من الحرب”، بعربية ركيكة قالت الجدة “سلاس”، وهي أمرأة تبدو كبيرة في السن إلا انها تتحرك في حيوية وتعمل على طهي بعض الطعام فوق نار على الأرض، ومضت الجدة سلاس تقول إن ابنتها والدة الحفيدة توفيت وتركت ابنتها رضيعة، وقامت بتربيتها حتى صار عمرها (15) عاماً، مشيرة إلى مراهقة تجلس على الأرض ويبدو أنها لا تتحدث العربية. وأضافت الجدة: “لا تملك حفيدتي غيري، فزوجي رفض الخروج من منزلنا، تركناه أنا وابني وزوجته الحامل وطفله”.

ومن خلال دموعها ولغتها العربية الركيكة، قالت سلاس إنها حزينة لمفارقة زوجها الذي تزوجته في عمر صغير جداً، ومع فقدها لأربعة من أبنائها، بعد أن غيبهم الموت، كان وجوده مهما في حياتها.

استيفانوس يخشى الإبادة الجماعية

اما استيفانوس الذي لا يتحدث العربية، كان يتحدث بغضب شديد بلغته “التقرنقا”، وقام أحد اصدقائه بالترجمة، وقال إنه يتهم حكومة آبي أحمد ودولة اريتريا بأنهما يهدفان لعمل إبادة جماعية لشعب التيقراي، بحسب “استيفانوس”. وأكد أن الحكومة قامت بضربهم بمدفعيات ثقيلة من اتجاه كوندو واريتريا، إلى جانب حرق أراضيهم الزراعية.

وافقه الرأي حفتو الذي لا يتوقف عن التجول داخل المعسكر ، وأضاف على حديث استفانوس: ” آبي أحمد استخف بنا وقال إن أعدادنا قليلة، ويمكن أن يتخلص منا في وقت قصير، بينما نحن التيقراي من سلمناه السلطة”!.

معسكر ام راكوبة في مأزق

هذه بعض قصص اللاجئين الاثيوبيين ال(1115)، الذين وصلوا في (13) سيارة اقلتهم من منطقة حمداييت، مروروا بمنطقة “الزيرو”، ثم القضارف حتى وصلوا لأم راكوبة في الساعات الأولى من صباح السبت، لأول معسكر مستقر في محلية القلابات الشرقية.

وبحسب مدير المعسكر، عبد الله عبد الغني، فإن هذا هو الفوج الأول وستصل صباح الأحد وفود جديدة، مشيرا إلى أن الطاقة الاستيعابية للمعسكر تتراوح بين 3 الى 4 آلاف شخص.

والمعسكر الذي يبعد مسافة 78 كلم من القضارف، و86 كلم من الحدود الاثيوبية؛ هو معسكر قديم منذ العام 1985، وكان قد تم إغلاقه في العام 2000.

وكشف عبد الغني عن الإجراءات التي تقوم بها إدارة المعسكر في التعامل مع اللاجئين، مشيرا إلى تسليمهم وجبة فور وصولهم، تطوعت بإعدادها منظمة “مسلمين”، ثم يتم صرف المواد غير الغذائية وهي عبارة عن (بطانية، ومفرش أرض، وجركانة فارغة لتعبئة المياه).

وتقوم إدارة المعسكر بعمل تسجيل للاجئين، بينما تقوم منظمة الهلال الأحمر ببناء مأوى لكل أسرة، وتتكفل بالرعاية الطبية ايضاً.

المخاطر الصحية والبيئية

من جانبه أعرب المدير التنفيذي لمحلية القلابات الشرقية، عباس ادريس محمد عن قلقه من المخاطر الصحية والبيئية على المنطقة حال تزايد اعداد اللاجئين، خاصة مع انتشار جائجة كورونا، نافيا في الوقت نفسه أن تكون هناك أي مخاوف أمنية عازيا الأمر لبعد المعسكر عن الحدود.

وقال محمد إن المنظمات جميعها لم تكن مستعدة لاستقبال اللاجئين، باعتبار أن الأمر كان مفاجئا. وكشف عن وجود بعض التعديات على أرض المعسكر من المواطنين، وقال إن المحلية ستقوم بمعالجات وتسويات فورية.

وأكد المدير التنفيذي توفير المحلية لعدد غرفتين للعزل الصحي، بالإضافة لغرفة خاصة بأمراض شلل الأطفال والأسرة.

وقال محمد إن الأطفال لديهم أولوية قصوى في التعامل، حيث تتم متابعة تغذيتهم وأوضاعهم الصحية. إلى جانب الاهتمام بالنساء الحوامل.

خلفية:

أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي ابي احمد في 4 نوفمبر 2020 الهجوم العسكري على “جبهة تحرير التيقراي” بعد ان هاجمت الأخيرة  القيادة العسكرية الشمالية المتمركزة في إقليم تيقراي على خلفية سلسلة من الاختلافات السياسية بين حكومة الإقليم مع الحكومة المركزية في أديس ابابا.

وبدأت الأزمة مع تقلد آبي أحمد رئاسة الوزراء في إثيوبيا، خلفاً لهيلي ماريام ديسالين عقب احتجاجات شعبية، قامت بها إثنية “الأرومو”، أكبر الاثنيات في البلاد، والتي ينتمي إليها أحمد الذي

طرح بعد توليه السلطة خطوات إصلاحية في البلاد، أزاح بموجبها عدداً من أبناء “التيقراي” من مواقع استراتيجية، ظلت حكراً عليهم منذ العام 1991.

ومنذ أن أسس ابي احمد حزب الازدهار وفقدت جبهة تيقراي نفوذها في الحكومة الفدرالية بدأت العلاقة بينها وبين المركز تتضاءل، وبات الإقليم يتحول شيئا فشيئا بحكم تراكم الإجراءات إلى ما يشبه الكيان المستقل وبلغ هذا التحول ذروته عندما قرر الإقليم إقامة الانتخابات بشكل منفرد في سبتمبر2020 رغم قرار الحكومة الفدرالية تأجيل الانتخابات في كافة الأقاليم بسبب جائحة كورونا.

وأعلنت جبهة تيقراي إلغاء اعترافها بالحكومة الفدرالية، باعتبار أن ولايتها انتهت في 5 أكتوبر2020، وعليه فإن الإقليم لن يمتثل لأي توجيهات تسنها الحكومة الفدرالية ، الأمر الذي قابلته أديس أبابا بالمثل، حيث أعلن البرلمان الإثيوبي أن الانتخابات التي أقيمت في تيقراي غير دستورية، وأن الحكومة التي تمخضت عنها غير شرعية، وقرر البرلمان قطع كافة علاقات الحكومة الفدرالية مع إقليم تيغراي وبعد ذلك حدث التصعيد العسكري الذي انتهى الى الحرب الدائرة حاليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى