تقارير وتحقيقات

من هو خليفة الصادق المهدي؟

التغيير، الخرطوم، إن من أهم وأخطر الأسئلة التي تواجه حزب الأمة القومي في هذا الظرف المعقد والمفصلي في تاريخه هي من سيخلف رئيس الحزب الراحل الصادق المهدي ؟ ومن سيكون إمام الأنصار؟

توجهنا بهذا السؤال لشخصيات قيادية في حزب الأمة القومي اتفقت على عدم استعدادها لنقاش مستفيض حول هذه القضية الآن إذ ان الحزن يخيم على جماهير الحزب الذي يترأسه الآن بشكل مؤقت اللواء معاش فضل الله برمة ناصر الذي كان نائبا للرئيس ، ولكن حسب دستور حزب الأمة لا بد ان ينتخب رئيس الحزب من “المؤتمر العام” في حال تعذر قيامه تنعقد “الهيئة المركزية” لاتخاذ القرارات الكبيرة والمهمة بما في ذلك انتخاب الامين العام للحزب .

ورغم الإصلاحات المؤسسية الكبيرة التي قادها المهدي في حزب الأمة وكيان الأنصار وعلى رأسها صياغة دساتير ونظم ولوائح مكتوبة لكيفية اختيار القيادات ، إلا ان هذه الإصلاحات لم تفلح في تحقيق استقلال الحزب من أسرة المهدي، بل يرى مراقبون أن أسرة الصادق الصغيرة تمدد نفوذها بشكل كبير وان هذا سيلقي بظلاله عند اختيار خلف له: هل ستقدم مؤسسات حزب الأمة مرشحين من خارج الأسرة؟ ما هي فرصهم في النجاح؟

ويجيب المحلل السياسي حاتم بابكر المهدي بأن من نقاط الضعف والفشل للصادق المهدي انه لم يخلق زعامة جديدة في حزب الأمة لخلافته،

ويوضح بابكر قائلا : “إما أن ينصب حزب الأمة أحد أبناء الصادق المهدي لخلافته في الحزب وطائفة الأنصار للاحتفاظ بهما معا ومنعهما من التصدعات،  لكن رغم ذلك لا ضمانات حول بقاء الأمر كما كان في عهد الصادق المهدي لأنه كان شخصا مختلفا جدًا ومن الصعب صناعة خليفة ليحظى بالقبول الذي حصل عليه المهدي”.

لكن حاتم بابكر المهدي يطرح مقترحًا جديدًا أيضا بايكال قيادة الحزب إلى مجلس التنسيق واتباع القيادة الجماعية على الأقل في فترة انتقال محددة إلى حين تسمية أحمد المهدي من آل المهدي إماما لطائفة الأنصار مع تسمية الصديق الصادق المهدي رئيسا للحزب وهي واحدة من الحلول التي قد تجد قبولا كبيرا وسط الأنصار وجماهير حزب الأمة في نفس الوقت للحفاظ على وحدة حزب الأمة .

كان المهدي قد أعلن أنه ينوي اعتزال السياسة والتفرغ للفكر وشكلت هذه التصريحات مفاجأة للأنصار خاصة وأن جماهير الأمة تنظر إلى حزب الأمة من خلال الصادق المهدي وقدرته على توحيدها من الانشقاقات وطوال سنوات قيادته  لم يتفرغ الحزب للبحث عن بديل،  وعوضا عن ذلك مورست ضغوط على الصادق المهدي كانت كافية لإثنائه عن قرار الاعتزال.

ويقول المحلل السياسي والباحث في شؤون الأحزاب السياسية أشرف عثمان لـ”التغيير” إن إمكانيات الصادق المهدي أكبر من الجميع داخل حزبه والآن حزب الأمة في مأزق اختيار خليفة لزعيم الأنصار في ظل عدم تجهيز قادة جدد للحزب والطائفة، أي شخص يمزج بينهما ويتحرك خلالهما كما كان يفعل الصادق المهدي.

ويشير عثمان إلى أن الصادق المهدي حاول الدفع بكريمته مريم الصادق إلى الحياة السياسية وكانت مقربة من المعارضة التي تشكلت من غالبية اليسار وقوى ليبرالية وهي محاولة من الصادق بالتحرك مع جميع الأطراف كما لا يمكن التغاضي عن أن المهدي قد نظر إلى ذهاب ابنه عبد الرحمن مساعدًا للبشير محاولة منه لدخول نجله دهاليز السلطة والسياسة وتجهيزه للقادم.

 

وضع المحلل السياسي أشرف عثمان خيارين لخلافة المهدي الأول عبد الرحمن الصادق المهدي والثاني مريم الصادق المهدي لكنه رجح كفة مريم باعتبارها لم تشارك مع النظام البائد ولديها علاقات قوية مع السلطة الانتقالية.

ويرى عثمان أن هناك تداخلاً مربكا بين حزب الامة والطائفة وآل المهدي متوقعا وضع الحزب خيارًا مفاجئًا بفصل طائفة الأنصار عن الحزب لأن مريم الصادق لا يمكن أن تتولى الإمامة والحزب معًا.

ولا يستبعد عثمان حدوث انشقاقات في حزب الأمة بعد رحيل الصادق المهدي الذي سعى بقوة للحفاظ على “لحمة الحزب متماسكة” رغم الانشقاقات بسبب الكاريزما التي تمتع بها طوال تاريخه وجلبها من عدم العدائية حتى مع خصومه إلى جانب انشغاله بالفكر والتجديد الديني والسياسة أيضا والقضايا الدولية والبيئة.

ويبدو أن احتفاظ الصادق المهدي بمقعده في رئاسة الحزب وتوليه رئاسة الوزراء مرتين  عقب ثورتين شعبيتين منحته الأفضلية في تولي زمام الأمور فكان النظر إلى صنع خليفة له في الحزب والطائفة من المستحيلات أو من المناطق المحرمة الدخول اليها واليوم قد يدفع حزب الأمة فاتورة باهظة بعدم صناعة قادة جدد على مسافة قريبة من المهدي في القبول الجماهيري،  وعُرف عن المهدي جمعه بين الحداثة والتوغل في الثقافة المحلية السودانية لدرجة أن تصريحاته الصحفية تشوبها الولوغ في الثقافة الاجتماعية الشعبية ويوجه ضربة قاضية بها ورسائل قد يبثها إلى خصومه خاصة النظام البائد .

ويؤكد خالد بدر الدين الباحث في مركز تدريب القادة والتنمية البشرية في حديث لـ(التغيير) أن حزب الأمة وطائفة الأنصار اعتمدوا على الصادق المهدي منذ أن كان عمره ثلاثون عاما نافس الإمام الهادي ولا بديل لحزب الأمة سوى طرح حزب سياسي مستقل عن طائفة الأنصار وصنع مشروع سياسي،  لأنه اعتمد فقط على صورة الصادق المهدي طوال سنواته.

وأضاف : “ماهو مشروع حزب الأمة حاليًا حتى لو تم الاتفاق على شخصية بديلة للمهدي؟ لن يجدوا فيه الثقل الروحي والسياسي وإذا تمت تسمية ابنه عبد الرحمن معروف أنه لم يعرف له أي تجديد ديني أو كتابات فكرية مثل والده الصادق المهدي لأن عبد الرحمن أشبه بموظف كبير ينتمي إلى عائلة عريقة”.

وفي حظوظ  مريم الصادق يرجح خالد بدر الدين عدم قبول طائفة الأنصار وجماهير الحزب برئاستها للحزب لأن حزب الأمة يعتمد على إرث قديم نادرًا ما يسمح للنساء بولوج العمل العام في كابينة المقدمة في ظل بقاء العقلية التقليدية للطائفة.

وتابع “الحل في ترسيخ الطائفة في الوجدان السوداني لتكون للجميع ورعايتها والحفاظ عليها في التاريخ وتطويرها لكن إخراجها من المتحف صعب جدًا وانخراط جماهير حزب الأمة في تحويل الحزب إلى حداثوي صاحب مشروع سياسي جديد يستوعب تطلعات شباب ثورة ديسمبر 2018 “.

ويضيف بدر الدين : “الصادق المهدي حافظ على الحزب لدرجة أنه نجا به من الصراع الأشبه بصراع الختمية مع الطبقة التجارية التي تنتمي إلى الاتحادي ولم يشهد حزب الأمة مثل هذه التوترات وقيادة الصادق المهدي تختلف عن قيادة محمد عثمان ميرغني للحزب الاتحادي فهو يختزل الحزب في الختمية لكن الصادق جمع بين الانصار والحزب وهذه من الأمور التي تحسب له”.

من بين الأسماء التي طرحت لخلافة الصادق المهدي في حزب الأمة نجله صديق الصادق المهدي وهو مسؤول الملف الاقتصادي في حزب الأمة وكثيرا ما ظهر في المؤتمرات الصحفية للتعليق على الأزمة الاقتصادية لكن لم يعرف له تقاربًا سياسيًا مع القوى السياسية مثل مريم الصادق.

بينما يعتقد المحلل السياسي حاتم بابكر المهدي أن الصديق الصادق المهدي أحد الخيارات المطروحة بقوة لخلافة والده خاصة إذا تم اختيار أحمد المهدي إمامًا على الطائفة على أن يتولى صديق رئاسة الحزب.

ولا يستبعد حاتم بابكر منافسة القيادي السابق في الحزب مبارك الفاضل للدخول إلى حلبة التنافس للوصول إلى رئاسة الحزب وطائفة الأنصار رغم أن حظوظه ليست كبيرة خاصة لأنه لا يحظى بتأييد أطراف مؤثرة في المشهد داخل حزب الأمة وآل المهدي.

ستظل مسألة اختيار رئيس جديد للحزب هي الأكثر إلحاحا من اختيار إمام للأنصار، لأن مقعد الإمام يمكن ان يظل شاغرا لسنوات وقد حدث هذا بالفعل بعد رحيل الإمام الهادي عام 1970 إذ لم تتم مبايعة الصادق المهدي إماما إلا في مؤتمر عام أقامته هيئة شؤون الأنصار عام 2002 م ، وطيلة هذه الفترة كانت الهيئة ترعى شؤون الكيان الديني، أما مقعد رئيس الحزب فلا يمكن ان يظل شاغرا ولا بد من الاتفاق على اختياره في ظرف سياسي معقد يحيط بالبلاد وهي تجتاز فترة انتقالية أبرز ملامحها تفكك  القوى المدنية أمام قوى عسكرية طامعة في الحكم، وثورة مضادة تعمل على إفشال الانتقال ابتداء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى