أعمدةأعمدة ومقالات

تمويل السلام ، حساب الحقل والبيدر 

ما يزال الحديث يدور في الأوساط السودانية المختلفة حول تحقيق السلام الشامل في كل أنحاء البلاد، وهنالك شبه إجماع على وصف ما تحقق من اتفاق في جوبا بأنّه اتفاق ناقص بين الوفدين الحكومي ( تُقرأ وفد المكون العسكري أساسا أو المجلس السيادي على أفضل تقدير ) وممثلي الجبهتين الثوريتين بقيادة د. الهادي إدريس  ومني أركو مناوي.

ولا أدلّ على ذلك من أنّ كل المتحدثين في حفل التوقيع بجوبا يوم 3 اكتوبر المنصرم ناشدوا بصورة خاصة القائدين عبدالعزيز الحلو وعبدالواحد محمد النور بالانضمام لمسيرة توقيع اتفاقات السلام، بل بدأت في جوبا بالفعل ورشة غير رسمية ضمّت ممثلين للحكومة والحركة الشعبية شمال قيادة الحلو، وبوجود ناشطين ومختصين سودانيين ومسهلين من دول أخرى.

 وتوصل المجتمعون بعد نقاشات معمّقة، واستعراض لنماذج عديدة من دول مشابهة في تكوينها السكاني للسودان، لتوصيات خلاّقة حول علمانية الدولة؛ يقول الأستاذ كمال الجزولي المحامي في كلمة له منشورة بصحيفة الميدان الأسبوع الماضي  إنّ رئيس مجمع الفقه الإسلامي وافق عليها، بيد أنّ الفريق شمس الدين الكباشي رئيس الوفد الحكومي؛ والذي لم يشارك في نقاشات الورشة، رفض تلك التوصيات واقترح عوضا عن فصل الدين عن الدولة عبارة (علاقة الدين بالدولة ) وهي عبارة لا تحوي مضمونا كما في  اشارة كمال بحق. 

  ثمّ ما فتئ المتحدثون عن اتفاق جوبا عبر وسائل الإعلام الرسمية، يرددون نفس المناشدة للحلو وعبدالواحد ، فيما كان د. شريف حريّز أكثر تفصيلا في لقاء صحفي منشور بصحيفة الديمقراطي منتصف الشهر الماضي، وهو يتحدث عن مجموعات أخرى ممن يحملون السلاح في دارفور ولا ينضوون تحت راية أيّا من جبهتي الثورية، وبالتالي لم يشملهم اتفاق جوبا للسلام ولم تتم مناشدتهم حتى للانضمام لركب السلام.

 كل هذه الوقائع تشير إلى تعقيدات حقيقية تواجه عملية سلام السودان، إذا أردنا إطلاق صفة شامل وعادل ومستدام ، ومع كل هذه التعقيدات وعلى فرضية أنّ اتفاق جوبا خاطب كل جذور النزاعات السودانية المزمنة، فإنّ مسألة تمويل ما أتفق عليه تبدو معضلة أخرى. 

  يبدو أنّ عدم شمول الإتفاق ألقى بظلاله على حماسة الممولين المتوقعين لعمليات تنفيذ ما اتفق عليه، ولعل السفير البريطاني في الخرطوم كان أكثر وضوحا في تعبيره عن ذلك، وهو الأمر الذي أثار حفيظة كثير من الناشطين وبعض موقعي الإتفاق، مما حدا  بالسيد مالك عقار رئيس أحد جناحيّ الحركة الشعبية شمال؛ والموقع على الإتفاق، لاطلاق الهواء الساخن، وهو يشير دون مواربة إلى وصف المجتمع الدولي بـ(الأكذوبة)، وكرر وصفه ذاك في أكثر من حوار مع فضائيات خارجية منها  (البي بي سي).

 وأيّا كانت خبرة السيد عقار مع المجتمع الدولي وأكاذيبه، فإنّ تمويل تنفيذ اتفاق جوبا أو أيّ اتفاقات لاحقة تبرم مع الفصائل التي تحمل السلاح حتى الآن، يتطلب دون أدنى شك معونات خارجية ضخمة.

فإذا كانت تكلفة اتفاق جوبا المتوقعة تربو على 7،5 مليار دولار، فإنّ السؤال البدهي هنا يثور عن امكانية توفير هذا المبلغ الضخم  بوساطة الحكومة السودانية، وهل هناك تعهدات من دولة الإمارات بتوفير هذا التمويل إسوة بما فعلت قطر عندما أودعت 2 مليار دولار لصالح تمويل اتفاق الدوحة الذي رعته في العام 2009م، أم أنّ التعويل النظري على موارد البلاد التي يمكن استغلالها هي التي ستوفر هذه المبالغ!

 فإذا افترضنا صحة ما يردده كل سوداني وسودانية عن حجم ما تنطوي عليه بلادنا من موارد طبيعية ظاهرة ومخبوءة تحت الأرض ، فإنّ السؤال الأكثر إيلاما يطفر مباشرة عن أسباب ودواعي النزاعات والحروبات الأهلية التي وسمت تاريخنا منذ الاستقلال وحتى يوم الناس هذا ، كيف لبلد غني بالموارد أن ينزلق لأتون صراعات لا تنتهي حول الموارد ، فيما يشبه نزاعات عصابات المافيا في السيطرة على أسواق المخدرات عبر العالم !

وهل الموارد المحلية بفرضية ثرائها جاهزة الآن لتمويل عمليات تطبيق اتفاق جوبا؟ وهي عمليات كبيرة ومكلفة، من إعادة اللاجئين إلى وطنهم وعودة النازحين إلى مناطقهم وهذا يعني بناء وتشييد مستوطنات بشرية لائقة بالحياة في حدودها الدنيا من مياه شرب وصحة وعلاج وتعليم وسبل كسب العيش، ثمّ عمليات الترتيبات الأمنية وتمويل الوحدات المشتركة وتدريبها وتشوينها ..إلخ 

إن هذين البندين فقط مما لا قبل للموارد الحكومية بتمويلهما وهما بندان أساسيان من بنود الإتفاق، فكيف ينظر السيد مالك وغيره من الزاعمين بـ(أكذوبة المجتمع الدولي) وكأنّه يمكن الاستغناء عنه رغم أكاذيبه!

 حسابات البيدر غير حسابات الحقل كما يقال، إذ يظل تنفيذ الاتفاق رهينا لوجود التمويل، من دون ذلك ستبدأ دائرة الملاواة المعهودة بين وزارة المالية والجهات المختلفة، وعندما يعتلي قيادات الجبهة الثورية المناصب الوجيهة في دولاب الدولة سيواجهون بفقر الخزانة العامة وشح العملات ونقص في الموارد ، فماذا عساهم سيفعلون؟ أيعودون إلى الغابة مرّة أخرى لأنّ الحكومة لم تف بما وعدت أم سيطلبون من المجتمع الدولي العون، سواء أكان المجتمع الدولي أكذوبة أم حقيقة. 

  إنّ تعبئة والاستفادة من الموارد المتاجة وتطويرها بما يحقق فائدتها القصوى  يتطلب كحجر أساس ابرام اتفاق سلام شامل.. وشامل تعني جميع من يحملون السلاح خاصة في مناطق النزاعات المعروفة ، وللوصول لهذا السلام الشامل لابد من سماع عبارات د. عبدالله حمدوك جيّدا، الذهاب للسلام بذهن مفتوح بدون خطوط حمراء أو أنّ هناك قضايا لا يمكن نقاشها، مما سيعيدنا في كل مرّة إلى أسوأ مما كنا فيه.

لقد بعدت الشقة أكثر بعد الإفشال المتعمد للورشة غير الرسمية المشار إليها آنفا، ونحتاج لردم هذه الهوة لنبدأ من جديد وهكذا دواليك، دون اهتمام بعنصر الزمن الذي يمر سريعا.. وحالنا ياها الحال المايلة! 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى