أعمدةأعمدة ومقالات

مطالب الهامش وفصل الدِّين عن الدَّولة واستفتاء الكباشي (2-2)

عادل شالوكا
هل من مطالب الهامش إزالة الإسلام في السُّودان ؟ ولماذا تتمسَّك الحركة الشعبية بفصل الدِّين عن الدَّولة ؟ ومتى أجرى (الكباشي) إستفتاءً لمُكوِّنات جبال النوبة ؟ (2-2).
في المقال السابق تحدَّثنا عن إنتقاد البعض مُطالبة الحركة الشعبية بالعلمانية وتمسُّكَها بها وكأنَّها ولا علاقة لها بمطالب الشعب. فالعلمانية واحدة من أهم مرتكزات مشروع السُّودان الجديد الذي تطرحه الحركة الشعبية كما جاء في نصوص المنفستو والدَّستور، و بناءً على هذه المرتكزات الرئيسية أسَّست الحركة وصاغت موقفها التفاوضي مع المرونة في صياغة العبارات عندما إتَّفق رئيسها مع رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك على (فصل الدَّين عن الدَّولة) في الإتفاق المُشترك الموقَّع بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا في 3 سبتمبر 2020  بعد أن كان موقفها أثناء التفاوض مع وفد الحكومة هو (علمانية الدَّولة). وأي تفاوض له سقوف بحيث لا تخِل التنازلات بمضمون الحقوق الأساسية.
نواصل في هذا المقال على النحو التَّالي :
أولاً: الشعب السُّوداني من المُفترض أن يوجِّه سؤال للحكومة الإنتقالية : لماذا لا تريد التوقيع على (فصل الدِّين عن الدَّولة) في إعلان المبادىء والمضي قدما في العملية التفاوضية؟. فلا توجد أي حُجَّة منطقية لأن تضع حكومة من المُفترض إنها (حكومة الثورة) نفسها في هذا المحك الذي يُهدِّد وحدة البلاد في حال عدم إقرار مبدأ (علمانية الدَّولة)، فبعض مُكوِّنات الشعب السُّوداني لن تقبل بالبقاء في دولة مازالت تحتفظ بطبيعتها الدِّينية ولم تنص على (فصل الدِّين عن الدَّولة) صراحة. وما يقوم به وزير العدل بإنتقاء بعض القوانين وإلغائها أو تعديلها لا يعني إن السُّودان أصبح دولة (علمانية)، فمبدأ الدَّولة الدِّينية لم يتم إلغاؤه حتى الآن، وهي الدَّولة التي ظلَّت قائمة على الأقل منذ 1983 وحتى يومنا هذا. وفي ظل حكومة الثورة هنالك كنائس يتم هدمها وحرقها، ويتم تهديد المسيحيين بهدمها مرة أخرى إذا أعادوا بنائها مثل ما حدث لـ(كنيسة المسيح السُّودانية) في جبرونا بأمدرمان، تلك القضية التي يمثُل المتَّهمون فيها هذه الأيام أمام القضاء. ومثل هذه التفلُّتات – إذا إعتبرناها فعلاً تفلُّتات غير موجَّهة – لا يمكن أن تحدُث في دولة (علمانية) تفصل الدِّين عن الدَّولة، وتوجد فيها قوانين رادعة لمثل هذا السلوك العدواني الذي يتنافى مع الأديان كافة بما في ذلك (الإسلام).
ثانياً: بسبب الحُجج التي برَّر بها الوفد الحكومي تخوُّفه من النص صراحة على (العلمانية وفصل الدِّين عن الدَّولة) كُنَّا نتوقَّع بعد توقيع رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك مع رئيس الحركة الشعبية على الإتفاق المشترك الذي نص على (فصل الدِّين عن الدَّولة) أن تخرج جموع الشعب السُّوداني في مظاهرات حاشدة تنديداً بالإتفاق، وكُنَّا نتوقَّع كذلك أن توجَّه كل الخطب في صلاة الجمعة في اليوم التالي لتوقيع الإتفاق ( 4 سبتمبر 2020) ضد ما تم بين رئيس الوزراء ورئيس الحركة الشعبية، ولكن هذا لم يحدُث، بل في المقابل أصدرت غالبية القوى السياسية وقوى المجتمع المدني في السُّودان، والمنظمات والمؤسَّسات الإقليمية والدولية بيانات تأييد للإتفاق، وتم إستقبال حمدوك بحفاوة في المطار عند وصوله الخرطوم – تأييداً للإتفاق.
ثالثاً: كيف لحكومة الثورة أن تضع إعتبار للـ(إسلاميين) الذين أطاح بهم الشعب السُّوداني في أعظم ثورة في التاريخ الحديث وهم الذين يُفترض أن يكون مكانهم الطبيعي السجون بعد المُحاكمة على ما إقترفوه من ظلم وجرائم في حق الشعب السُّوداني ونهب ثرواته، فإن كان الشعب السُّوداني ومعهم من يعتبرون أنفسهم (شركاء في الثورة) يخشون رد فعل هؤلاء الإسلاميين، فكيف صنعوا هذه الثورة العظيمة ضدهم، ولماذا قامت الثورة في الأساس ؟!.
رابعاً: هل إنحصرت مطالب الهامش على إزالة الإسلام في السُّودان ؟ هذا السؤال الذي جاء في مُقدمة عنوان المقال – هو ما يتم تداوله في بعض الأوساط، ولذلك وضعناه في نفس السياق للرد عليه. فمن الذي يستطيع إزالة أي دين أو معتقد من الناس؟!. فهذه مسائل مُتعلِّقة بالإيمان والضمير، ولا توجد أي سلطة على وجه الأرض مسؤولة عن ذلك. وهل العلمانية تعني هذا؟. نحن نقول إن العلمانية هي صفة للدَّولة وليست للمواطنين – لا يمكن أن نُطلق على المواطن  صفة  (مواطن علماني) ولكن يمكن القول إن هذه الدَّولة (علمانية) – أي إن نظام الحكم فيها يقوم على فصل الدِّين كشأن و(مجال خاص) عن الدَّولة كـ(مجال عام) يلتقي فيه جميع المواطنين بغض النظر عن أعراقهم وثقافاتهم وأديانهم. وهذا (المجال العام) من المُفترض أن تُقدِّم فيه الدَّولة الخدمات للجميع دون تمييز (أمن / تعليم / صحة / تنمية …. إلخ)، وأن لا يرتكز الدَّستور والتشريعات والقوانين على أسس دينية تُقسِّم المواطنين وتُفرِّق بينهم لأن الدُّولة الحديثة بطبيعتها تضم مواطنين مُختلفين في الأديان والمُعتقدات والمذاهب (في حالة الدِّين الواحد).
فمُهِمَّة الدولة عندما تكون (علمانية) هي العدالة بين الناس دون تمييز، وخدمتهم وحمايتهم وصون كرامتهم. ولكن كيف يتم مُعاملة بعض المواطنين عندما تكون الدَّولة دينية وحكومتها تنظر للآخرين بإعتبارهم (كُفَّار .. وحطب نار)؟!. وهذا ما حدث بالضبط في السُّودان عندما تم إصدار فتاوي تُهدِر دماء الكثيرين بما فيهم مواطنين مُسلمين بإعتبارهم خارجين عن الإسلام بتمرُّدهم على (السُلطان) لأن الدَّولة القائمة آنذاك كانت “دولة تفويض إلهي” – (الزارعنا غير الله يقلعنا) ترتكز على مفهوم (الحاكمية).  ولذلك الدَّولة الدِّينية هي ضد الجميع بغض النظر عن أديانهم ومُعتقداتهم، وهي أداة للإنفراد بالسُّلطة والإستبداد وقمع الخصوم.
أما كون إن هذه المطالب ليست مطالب النوبة لأن النوبة مُلتزمون دينياً وأخلاقياً (مسيحيين على مُسلمين)، فمثل هذه المقولات يعجز المرء عن الرد عليها حقيقةً – لسذاجتها – فما هي علاقة الدِّين والأخلاق بكون الدَّولة علمانية وتفصِل الدِّين عن (المجال العام) ؟!. ومن المسؤول عن قياس (دين – وأخلاق) المواطنين وتصنيف صاحب الدِّين والأخلاق من عدمه؟. و هل هذا من مهام الدَّولة ؟. وما هي علاقة الدَّولة بدخول الناس إلى (الجنة أو النار)؟.
خامساً: لا يوجد في السُّودان من يشعر بمُعاناة المواطنين في الهامش بسبب ويلات الحرب والنزوج واللجوء والفقر ونقص التعليم .. وغيره أكثر من الحركة الشعبية لتحرير السُّودان – شمال التي تُسيّطر على مساحات شاسعة من (الأراضي المُحرَّرة) تُعادل مساحة عِدَّة دول (مُجتمِعة) في أوروبا وأفريقيا.  ويقع على عاتقها الحفاظ على أمنهم وأرواحهم، وتقديم الخدمات (تعليم / صحة / مياه/ زراعة / تنمية … إلخ)  في ظل شُح الموارد وعدم القُدرة على إستغلالها بالصورة المُثلَى بسبب الحرب. وبرغم ذلك كله يرفض المواطنون الإنضمام إلى مناطق سيطرة الحكومة لإيمانهم بقضيتهم وثقتهم في الحركة الشعبية وقدرتُها على تحقيق تطلُّعاتِهم. فما أصعب التَّحدِّيات التي تواجه الحركة الشعبية وتضع على عاتقها مهام عسيرة، ولكنها قبلت هذا التَّحدِّي وتحمَّلت مسؤولياتها التَّاريخية تجاه هذا الشعب العظيم الذي يعطي دروس مجَّانية لقادة الحركة الشعبية. ولذلك لا يستطيع أي شخص أن يُزايد على مُعاناة (النوبة) أو غيرهم من شعوب الهامش، وإن كان رأيهم أن نوقِّع على أي إتفاق (وهمي) ونذهب إلى الخرطوم، فلن يكون أمامنا خيار غير الإستجابة لمطالبهم لأننا هنا من أجلهم. ومن منَّا لا يريد أن يطوي صفحة الحرب ويعود إلى أبنائه وأهله وذويه قبل أن يتفاجأ بأنه لن يراهم مرةٌ أخرى.
سادساً: أما من يقولون إن التمسُّك بـ(العلمانية) عبارة عن “مُماطلات” من (الحلو) لتعطيل فرحتهم بالسلام  !َ!. فأي سلام سيفرحون به، هل هو السلام الذي سيعيدهم إلى الحرب مرة أخرى بعد أربعة سنوات (الفترة الإنتقالية الحالية) مثل ما حدث بعد الفترة الإنتقالية (2005 – 2011). من الذي لا يتعلَّم من تجاربه؟ وكيف يُلدَغ (المؤمن من نفس الجُحر) سبعة مرات؟!. ونحن لم نحرم أي شخص من الإحتفال بالسلام الذي يراه مُلبِّياً لطموحاته، والطريق إلى الخرطوم مفتوح للجميع كما تعلمون.
سابعاً: ذكر الفريق/ أول شمس الدين كباشي في لقائه بقناة النيل الأزرق بتاريخ الإثنين 30 نوفمبر 2020 – أن مطالبة (الحلو) بالعلمانية وتقرير المصير هو طرح الحركة الشعبية وليس مُكوِّنات جبال النوبة !! . وعلى شمس الدين كباسي أن يُجيب على الأسئلة التالية:
1/ ما المقصود بمُكوِّنات جبال النوبة ؟ وهل يقصد مُكوِّنات إجتماعية أم سياسية ؟
2/ متى إستطلع الكباشي آراء هذه المُكوِّنات وعرف إنها لا توافق على العلمانية وتقرير المصير – وما هي الآلية التي إستخدمها لقياس ذلك؟.
مثل هذه التصريحات الجُزافية الهدف منها بالطبع الإستقطاب والإرباك، والحركة الشعبية إلتقت خلال الفترة الماضية بغالبية مُكوِّنات جنوب كردفان/ جبال النوبة ووقَّعت معهم على إعلانات أو بيانات سياسية ولم نتلقَّى منهم أى رفض لأطروحات الحركة الشعبية، بل كانوا يرونها موضوعية وتجلب الحقوق لجميع مُكوِّنات الإقليم، ولم يعترض أي منهم على قضية فصل الدِّين عن الدَّولة ولا حتى حق تقرير المصير في حال تعنُّت الحكومة المركزية لأنهم يدركون جيداً إن حق تقرير المصير مهما كانت نتائجه فإن ذلك لا يؤثِّر على حقوقهم الإجتماعية، السِّياسية، أو الإقتصادية. وهم يدركون كذلك من الذي سيتسبَّب في عدم وحدة البلاد بسبب التعنُّت والإصرار.
 ثامناً: ما يتم تداوله من آراء في أوساط الهامش وخاصة في جبال النوبة هو جزء من مُخطَّط شمس الدِّين كباشي وصديق تاور لعزل الحركة الشعبية ووضعها في خانة الرافضة للسلام ولا تهتم بمُعاناة النوبة، وهذا واضح من خلال لقاءاتهم وإجتماعاتهم التي يديرونها ونراها في وسائل التواصل الإجتماعي سواء كان في الخرطوم أو في جوبا أو غيرها.
تاسعاً: هل سيعود فصل الدِّين عن الدولة على المُهمَّشين بالرفاهية ؟ – وما الذي حرمهم من الرفاهية أساساً سوى إستغلال الدِّين في السياسة وتكوين (رؤوس أموال رمزية) لأولئك الذين إستخدموا الدِّين للسيطرة على السُّودانيين سلطةً وثروة ؟.  فالنُخب السُّودانية المُسيّطرة، عملت منذ بواكير الإستقلال على إقحام الدِّين في السِّياسة وسن دساتير وقوانين ذات مرجعية  إسلامية .. والهدف من ذلك في الأساس، هو خلق إمتيازات للكيانات الإجتماعية المُسيّطرة في السُّودان للإنفراد بالحُكم، والسيّطرة المُطلقة على السُلطة والثروة في البلاد. فهذه التشريعات تحول دون وصول غير المُسلم إلى سُدة الحُكم، وكذلك أهل الهامش حتَّى لو كانوا مُسلمين، لأنهم دون معايير وشروط العروبة، وبالتالي “ناقصي دين”، ودارفور تقف شاهدة على ذلك، و بالطبع غيرها من مناطق الهامش الأخرى.
 وفكرة “مركَزة – Centralizations” السُلطة والثروة هذه، تعود جذورها إلى التاريخ العربي الإسلامي، وإلى عهد “عثمان بن عفان” عندما وجَّه جامعي القُرآن ليكتبوه  بلسان “قريش”  – كما ورد في صحيح البُخَاري – كتاب فضائل القُرآن – باب نزل القُرآن بلسان قريش – 4699:
((حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شُعيب عن الزهري، وأخبرني أنس بن مالك، قال : فأمر عُثمان – زيد بن ثابت، وسعد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوه في المصاحِف، وقال لهم “إذا إختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القُرآن، فأكتبوه بلسان قُريش .. فإن القرآن أُنزل بلسانهم .. ففعلوا”)).
 وهذه كانت بداية “مَرْكَزة” السُلطة والسيادة المُطلقة لـ”قريش”، وتشكُّل المركزية الإثنية والثَّقافية والسياسية في شِبه الجزيرة العربية، لأن القُرآن كان : (عربياً .. بلسانٍ عربي مُبين). وهذا ما يُفسِّر إصرار النُخب السُّودانية على “العروبة والإسلام”  والسعي الدؤوب لسن قوانين مرجعيتها الشَّريعة الإسلامية، وذلك لإضفاء الشرعية على سيطرتهم ونفوذهم المُطلق، وبالتالي إقصاء الآخرين وتهميشهم.
أخيراً: العبء الكبير للخروج من هذا النفق يقع على عاتق الشعب السُّوداني الثائر الذي صنع ثورة ديسمبر المجيدة، ورئيس وزراء حكومة الثورة د/ عبد الله حمدوك الذي جاء إلى منصبه عبر واحدة من أعظم الثورات في العصر الحديث كما ذكرنا، ثورة مهرها الشباب بدمائهم وأرواحهم التي قدموها رخيصة في سبيل التغيير وبناء وطن يسع الجميع. والوثيقة الدستورية أعطته حق أن يجلب السلام بأي ثمن. ولن تكون قضية علاقة الدِّين بالدَّولة هي العقبة التي تقف أمام السلام ووحدة البلاد وتجنُّب مخاطر الإنقسام والتفُّكك والإنشطار إلى دويلات. والمُّهمَّة باتت الآن أصعب من الأول بعد تشكيل (مجلس شركاء الفترة الإنتقالية) الذي صادر صلاحيات السُّلطة المدنية وجعلها مكتوفة الأيدي، والذي صار فيه (حمدوك) مُجرَّد عضو تشريفي.
 أي مُستقبلٍ قاتم ينتظره الشعب السُّوداني الذي يري بعينيه ثورته تنحدر بسرعة نحو هاوية المجهول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى