أخبارتقارير وتحقيقات

السودان تحت تهديد السد الإثيوبي.. سيناريوهات للتعامل مع مخاطر وشيكة

صفقة ثنائية محتملة مع أديس أبابا لضمان التشغيل الآمن لمرافق التخزين

التغيير: سارة تاج السر- بعد (11) عاماً من المفاوضات المعقدة بدأت الخرطوم أكثر قلقا من مخاطر محتملة من سد النهضة الأثيوبي والذي يبعد نحو (15) كليو مترا عن أراضيها، كما اتجهت إلى إتخاذ مواقف مغايرة للحفاظ على حقوقها المائية بانسحابها في سابقة هى الأولى من نوعها من المباحثات المباشرة بين الدول الثلاثة في نوفمبر الماضي.

واعتبرت الخرطوم أن سد النهضة يمثل أبرز التحديات التي تهدد الأمن القومي السوداني، واعلنت رفضها القاطع لأي اتجاه من أديس أبابا لملء السد للمرة الثانية بشكل أحادي بحلول يوليو القادم، وعكفت على إعداد سيناريوهات للتعامل مع ما يستجد من تطورات، بجانب إنطلاق حملة دبلوماسية، سياسية، إعلامية للتنبيه بالمخاطر المحدقة بخزانات السودان وتهديد السلم والأمن بالبلاد.

وسد (GERD) الذي يجري بناؤه عبر النيل الأزرق، على بعد 5 إلى 15 كيلومترًا من الحدود السودانية الإثيوبية، بسعة تخزين 74 مليار متر مكعب وسعة تصميم 6450 ميجاوات من الطاقة الكهرومائية، وسيكون الأكبر في أفريقيا، ومن بين أكبر 15 محطة كهرومائية في العالم، ويقع على بعد 100 كم فقط من خزان الروصيرص الذي يقل حجمه عن 10٪ من حجم الأخير وبموقعه بالقرب من الحدود مباشرة وبهذا الحجم سوف يوقع آثارا كبيرة على السودان تهدد نحو 20 مليون مواطن سوداني، لكون النيل الازرق مسئول عن توفير المياه لحوالي 70٪ من نظم الري في السودان بشكل رئيسي من خلال سدي الروصيرص  و سنار، حيث يقع الاول على بعد أكثر من 100 كيلومتر بقليل من سد النهضة، بينما تبلغ سعة سد الثاني الواقع على بعد 210 كم من سد الروصيرص 1٪ فقط من سد النهضة.

مهددات

التنبؤ ببعض مهددات سد النهضة اجملته الحكومة السودانية في خطاب لمجلس الأمن الدولي في أواخر يونيو الماضي تحدث عن جملة جوانب سلبية أبرزها تغير نظام تدفق النيل الأزرق عن طريق تسطيح هيدروغرافه.

التنبؤ ببعض مهددات سد النهضة اجملته الحكومة السودانية في خطاب لمجلس الأمن الدولي في أواخر يونيو الماضي تحدث عن جملة جوانب سلبية أبرزها تغير نظام تدفق النيل الأزرق عن طريق تسطيح هيدروغرافه.

ولان السد الاثيوبي يمثل أكبر من 1.5 مرة من التدفق السنوي للنيل الأزرق، وسيؤدي ذلك إلى تأثيرات على هيدرولوجية النهر وموارد المياه والترسيب، في المقابل سيكون هناك آثار مباشرة على البنية التحتية واستخدام الأراضي والناس والنظام البيئي على طول النيل الأزرق والنيل الرئيسي.

وذكر الخطاب ان آثارًا سلبية محتملة إذا لم يتم تصميمه وبنائه وملئه وتشغيله بشكل صحيح، تتراوح ما بين تهديد حياة وسلامة الملايين من المواطنين السودانيين الذين يعيشون مباشرة في اتجاه مجرى النهر، إلى السلامة التشغيلية للسدود السودانية في سنوات الجفاف والجفاف الممتد، إلى تهديد نظم  الزراعة المروية في البلاد، إلى الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية على طول النيل الأزرق والنيل الرئيسي.

وترى الحكومة أنه في حين أعترف السودان بحق إثيوبيا في تطوير مواردها المائية لصالح مواطنيها ورفاههم ، فمن الحيوي أن تفعل أديس أبابا ذلك مع ضمان معالجة أي آثار سلبية محتملة وتخفيفها بشكل صحيح بالتشاور والتنسيق الوثيقين مع الدول النهرية خلف السد.

رئيس الجهاز الفني للموارد المائية ومسئول المياه العابرة بوزارة الري صالح حمد، أكد في لـ(التغيير)، أن تشغيل الخزانات يستلزم بيانات هيدرولوجية يومية أهمها توضيح كمية المياه الواردة إلى الخزان وحال لم يتم التوافق بشكل قانوني فإن الوارد إلى الروصيرص يصبح غير معلوم، بسبب تأثر الكمية بقرارات التشغيل اليومية للسد الأثيوبي والتي لايمكن التنبؤ بها.

واضاف حمد: “وجود إتفاق ملزم بين القاهرة واديس أبابا مهم للغاية لتشغيل الروصيرص بصورة آمنة”. وذكر بأن البند الذي ينص على تبادل البيانات بين السدين متفق عليه في المسودة الذي يجري التفاوض حولها الا انه غير فاعل لعدم التوقيع من قبل الأطراف المفاوضة.

كبير مفاوضي سد النهضة ومسئول المياه العابرة صالح حمد

واعتبر مسؤول المياه العابرة، بأن اضرار سد الروصيرص في غياب المعلومة يمتد إلى عدم معرفة خطة الطوارئ التي يجب تبادلها بين الخزانين، كما يؤثر أيضا على الإدارة الكلية لموارد المياه من النيل الأزرق واستخداماتها المختلفة للزراعة والإنتاج الكهرومائي فيما أكد صالح صعوبة التنبؤ بالخسائر الإقتصادية والإجتماعية في الوقت الراهن.

قلق سوداني:

وأبدي وزير الري والموارد المائية السابق والخبير في قضايا السدود والمياه عثمان التوم حمد، قلقه من مضي إثيوبيا إلى التخزين في المرحلة الثانية بدون اتفاق مع الخرطوم والقاهرة يراعي فترات الجفاف والجفاف الطويل وحالة الطوارئ. وقال لـ(التغيير)، أن فرضية ملء البحيرة في سنوات جافة يقود إلى عواقب خطيرة وعجز  في توفير  مياه الشرب والتوليد الكهرباء وري المشروعات الزراعية. واضاف، “برغم  ضآلة احتمالية تكرار حدوث جفاف شديد كما في العام 1984م الذي بلغ ايراد النيل الازرق 29 مليار متر مكعب الا أن ذلك يحتم وضع عدد  من السيناريوهات التي تتطلب تخطيطا دقيقا لمقابلة تلك الطوارئ”. واشار التوم ، إلى أن خزان الروصيرص يحتاج إلى 6 مليار متر مكعب وكذلك مروي  بينما تتطلب الزراعة في مشروع الجزيرة توفير 3 مليار متر مكعب.

وأوضح الوزير السابق، ان خزان سد النهضة مصمم على فيضان 10 الف سنة بينما تصميم الروصيرص على فيضان كل 1000 سنة الأمر الذي يستوجب تبادلا للبيانات لاسيما بين الخرطوم واديس ابابا، واقترح التوم في هذه النقطة توقيع بروتوكول تعاون ثنائي مع اثيوبيا بهدف التنسيق الدقيق وتبادل البيانات بين سدي النهضة والروصيرص لضمان التشغيل الآمن للأخير وراي ان ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية.

وحسب مصادر حكومة مطلعة تحدثت لـ(التغيير)، فإن النقطة الأخيرة التي أثارها الوزير السابق تخضع لمزيد من الدراسة بواسطة الجانب السوداني، حال تعذر التوافق على توقيع اتفاق قبل يوليو المقبل وهو ما لم يشر إليه صراحة، وزير الري الحالي ياسر عباس في مقابلة تلفزيونية السبت الماضي لكنه ذكر أن وزارته تدرس عدد من السيناريوهات الفنية حال لم يتم التوافق على قضايا الملء والتشغيل.

وزير الري السابق وخبير المياه والسدود عثمان التوم حمد

وأشار الوزير السوداني السابق، إلى أن الملء الاول والذي لم يتجاوز 4 مليار متر مكعب تسبب في هبوط منسوب النيل الازرق وخروج محطات المياه عن الخدمة لأيام، ولفت إلى أن تكرار السيناريو الخريف المقبل بتخزين 13 مليار ونصف متر مكعب من قبل إثيوبيا يعني بأن تشغيل سد الروصيرص شبه مستحيل فضلا عن تضرر 70٪ من القطاع المروي الواقع على ضفة النيل الازرق.

خسائر محتملة:

فرضية الخسائر المتوقعة على السودان تفتح بابا للأسئلة بشأن قوانين استخدامات مياه الأنهار العابرة وما إذا كانت تتضمن بندا عن أي تعويضات نتيجة ما تلحقه أحدى الدول المتشاطئة بالاخري.. بمعني آخر هل في القانون الدولي للمياه بنود تلزم إثيوبيا بتعويض السودان عن أي أضرار أو خسائر تترتب على ملء وتشغيل سد النهضة بدون اتفاق قانوني؟

كبير مفاوضي سد النهضة من الجانب السوداني مسؤول المياه العابرة صالح حمد، قال: “حال حدوث طارئ تسببت فيه إثيوبيا جراء الملء والتشغيل من سد النهضة، فإن الأمر يخضع لتقييم من لجنة مختصة لتقدير الخسائر ومن ثم تحديد مسئولية الدفع”.

هشام كاهن عضو الوفد القانوني السوداني في مفاوضات سد النهضة

اما عضو اللجنة القانونية بمفاوضات سد النهضة هشام كاهن، يقول أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997، تلزم الدول المتشاطئة بإستخدام المياه وفق 4 مبادئ، مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول؛ الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن ؛ الإخطار وتبادل البيانات والمعلومات ؛ والتسوية السلمية للنزاعات.

وفي حال تسببت دولة في أي أضرار من استخدام المياه فعليها إزالة ذلك الضرر، يوضح  كاهن لـ(التغيير)، إثيوبيا للاسف ليست  طرفا في تلك الإتفاقية. لكنه أشار إلى أن مبدأ التعويض ورد في اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في 2015، وهو بالتالي ملزم لاديس أبابا ولكن في حالة عدم الوصول إلى إتفاق على الخرطوم الإعتماد على مبادئ القانون الدولي واللجوء إلى التحكيم .

اتفاق ثنائي:

الأضرار المحتملة في الأرواح والممتلكات والزراعة من تهديدات السد العملاق دفعت السودان للمطالبة بضمان تحقيق تدابير سلامة السدود أثناء مراحل الملء والتشغيل لسد النهضة، خلال مراحل التفاوض المختلفة التي وصلت إلى طريق مسدود بسبب منهجية التفاوض وفقا لوزير الري السوداني، ولكن مع الإصرار الاثيوبي في المضي في إجراءات تعبئة المرحلة الثانية بدون اتفاق قانوني بدأت الخرطوم تفكر بشكل جدي في صفقة ثنائية مع أديس أبابا لضمان التشغيل الأمن لمرافقها التخزينية بعيدا عن مصر تلبية لاحتياجات قطاع الزراعة والتوليد المائي وتقليلا للأضرار المتوقعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى