أعمدة ومقالات

شركاء الثورة أم غرماؤها ؟

خالد فضل

1

    ثورة ديسمبر المجيدة ليست حدثا عابرا في مسيرة تطور بلادنا , لقد اندلعت هذه الثورة وسط ركام هائل من المثبطات , ولا أدلّ على ذلك من أنّ معظم السودانيين من الأعمار فوق سن الشباب لم يأبهوا بها , هذا إن لم يعارضوها أو يحاولوا تثبيط همم شبابها وشاباتها , حتى بعض القادة السياسيين مارسوا ذلك التثبيط للهمم , إضافة إلى العمل الأمني القذر والحيل والترويع والقتل والإعتقال للمشاركين في الثورة , ومحاولات زرع الفتن والتوجس بينهم عبر الشائعات المغرضة , كل ذلك حدث لتخذيل الثوار ولكن هيهات , (خلاص قطر النضال ولى وقاسي عليّ إتدلى ) , ثمّ كانت سلميتها النادرة لدرجة اطلاق بعض النكات الساخرة حول بعض الأحياء في الخرطوم والتي لم تخرج فيها المواكب , وعلى سبيل الطرفة قيل إنّ بعض شبابها عندما سئلوا عن سر تخلف مناطقهم عن ركب المواكب أجابوا بعفوية ( ما قلتوا سلمية ) !! وعندما خرج صبي الإعلام ذاك في سلطة الإسلاميين الآفلة , في منتصف الليل ليذيع على الناس بيانه المهم حول ضبط خلية الإغتيالات في الدروشاب شمال بحري , وجيئ بشباب قيل إنهم من حركة جيش تحرير السودان /جناح عبدالواحد , كان الرد في مواكب اليوم التالي عاليا وناضجا وباذخا ( يا العسكري ومغرور كلّ البلد دارفور ) لاحقا أضاف إليها خطّاط ماهر _ وجبال النوبة كمان _ كما هو مثبت على جدران سور في شارع الجمهورية قرب مباني جامعة الخروم .

2

  لعله تكتيك موفق أن احجمت حركات الكفاح المسلّح عن مناوشة سلطة البشير التي كانت تترنّح وقتئذ , اكتفت بالدعم السياسي والإعلامي ومشاركة مؤيديها ربما في المواكب السلمية وفي ملحمة الإعتصام , أقول تاكتيك موفق لأنّ أيّ مناوشات عسكرية من جانب الحركات في تلك الأيام كان سيشكّل رصيدا إعلاميا ضخما لصالح السلطة المبادة , وهي بارعة كما عشنا سنواتها في الكذب والتضليل , وكأيّ سلة شمولية قاهرة من أبرع ما تجيد , الحشد والتضليل الإعلامي  هنا نصل إلى النقطة الجوهرية التي ينبغي أن يعترف بها الرفاق في الجبهة الثورية , وهي أنّهم ليس هم من صنع التغيير , وفي المقابل لا أحد ينكر عليهم حقهم في النضال والمقاومة الشرسة لسلطة البش الإسلامي التي بطشت بالسودانيين , جهة جهة وحزبا حزبا وفكرا فكرا لم يسلم من أذاها حتى شيخها وعرّابها المرحوم د. الترابي , وزمر من كوادر المؤتمر الشعبي , نعرف ذلك ولا نغمطه وإلاّ كنا مطففين. صحيح أنّ مناطق دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق , وبدرجة أقل مناطق شرق السودان قد شهدت أفظع الإنتهاكات لحقوق الإنسان لدرجة ارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي واستخدام سلاح الإغتصاب كأحد وسائل الإخضاع والإذلال النفسي والمعنوي والجسدي للضحايا , فيما كانت التعديات في المناطق الأخرى هي القتل والترويع والتعذيب البدني والنفسي , وإن كانت هناك ممارسة للقتل الجماعي كما في مجازر بورتسودان , ومعسكر العيلفون , وأمرى وكجبار , وضباط حركة رمضان , وتصفيات طالت بعض الأفراد هنا وهناك في كل أرجاء السودان .

3

  في كل هذه الأهوال , لابدّ أنّ الرفاق في حركات الكفاح المسلّح فرعية الجبهة الثورية تحديدا , يعرفون تماما ما هي القوى التي ظلّت تقف إلى جانبهم على الأقل باضعف الإيمان , ما ي القوى التي ظلّت تالب باستمرار بوقف الحرب والوصول إلى حلول سلمية , ما هي القوى التي كانت تدعم وتقف إلى جانب الضحايا وتحاول دعمهم بكل ما تستطيع , في المقابل ما هي القوى والتشكيلات التي اعتمد عليها نظام البشير المقبور في ممارسة كل ما حاق بمناطق الحرب وشعوبها من أذى وتدمير ؟ الإجابة التي لا تحتاج إلى فانوس , أنّ من ساند القضايا العادلة لحاملي السلاح , ومن سعى لمساعدة الضحايا , هي القوى المدنية السياسية منها أو منظمات المجتمع المدني , أ هذه هي الحقيقة أم لا ؟ فمن أحقّ بالصحبة ونحن في أوان التغيير ؟ من أحقّ بالإعتبار والتقدير كموقف نبيل في رد الجميل , القوى التي ساندت ووقفت أوقات الشدّة أم التشكيلات التي شاركت ومارست ما مارست من تنكيل , من أحقّ بالإنحناء وخلع القبعات العسكرية إجلالا لهم وتقدير , شابات الثورة ولجان المقاومة , وصبية المدارس وطلبة الجامعات وجموع الأمهات والأخوات اللاتي كن الزاد المعنوي والعملي للثورة أم صفوف الفلول ؟ ما هذا القول الفج تجاه القوى المدنية وكأنّها غريم , مع التودد الممجوج تجاه ذوي الكسكتات ؟ لماذا ترديد ذات الاسطوانة المشروخة التي يشيعها انصار العهد المباد , وبالمناسبة ليس من الضروري أن يقتصر هذا الوصف على عضوية المؤتمر الوطني /الحركة الإسلامية وحدهم هناك طيف واسع ممن قضت أو ستقضي الثورة والتغيير على  مصالحهم المرتبطة بالفساد والإفساد , طيف واسع بمن فيهم بعض من يتسمون بالثورة !! بل بعض من يتسمون ويلتصقون بالكفاح المسلّح وليس لهم بندقية واحدة !! الحق في تقديري أن يتواضع الرفاق في الجبهة الثورية , إذ ليس بأيدهم سوى نسخة من طبعة أولى من تحقيق السلام في السودان , لم يكتمل الإتفاق بعد ليوصف الإتفاق بالشامل والنهائي والمستدام , هناك حركتان  مؤثرتان  وذاتا حضور عسكري وسياسي واجتماعي لا ينكره إلاّ من يخادع نفسه , عوضا عن المناشدات الباردة للحاق بركب السلام يجب أن يتجه قادة الثورية إلى رحاب الثورة والثوار , يقفون في خندق الثورة والتغيير والمدنية , ساعتها يكون نداءهم لبقية الرفاق ذا معنى أمّا أن يكون جام غصبهم من قوى الحرية والتغيير , وكل انتقادهم للقوى المدنية الديمقراطية ونعتها بمعارضة السلام وعقلية الماضي ..إلخ هذه سكة وعرة , لن تفيد الجبهة الثورية ولا مجال في سودان المستقبل لحاكم عسكري وإن جاءت به الموساد والشاباك . هناك الآن وعي مدني طاغ ربما لم يدرك غوره الرفاق في الثورية ولكن حتما سيعرفون , عودوا يا رفلق إلى حاضنتكم الأساسية , شعب طموح وقوى حيّة وشباب مقاوم مصادم , هتف تحت وابل رصاص القمع والإستبداد ( كلّ البلد دارفور ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى