تقارير وتحقيقات

شرعية الحكومة الانتقالية في امتحان 19ديسمبر 2020

التغيير، الخرطوم، محمد سعيد حلفاوي، احتشدت الصحف ومنابر التواصل الاجتماعي بالدعوات للخروج في مواكب مليونية لإحياء الذكرى السنوية الثانية لثورة ديسمبر التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وسط انقسام وتباين حاد في وجهات النظر تجاه أهداف وشعارات الحراك الذي من المتوقع ان يبدأ ظهر اليوم السبت،إذ ضرب الانقسام القوى التي قادت الثورة وعلى رأسها تجمع المهنيين وقوى”الحرية والتغيير” مما أدى الى اختلاف الموقف من السلطة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري، نتج عن ذلك خطاب تصعيدي ضد سلطة الانتقال واتهامها صراحة بالانحراف عن أهداف الثورة تماما مما يوجب اسقاطها ، في مقابل دعوات للاحتفال بالثورة ومطالبة الحكومة بالإصلاحات وبإنجاز أهداف بعينها في ملفات العدالة والاقتصاد وتكوين المجلس التشريعي، بل وحذرت أحزاب (الأمة القومي، التجمع الاتحادي، البعث العربي والمؤتمر السوداني) في بيان مشترك يوم امس الجمعة : “سنعارض أي دعوات لإسقاط حكومتنا الانتقالية”.
في الذكرى السنوية الأولى كان التمسك بحكومة الثورة ودعمها ومطالبتها بالإصلاح ملمحا طاغيا على المواكب الضخمة التي خرجت للاحتفال وكان ذلك بمثابة تأكيد للشرعية السياسية للحكومة فهل ستكرر مواكب اليوم ذات الموقف؟ أم ستبرز اتجاهات تصعيدية ومطالبات بإسقاط الحكومة كما ظهر في عدد من بيانات لجان المقاومة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
الإجابة متروكة للشارع في الساعات المقبلة، ولكن أين تكمن أزمة “الفترة الانتقالية” وما هو سبب فشلها الذي ترددت الشكوى منه في عشرات البيانات والبوستات عشية العيد الثاني لثورة ديسمبر؟

هيمنة المكون العسكري

يتهم  مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية الدكتور الباقر العفيف المكون العسكري بالتغول على صلاحيات الحكومة المدنية، ويرى أن الظروف المحيطة بالحكومة الانتقالية يجب أن توضع في الاعتبار قبل الحكم عليها بالفشل.
ويُلقي العفيف باللائمة على المكون المدني في مجلس السيادة وعدم تقوية موقف حكومة حمدوك بتشكيل درقة لها من المكون العسكري، ويرى العفيف أن أي اخفاق حدث بعد عام من تشكيل الحكومة الانتقالية يتحمله العسكريون.
وأضاف : “ما فاقم الأمر أيضا ضعف قوى الحرية والتغيير وعدم وجود رؤية لديها وليس لديهم قدرة على صناعة الحدث، وفي أحسن الأحوال يصنعون الحدث السياسي من خلال مصالحهم الحزبية الضيقة”.
ويعتقد العفيف أن الحكومة الانتقالية مواجهة بمعارضة الاسلاميين في الخدمة المدنية والأجهزة العسكرية والأمنية لاعتقادهم أن الدولة غنيمة إما السيطرة عليها أو فناء الدولة نفسها.
ويرى الباقر العفيف أن لجان المقاومة لديها الطاقة لتغيير الواقع لكنها بحاجة إلى تحليل ومعرفة الواقع السياسي، وتوسيع مواعينها الفكرية لأن مشروع التحول الديمقراطي طويل.
وأردف : “هناك مزايدات من بعض الأطراف السياسية مثل الحزب الشيوعي الذي يريد المدينة الفاضلة أو هدم المعبد كليًا وتعتبر تصرفاته غير مسؤولة”.

يؤكد المدير السابق لمكتب رئيس الوزراء والمحلل السياسي عبد الله ديدان إن تشكيل مجلس الشركاء وتعطيل المجلس التشريعي وتفكك قوى الحرية والتغيير وهيمنة العسكريين على العلاقات الخارجية وملف السلام عوامل أضعفت الحكومة الانتقالية وعطلت مهامها.
ويشير ديدان في تصريح لـ(التغيير) قوى الحرية والتغيير اقتصر سقفها على “تحالف قضايا سياسية” وكل المؤشرات تؤكد أنها في طريقها إلى التفكك والتلاشي متوقعًا تعطيل المجلس التشريعي لأن صلاحيات مجلس الشركاء مبهمة وقد يحل محل البرلمان الانتقالي.

حكومة مدنية بأسنان

وعلى مايبدو عكست التصريحات الجريئة التي أدلى بها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك حول شركات القطاع العسكري العلاقة المضطربة بين الشريكين في السلطة الانتقالية ولم تمض ساعات حتى أطلق رئيس هيئة الأركان بالجيش السوداني تصريحات انتقد فيها قانون سنه الكونغرس الأمريكي حول الانتقال الديمقراطي في السودان واتهم المدنيين بجلبه من وراء البحار.
ويقول المحلل السياسي وعضو مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم منتصر الطيب إن أخطر ما يحدث حاليًا لا يمكن اعتباره مجرد خلافات سياسية بل هي تباينات قد تؤدي إلى تفكك الدولة نفسها.
وتتضاعف المخاطر التي تحيط بالفترة الانتقالية في ظل تأثيرات إقليمية  وغياب نواة مدنية صلبة تتصدى للتأثيرات الخارجية المناوئة للحكم المدني.
ويعتقد الباقر العفيف أن تصريحات رئيس الوزراء حول الشركات العسكرية أول خطوة لتصحيح المسار وتابع : “من الواضح أن حمدوك اكتشف أن التهذيب لوقت أطول لم يعد مجديًا”.
ويعبر العفيف عن تفاؤله حول الوصول إلى الحكم المدني في نهاية الفترة الانتقالية شريطة أن تكون لدى الحكومة المدنية “أسنان” بصياغة خطاب لتعبئة السودانيين.
و يضيف المحلل السياسي وعضو مبادرة جامعة الخرطوم منتصر الطيب المزيد من التفاؤل حول وصول الفترة الانتقالية إلى نهايتها قائلاً :”لا يوجد بديل سوى التفكك أو وصول الفترة الانتقالية إلى غايتها”.
ويضيف منتصر الطيب في حديث لـ(التغيير): “بعد عام من الانتقال لم تحدث نقلة كبيرة لأن الوضع الحالي يختلف عن انتقال ثورة أكتوبر 1964 والدولة ليست لديها كفاءة ومؤسساتها ضعيفة وكان المطلوب أن تقود الدولة التغيير لكنها جميع المؤسسات بيعت للقطاع الخاص هذه الأمور تصعب من مهمة الحكومة الانتقالية في توفير الخدمات والمساعدات للمتضررين من إلغاء الدعم عن السلع بالتالي ينعكس الوضع بهذا الشكل وينتشر الاحباط الذي يقود إلى الاحتجاج، لكن طالما كانت الوسائل سياسية سلمية يجب ان لا تثير المخاوف “.
من جهته يحمل المحلل السياسي والمدير السابق لمكتب رئيس الوزراء عبد الله ديدان مسؤولية عدم إحراز تقدم ملموس في الوضع المعيشي وتحقيق قدر معقول من أهداف الثورة إلى ضعف برنامج قوى الحرية والتغيير.
وأردف : “قوى الحرية والتغيير ضعيفة ومضطربة وتسيطر عليهم الإيديولوجيا ويرتدون إلى أحزابهم اكثر من إعلاء مصلحة الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية”.
وتنفست الحكومة الانتقالية الصعداء بإلغاء تصنيف السودان من قائمة الإرهاب وهو قرار يتيح للخرطوم الحصول على مساعدات دولية قد تخفف من الأزمة الاقتصادية الطاحنة ويجعل رئيس الوزراء يقف على أرضية صلبة واستعادة شعبيته المتآكلة.
لكن في نفس الوقت تتسع الخلافات بين الحاضنة السياسية والحكومة والمكون العسكري علاوة على أن الاحتجاجات التي قد تضغط على هذه الأطراف قد لا تنجح في حملها على تحقيق مطالبها في ظل عدم تمثيل حقيقي للمحتجين في مراكز صناعة القرار داخل المؤسسات الانتقالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى