تقارير وتحقيقات

الثورة تعيد السودان لأحضان العالم: اختراقات دبلوماسية في خدمة الاقتصاد

التغيير/ أمل محمد الحسن، “نحن طبعا بنقدر نمشي أمريكا عادي، ما عندنا مشكلة”، تبدو عبارة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك التي قالها في مؤتمره الصحفي الذي عقده الإثنين الماضي بعد رفع اسم السودان رسميا من قائمة الإرهاب، عبارة عادية جدا، إلا أنها اختصرت الاختراق الهائل لدبلوماسية ثورة ديسمبر، في ملف العلاقات الخارجية، وتغيير صورة سودان “البشير”، الرئيس المخلوع الملاحق دوليا والممنوع من المشاركة في معظم الفعاليات الدولية وحتى بعض الإفريقية.
وأكبر إنجاز حققته الحكومة الانتقالية على الإطلاق؛ هو إزالة أكبر عائق وضعه النظام السابق أمام عجلة الاقتصاد السوداني لما يقارب الثلاثة عقود: “تصنيف الدول الراعية للإرهاب”.

مكافآت فورية:

خروج السودان من لائحة الإرهاب يوفر له مكافآت فورية بحسب كبير مستشاري المجلس الأطلسي، كاميرون هدسون، والتي عنى بها إعفاء ديونه الخارجية التي فاقت ال60 مليار دولار.
وقال هدسون في مقال نشره على موقع المجلس الأطلسي، الاثنين، إن خروج السودان من تصنيف الإرهاب يسمح للأوربيين والمؤسسات المالية الدولية بالمضي قدما في دعم السودان، الأمر الذي وصفه هدسون بالضروري.
والحكومة الانتقالية بالسودان احتفت من جانبها بهذه المكافآت التي ستسمح بعودته للنظام المصرفي العالمي، وفتح المجال للاستثمارات الأجنبية، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء في مؤتمره الصحفي؛ بجانب ذكره الجائزة الكبرى المتمثلة في معالجة ديون البلاد الخارجية.
ولكن يشدد خبراء على ان مسألة إعفاء الديون عملية طويلة ومعقدة ورهينة لتنفيذ سياسات وبرامج اقتصادية مرتبطة بصندوق النقد الدولي، والإعفاء الفوري لا يتم في الغالب بسهولة.
وتشمل المكافآت الفورية من جهة أخرى، تقديم الولايات المتحدة الأمريكية لمبلغ مليون دولار كدعم مباشر للحكومة الانتقالية، إلى جانب مليار ونصف المليار دولار من البنك الدولي بحسب ما أفاد مصدر مطلع من مجلس الوزراء ل”التغيير”، دون أن يؤكد حجم المبالغ التي سيتم تسليمها في شكل نقدي، باعتبار أن جزءً من الدعم المالي سيقدم في شكل اعانات عينية، وربما مساعدات فنية.

فيما قدمت الدول التي شاركت في مؤتمر برلين للمانحين الذي رعته المانيا في يونيو الماضي وعودا وصلت إلى 1.8 مليار، لتصبح الأموال المتوقعة قرابة ال 4 مليارات دولارات، شكك الخبير الاقتصادي الدكتور خيري قسوم بلال بأن تكون كافية لحل مشاكل السودان الاقتصادية، قاطعا بضرورة البحث عن مصادر أخرى توفي احتياجات البلاد التي قال إنها تصل إلى 9 مليارات دولار.

وأشار خيري إلى مشكلة اخرى مرتبطة باشتراطات الإدارة الأمريكية تسليم الجيش السوداني لشركاته التجارية لولاية وزارة المالية؛ قبل بداية تقديم أي مساعدات مالية أو معالجات ديون البلاد.
ولكن الخبير الاقتصادي يرى ،ضوءً آخر النفق، واصفا خطوة الحكومة التنفيذية بإعلان بورصة الذهب والمعادن والمنتجات الزراعية ب”الذكية”، مشيرا إلى انها ستشكل مصدرا لا بأس به لخزينة البلاد، إلى جانب محاصرتها للتهريب بعد إجبار البورصة للجميع التعامل بالسعر العالمي.

نصف صفقة وتطبيع:

على الرغم من أن خروج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يعد أكبر إنجازات ثورة ديسمبر، إلا أن الصفقة الناقصة لتمرير قانون الحصانة السيادية تضع البلاد تحت خطر المطالبات المستقبلية، خاصة وأن أسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر2001 يستعدون لرفع دعاوى قضائية تجاه الدول التي يتهمونها بالمساهمة في التفجيرات بحسب مصدر دبلوماسي مطلع.

وعلى الرغم من أن السودان ينفي تماما علاقته بالتفجيرات، وكان “اسامة بن لادن”مؤسس تنظيم القاعدة قد غادر البلاد قبل الحادثة الشهيرة بسنوات، إلا أن محاميي أسر الضحايا يقدمون دعواهم على أساس أن الفترة التي قضاها في السودان عملت على تقويته وتقوية تنظيم القاعدة.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية ناورت في مفاوضاتها مع السودان، بإدخال التطبيع مع اسرائيل كجزء من الصفقة بعد أن بدت أسهم الرئيس دونالد ترامب ضعيفة في الانتخابات أمام خصمه جو بايدن، فسعى ليعلن كونه أول رئيس أمريكي دفع (4) دول عربية للتطبيع مع اسرائيل، من بينها الخرطوم عاصمة “اللاءات الثلاثة”.

وعلى الرغم من كون العلاقة مع اسرائيل الآن موجودة في درجة متدنية في السلم الدبلوماسي بحسب مصدر في الخارجية السودانية تحدث ل”التغيير”، إلا أنه يمكن حسابه ككرت ضغط في يد الحكومة السودانية تفاوض به لتمرير قانون الحصانة السيادية.

وأكد المصدر الذي فضل حجب اسمه، أن العلاقة مع اسرائيل يمكن أن توصف ب”حالة لا حرب”، مشيرا إلى أن الحكومة منحت اسرائيل فقط حق استخدام المجال الجوي، وتأشيرات دخول، “ليس أكثر من ذلك”.

وحول التطور المستقبلي أكد المصدر أنه لا يوجد حديث حول الموضوع، مشيرا إلى انه قد يتم منح اسرائيل مكتب تجاري في الخرطوم، أو قناصل فخريين، “ليس أكثر”.

وكان رئيس الوزراء السوداني قد أكد في عدد من تصريحاته أن أمر التطبيع متروك بكامله للمجلس التشريعي ليبت فيه.

وأبدى مصدر دبلوماسي آخر، فضل حجب اسمه، تخوفه من عدم استفادة السودان من خروجه من لائحة الإرهاب، حال عدم تمرير قانون الحصانة، مشيرا إلى القرار الذي أصدره الرئيس السابق باراك اوباما برفع الحظر الاقتصادي في العام 2017 والذي لم يدخل مطلقا حيز التنفيذ.

وأضاف المصدر: “لم تمنع امريكا الشركات والمؤسسات المالية من التعامل مع السودان وقتها، إلا انها كانت تتخوف من المغامرة باستثماراتها في دولة ما زالت تحت تصنيف الإرهاب”.

وزاد المصدر الدبلوماسي قائلا: عدم تمرير قانون الحصانة السيادية قد يضعنا في ذات الخانة، “الخوف الدائم من تقديمنا لمحاكمات مستقبلية”.

ولم يستبعد المصدر أن يتم تمرير قانون الحصانة فيما تبقى من فترة ولاية الرئيس ترامب، لكنه عاد ليقول: “ليس هناك تأكيد، كل الاحتمالات مفتوحة”.
وعود آجلة:
وعلى الرغم من الوعود الحديثة من جانب الحكومة الفرنسية بإقامة مؤتمر خاص بالمانحين للسودان، وتوقعات زيارة وزير الخزانة الأمريكية للسودان يناير المقبل، إلا أنها تظل وعودا آجلة بالنسبة لخزينة الدولة التي فاق التضخم فيها نسبة 250%. ولأوضاع البلاد الاقتصادية التي مازال الشعب يقف لساعات طوال للحصول على رغيف الخبز، أو المواد البترولية.

ومن جانبه قلل مصدر دبلوماسي من قيمة الوعود قائلا: “في الدبلوماسية تعودنا أن بين 50-60% من الوعود لا يتم الإيفاء بها”.
وأكد السفير أن عدم تقديم المنح الدولية بصورة مباشرة للحكومة سيقلل من قيمتها، مشيرا إلى ان المنظمات الدولية تأخذ من أموال المنح بين 11-67% للتشغيل، الأمر الذي يقلل استفادة البلاد من الدعم بصورة كبيرة.

“فخ” المحاور:

لعب الرئيس المعزول “عمر البشير” على جميع حبال العلاقات الخارجية، تأرجح بين إقامة علاقات مع إيران، ثم قام بقطعها، وشارك في حرب اليمن، اقترب من قطر كثيرا وابتعد، ولم تكن في سياسات نظامه خططا واضحة للبلاد.
“البشير رقص على كل المحاور لكنه حلق بعيدا عن شعبه”، هكذا يصف رئيس القسم الدبلوماسي بالشرق القطرية، طه حسين، سياسات البشير الخارجية، مؤكدا أن أمام حكومة الثورة تحديا صعبا لخلق علاقات متوازنة مع كافة دول العالم، وأضاف: “هو تحد صعب، لكنه حتمي”.

وقال حسين إن السودان بحاجة لتقوية علاقاته مع الدول التي تقع في العمق الأمني له، وزاد: هي دول الجوار بلا استثناء وعلى رأسها جنوب السودان منعا لاستقطابه من قوى خارجية على حساب الشمال، مشيرا إلى التجربة التي تمر بها كوريا الشمالية في الوقت الذي انطلقت فيه كوريا الجنوبية خارجياً.

وحول تأرجح علاقات السودان مع دول المحاور، أكد حسين أن هناك ايهامات للقيادة السودانية الحالية حول دعم قطر للبشير، وهو الأمر الذي نفاه حسين جملة وتفصيلا، متهما من أسماهم بالمرجفين لجعل السودان يبتعد من قطر.
ولكن مراقبين ومحللين سياسيين يرون ان قطر رغم عدم دعمها للبشير إلا أنها داعم أساسي لتيار الاخوان المسلمين في المنطقة بما في ذلك السودان ويتمثل خيارها الاستراتيجي في استمرار حكم الاسلاميين للسودان بعد التخلص من البشير الأمر الذي يضعها في موضع الشك من قبل تيار الثورة المدني.
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي قسوم خيري أن قطر سارعت بتقديم الدعم للسودان ابان جائحة كورونا وكارثة الفيضانات، مطالبا الحكومة الانتقالية بمقابلة هذا بالشكر والعرفان.

وكان رئيس الوزراء قد تلقى رسالة دعوة من امير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد، عبر سفير دولة قطر في السودان مطلع اكتوبر الماضي إلا أنه لا يوجد أي تصريح رسمي حول مصير هذه الدعوة.

من جهة أخرى قدمت دولتا الامارات والسعودية معونات مالية فور سقوط نظام البشير بقيمة 3 مليارات دولار، إلا أن السودان لم يتسلم منها فعليا سوى 500 مليون دولار. وكشف مصدر حكومي ل”التغيير” عن تبرير الدولتين الأمر بأن المساعدات المعلنة تدفع على طول الفترة الانتقالية.

لعل الفترة الانتقالية غير كافية لتبلور سياسة خارجية متماسكة، وحركة خارجية منتظمة من قبل القائمين على السلطة لكنها تثير تساؤلات حول ملامحها ودوائرها واتجاهها العام ومدى تكامل الاقتصادي والسياسي فيها وإلى أي مدى تمثل ابتعادا أو انقطاعا عن الاتجاه العام للسياسة الخارجية لنظام ما قبل الثورة.

وتبقى حكومة الثورة أمام تحد كبير، هو بحسب الخبير الاقتصادي قسوم خيري أن تثبت للعالم انها فعلا تطبق سياسة خارجية متوازنة بعيدا عن المحاور وتقوم على تحقيق مصالح البلد من خلال التعامل بحرية مع من تشاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى