أعمدة ومقالات

إلى الرفاق في قوى الكفاح المسلّح :

المتغطي بغير شعبه عريان !

في البدء , صاحب هذا القلم يعتقد أنّ مثابرة العمل السلمي المدني الديمقراطي هي السبيل الأنجع لمقارعة الطغيان , ومنازلة الإستبداد , وصرع الديكتاتورية والشمولية تحت أي غطاء سادت وعبر أي أوهام تمددت , لسبب بسيط ومهم في ذات اللحظة , ففي العمل السلمي المدني هنالك فرصة لأكبر عدد من مختلف قطاعات الشعب للمشاركة في النضال ؛ كل بطريقته وحسب امكاناته وظروفه  ومجالاته ,  المعلم  في صفوف مدرسته وقاعة جامعته, الطبيب في عيادته ومشفاه , العامل في سقالته أو مصنعه …إلخ (مع حفظ الضمير ها للنساء فانتبه) واحد من ثمرات النضال  المدني الحساسية تجاه الجندر . ومع ذلك لا أدين من يرى في الكفاح المسلح طريقا لنيل الحقوق المشروعة , رغم وعورة حمل السلاح , فالرصاصة عندما تخرج لا تعود وربما أصابت برئيا أو أزهقت روح صديق أو رفيق فيما يعرف بالنيران الصديقة , ولكن عندما لا يكون لغير ذلك من سبيل فلا تثريب على من يقاوم الظلم بالسلاح , من هنا كان موقفي الثابت وما يزال في الدعوة المستمرة للسماع بعقل مفتوح لمطالب الثوار حتى يتوقف إطلاق الرصاص , وأتفق مع من يقول بأنّ تكلفة السلام مهما غلت وعلت سقوفها فهي تندرج في اطار المقولة الحميمة ( غالي والطلب رخيص),  بهذه التوطئة دعونا ندلف اليوم لحوار مفتوح مع الرفاق في قوى الكفاح المسلح( نسخة الجبهة الثورية ) الذين وقعوا على وثيقة جوبا لسلام السودان .

(2)

دعونا نتفق وهذه مسألة عملية , أنّ ما تحقق من ابرام لاتفاق جوبا يعتبر الشوط الأول في مباراة من شوطين , هذه حقيقة لا ينتطح حولها عنزان , تبقى الشوط الثاني وتحديدا مع الرفيقين عبدالواحد والحلو كل بفصيله , حتما بموجب الإتفاق المبرم سيصبح الرفاق في الجبهة الثورية ضمن توليفة السلطة الإنتقالية بكل مكوناتها , السيادية والتنفيذية والتشريعية والإدارية والمفوضيات وفي الخدمة المدنية والعسكرية بمختلف ضروبهما , وبالتالي فإنّ مشاركتهم في الشوط الثاني لإكمال خطّة السلام الشامل تصير بدهية , هنا يطفر السؤال , هل سيعملون بداية على تصحيح مسار عملية السلام بعودة هذا الملف إلى السلطة التنفيذية المدنية كما نصّت الوثيقة الدستورية , أم سيصرون على دعم ما حدث في الشوط الأول في التفاوض معهم بخطف الملف من موقعه المتفق عليه دستوريا وأيلولته للسلطة السيادة في خرق للوثيقة الأساسية التي تستند عليها كل مستويات السلطة الإنتقالية وتستمد شرعيتها منها , هذا سؤال مفتاحي لجهة أنّ المطالب الواضحة للثوار في مواكب 19ديسمبر 2020م كانت واضحة في دعمها ومساندتها وتمسكها بمدنية الدولة ورفضها لأي توجهات لفرض العسكرة على ثورتهم , هذا هو صوت الشارع الذي لا راد له , وهذا هو مطلب الثورة الذي لا محيص عنه ( مدنية قرار الشعب) والمتغطي بغير مطالب الشعب عريان !!!  والرفاق في قوى الكفاح المسلح بعد اتفاق جوبا صاروا شركاء في تحقيق مطلب الشعب بمدنية الدولة فهل هم على قدر المسؤولية والتحدي أم تغلب عليهم صفة (مسلّح) ويرون ويعملون عكس ما يطلبه الشعب في غالبيته , هذا تحدي واضح ومحدد أمامهم , فإذا اختاروا مدنية الدولة فسيرى الناس ويراقبون مواقفهم وعملهم لدعم ذلك التوجه وإذا اختاروا العكس فسيكون ذلك مكشوفا وواضحا وساعتها سيركمون مع من اختاروا إسوة بمن سبقوهم من ديكتاتوريين عسكريين , المسألة هذه المرة ثورة وعي حقيقي تجاوزت كثير من رمادية الماضي , طريقها بيّن وأهدافها واضحة ومحروسة بدماء شهداء مضوا وشهداء منتظرين إن تم الحياد عن طريق الثورة , المسألة ليست ملعوبية سياسة فارغة وتقسيم مغانم في سلطة عاجزة أو نظام فاسد مثل نظام الإنقاذ المباد الذي جرّب كل الرفاق في الجبهة الثورية بكل فصائلها العمل معه بل شارك بعضها في  تأسيسه أوالعمل ضمنه عبر محطات مختلفة . وإكمال الشوط الثاني من السلام حتى يستحق صفة شامل أصبح ضرورة وجود بالنسبة لمستقبل سودان الثورة , فكيف سيكون موقف رفاق الأمس مع رصفائهم عبدالواحد والحلو مثلا , أيمضون بأفق التغيير وحداء الثورة ومطالب الثوار أم يتلكأون ويتوحلون في مطبات الخلاف القديم ومرارات انقساماتهم العقيمة , هذا هو التحدي المباشر والواضح بالنسبة لهم في تقديري .

(3)

ثمّ تأتي مسألة تحولهم إلى تنظيمات سياسية مدنية , علينا ألا ندفن الرؤوس في الرمال , الجيوش التي كانت محاربة هي جيوش مسيسة ومنظمة في هذه الحركات والفصائل , قلّ عددها أو كثر , الفرد منهم عضو في الفصيل سياسيا وعسكريا , في المقابل , كلنا يعلم عملية التسيس والتنظيم الحزبي التي وسمت القبول للكلية الحربية في غالب دفعاتها منذ العام 1990م وحتى سقوط نظام التنظيم الإسلامي المباد , صحيح هناك حالات شاذة هنا وهناك تؤكد القاعدة , لهذا لا يمكن الحديث اليوم عن قوات مسلحة بأي مسمى دون الأخذ في الاعتبار هذا الواقع , إضافة إلى أنّ قوة مثل الدعم السريع , حديثة التكوين نسبيا بيد أنّها تأسست استنادا على خلفية قبلية , وظلت حتى اللحظة تتمتع باستقلالية نسبية عن القوات المسلحة (الجيش) , هذا الوضع ربما يعود بنا إلى مسألة التفاوض المقبل مع الحركة الشعبية شمال / الحلو ماذا إذا أصرّ وفد الحركة في الترتيبات الأمنية على معاملة  الجيش الشعبي بنفس وضعية قوات الدعم السريع , خاصة أنّ الجيش الشعبي ظل يتمتع بصفة رسمية ودستورية ضمن اتفاقية نيفاشا 2005م , والفرقتان التاسعة والعاشرة هما عماد الجيش الشعبي الآن , الجيوش المسلحة المسيسة والمنظمة سياسيا ربما تكون عقبة حقيقية في تمام التحول الديمقراطي وتحقيق السلام الشامل , وتحول فصائل الكفاح المسلح إلى  العمل السياسي بمنأى عن عقلية العسكرة فعل يتطلب تدريبا وإعادة تأهيل للأفراد نفسيا ومهنيا حتى ينخروا في حياة جديدة , هل فصائل الكفاح المسلح مستعدة لتحول عاصف وكبير كهذا .

سماع صوت الشعب جيدا والتركيز مع مطلوبات العمل المدني السياسي السلمي  الديمقراطي بعيدا عن عقلية الأوامر والعنف أمر عسير   ومحك حقيقي أمام هذه الفصائل , غدا ينتهي شهر العسل وأيام الضيافة , ويصبحون في سهلة الإختبار والمراقبة والقياس بمعيار الثورة وغاياتها وليس بأي معايير أخرى , فهل رفاقنا جاهزون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى