أعمدة ومقالات

أنت السَّماءُ نصٌّ مؤبَّد

أنس مصطفى

 

 

قصيدة (أنت السَّماء) لإدريس جمَّاع هي إحدى عيون الشعر السوداني والشعر العربي، وهي قصيدة خالدة وفريدة ولا تأتي من لِسانٍ غَزلٍ بل من قلبٍ محبٍّ ومُضنى.

 

حسناً فعل شاعرنا الأستاذ محي الدين الفاتح وهو يجلوها ثانيةً بمقاله (الاختلاق السطحي لقصص عن قصائد جمَّاع) والذي كتبه حول ما نُسج حول هذه القصيدة وغيرها من حكايات تبدو مُختلقة نحت منحىً مغايراً لما تقوله النصوص.

 

أبانَ الأستاذ محي الدين أن النَّصَ كُتب في العام 1942م في منطقة تنقسي السوق بالمديرية الشمالية عندما جاء جمَّاع إلى مدرستها الأولية معلماً وكان حينها في العشرين من عمره ولمَّا يغادر السودان بعد وبالتالي لا تصحُّ كتابته للنص عن امرأة قابلها في المطار مثلما تقول الرواية.

 

أشار الأستاذ إلى أن كلمات (أنت السَّماء) تؤكد من تلقاء نفسها أنها ليست لمناسبة عابرة، بل هي قصة عاشها جمَّاع منذ الطفولة، وقد أصاب في ذلك، فالنصُّ يتحدث عن عهودٍ في صبا الشاعر قد انطوت مخلِّفةً حِبرَاً محزوناً وقلباً مريرْ:

 

جمِّع عهودك في الصِّبا وأسألْ عهودك كيف كُنَّا

كمْ باللقا سمحتْ لنا كمْ بالطَّهَارةِ ظلَّلتنا

ذهبَ الصِّبا بعُهودِهِ ليتَ الطِفُوْلةَ عاودتنا

 

ويستخدم جمَّاع مفردات غاية في الإشراق في وصف الحبيبة:

يا شعلةً طافتْ خواطرنا حَوَالَيْها وطفنا

آنستُ فيك قداسةً ولمستُ إشراقاً وفناً

ونظرتُ في عينيك آفاقاً وأسـراراً ومعنى

 

القصيدة بديعة دون شكْ، مضاءةٌ بالوجدِ ومُثقلةٌ بالغياب، الغيابُ الذي يبدو مثلُ سماءٍ لاحت ثم استعصمت ببعدها، لكنه ظل يرجو إيابها:

هلََّّا رحمتَ متيَّماً عصفت به الأشواقُ وَهْنَا،

وهفت بهِ الذِّكرى فطافَ مع الدُّجى مَغْنيً فمغنى

 

فنَّد الأستاذ محي الدين أيضاً أن جمَّاع هو من كتب:

إنَّ حظِّي كدقيقٍ فوق شوكٍ نثروه

ثم قالوا لحفاةٍ يوم ريحٍ اجمعوه

صعب الأمر عليهم قلتُ يا قوم اتركوه

إنَّ من أشقاهُ ربِّي كيف أنتم تسعدوه

 

واستند في ذلك على خلوِّ كتاب جمَّاع المطبوع (لحظاتٌ باقية) من القصيدة، وهذا صحيح، مع ذلك ربما أثَّرت محنة جمَّاع في تدوين الكثير من نصوصهْ.

 

كتب الأستاذ محي الدين أنَّ تخصُّص جمَّاع في اللغة العربية يمنعه من أن يأتي بالمضارع المرفوع محذوف النون، فالصحيح (تسعدونه) بثبوت النون لا (تسعدوه) بحذفها. القاعدة النحوية كما قال الأستاذ أن يأتي الفعل المضارع المرفوع مثبت النون، إلا أنَّ العرب قد حذفت تلك النون للضرورة الشعرية أو لغيرها. يرى النحويَّ أبو الفتح عثمان ابن جني أن حذف النون هو من الضرورات الشعرية التي تجوز للشاعر دون الناثر، رُوِيَ عن الشاعر أيمن بن خريم:

“وَإِذ يغصبوا النَّاس أَمْوَالهم إِذا ملكوهم وَلم يغصبوا”

 

وأيمن بن خريم الأسدي هذا من حقبة الشعراء الذين يجيزُ النَّحاةُ الاحتجاج بأشعارهم في اللغة، والنحو والصَّرف، ومن المعلوم أن آخر من أجازوا الاحتجاج بشعره كان إبراهيم بن هرمة، رُوِىَ عن الأصمعي أنه قال “خُتم الشعر بابن هرمة وهو آخر الحجج”، كما كان أبو عمرو ابن العلاء وغيره يلحِّنون الفرزدق وذا الرمة وأضرابهم، بل كان أبو عمرو يقول حين يستجيد شعراً لجرير: “لقد أحسن هذا المولَّد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره”.

 

ختاماً فإنَّ (أنت السَّماء) نصُّ خالدٌ كتابةً وغناءً مثلما هو خالدٌ أيضاً ما نسجه على منوالٍ مُشابهٍ الشاعر سيِّد عبدالعزيز:

“يا الفي سماك مفصولْ،

تنشاف عَيَان وبَيَانْ،

ما عرفنا ليك وصولْ،

وما دنيت أحيانْ.

..

..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى