أعمدة ومقالات

إثيوبيا؛ مسالِكُ المحبِّين

أنس مصطفى

نص:

»وَلا خَيْرَ في حِلْمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لـَهُ بَوَادِرُ تَحْـمِي صَفـْوَهُ أَنْ يُـكَدَّرا«

البيت المذكور هو للشاعر العربي النابغة الجعدي وهو عبد الله بن قيس العامري، من الشعراء المخضرمين، استجاد النبي عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم قصيدته قائلاً له «لا يفضض الله فاك»، ورُوِيَ عن أبي الغول الطهوي في الأمالي والحماسة:

«ولا يجزونَ من حسنٍ بسَيْئٍ ولا يجزونَ من غِلَظٍ بلينِ»

كتب المناضل الإريتري عثمان صالح سبي في «تاريخ أريتريا» الصادر عام 1974: «فهل يتعلم الحكَّام الجدد لإثيوبيا من أخطاء أسلافهم ويعملون بمبدأ عِش ودع غيرك يعيش، أم يمضون في ممارسة ما رسمه من قبلهم من مخططات التوسع تجاه أريتريا؟» -وأضيفُ هنا السودان أيضاً-.

تواصل إثيوبيا مسلك قديم درجت عليه وهو إخفاء رغبتها في التوسع على حساب جيرانها متسترةً خلف ما يعرف بمليشيات «الشفتا»، هذه المليشيات وإن كانت شيئاً آخر غير الجيش الإثيوبي إلا أنها تنفذ سياسات هذا الجيش وهو يشكل محرِّكاً داعماً لها فيما تخوض فيه من أعمال.

استخدمت إثيوبيا مليشيات «الشفتا» لانتزاع أراضٍ سودانية على امتداد فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير، وغضَّ الرجل الطَّرف عن ذلك مثلما غضَّ طرفاً مماثلاً عن حلايب وشلاتين مقابل استمرار بقائه في الكرسيِّ الذي أحبَّ وسقى زهرةَ شبابه منه بينما أفنى في المقابل زهرة شباب الملايين من السودانيين.

من المعلوم أن إثيوبيا في التاريخ الحديث ابتلعت دولة بأكملها هي أريتريا بذات الاستراتيجية القائمة على التدرُّج، النفس الطويل، والنفوذ العسكري والسياسي. كتب عثمان صالح سبي عن كيفية استخدام إثيوبيا لمليشيات «الشفتا» في معركتها ضد الثوار الإريتريين عبر اغتيال قادة التحرير ونحرهم على مرأى من نسائهم وأطفالهم، وعبر عمليات الإغارة على المزارع ومناجم الذهب، موضحاً أنَّ الصحافة الإثيوبية كانت تصف «الشفتا» بالوطنيين. هذا إذاً درسٌ معادٌ وإن اختلف الوقت والحكام.

قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن هذه الأحداث لا ترقى لأن تمثِّل العيش المشترك للشعبين عبر تاريخهما المديد، وأنَّ حكومته عازمة على تجفيف بؤرة الخلاف وإيقاف الاشتباكات على المناطق الحدودية نهائياً وجعل هذه المناطق مساحات للتعاون والتآزر، مؤكداً أن حكومته تتابع عن كثبِ ما تقوم به بعض الجهات التي تريد أن تشوه علاقات حسن الجوار الحميمة والفريدة من نوعها بين السودان وإثيوبيا، بينما يقول وزير الإعلام السوداني: «تقارير المخابرات العسكرية السودانية حددت نوع الأسلحة التي استخدمت، وهي أسلحة لا يمكن أن تكون لميليشيات فردية أو قبلية، هذه قوات نظامية، صحيح يمكن أن يقال قوات نظامية لإقليم الأمهرا لكنها جزء من الدولة الإثيوبية. حجم التسليح والقدرة على العمل لا يناسب مليشيات فردية».

أرجِّح أن إثيوبيا لا ترغب في المضي بشكلٍ حاسمٍ في اتجاه ترسيم الحدود، ستحاول بدلاً عن ذلك إنهاء التحركات العسكرية السودانية لتعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً مقابل تصريحاتٍ زاهية عن العلاقة الأزلية ورابطة المحبة بين الشعبين، وهي محبة موجودة لا إنكار لذلك، لكن المحبة أيضاً تحتاج إلى «بوادر» كما قال النابغة لحمايتها وهو ما ينطبق على جيراننا الآخرين الذين يحتلون أراضٍ سودانية بذات المحبَّة الفريدة.

نصٌّ آخر:

جدَّدت قوى الحرية والتغيير ثقتها في رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك ليستمر قائداً لعربةَ الوطن، فيما تتولَّى/تستولي قوى الحرية والتغيير، الجبهة الثورية والعسكر على المقاعد كلِّها تاركين المواطنين على السطح مع أمتعتهم المهزولةْ، ستمضي العربة في ذاتِ طريقها القديم، سيصرُّ البعض على أنها ستصل لا محالة إلى محطةٍ أُخرى غير تلك التي تتدحرج نحوها، وسينشغل كثيرون عن معالم الطَّريقِ بالزُّوادةْ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى