أعمدة ومقالات

يناير: محمودان و مصطفى

خالد فضل
يناير ٢٠١٣م:
فيه رحل المطرب الشاب محمود عبد العزيز (الحوت)، و قد شكلت وفاته صدمة وجيعة لآلاف المعجبين خاصة من الشباب و الشابات في السودان، الذين احبو ذلك الفنان و دغدغت مشاعرهم ألحانه الشجية و موسيقاه العذبة و صوته الطروب الذي يتخلل الوجدان فتهتز بالنشوة الأبدان، و هو من جيل الطبقة الأخيرة من المطربين الذين استحوذوا على مكانة مرموقة في أوساط و فئات اجتماعية و ثقافة و عرقية و دينية مختلفة، و امتد تأثيره إلى دول الجوار الأفريقي، حدثني الناقد الفني الأستاذ أحمد حماد ذات مرة عن بدايات ظهور محمود في مدينة الأبيض التي قدم إليها من مدينة ود مدني، حيث وجد في عروس الرمال جواً ادبياً رفيعاً، و انضم إلى زمرة من أهل الفنون و الأدب و الشعر و الموسيقى في تلك المدينة المرهفة، بل شارك في رحلات فنية إلى دول غرب أفريقيا قبل أن تحتضنه الخرطوم و يشع فيها وهجه.
رحل ذلك المطرب و خلف في النفوس حسرة و ألماً، و ما تزال البوماته الغنائية تحتل حيزاً مقدراً في صدارة الألبومات الغنائية، و قد كان إلى موهبته الغنائية صاحب حس إنساني رفيع، و قد حكى عنه كثير ممن رافقوه في حفلاته الغنائية طرفاً من تلك المواقف خاصة تجاه الفئات الضغيفة و المشردين من الأطفال، و رغم تعرضه لحملات مستمرة و مطاردات الا انه ظل يشق طريقه بقوة حتى احتل موقع الصدارة ليتربع في قلوب معجبيه و انا واحد منهم.
يناير ١٩٩٦م:
رحل صوت المغني حزين، مصطفى سيد أحمد المقبول، ذاك الفنان الإنسان صاحب المشروع الغنائي التنويري بدلالاته الباذخة في الانحياز للحياة الحرة الكريمة لكل الناس، و بدعمه المبثوث عبر اختياراته الموفقة للكلمات المعبرة عن هذا الاحساس (و ما بتحير بين الفوق و بين الناس التحتانية الا مغير ول عقوق ول كفيف الإنسانية) التردد في الانحياز عند مصطفى يصل إلى مرحلة عمل إنسانية، و من كفت إنسانيته ما تحيل مهما نال من متاع الدنية و لذة عيشها.
مصطفى صاحب نهج أليف و مصادم، الفة إلى تخوم حلم العالم ناس تتسالم و البني آدم صافي النية، و مصادم حد، جايي ليك يانوا  آفة للسوس البينخر عود عشيماً داخرو فيك يا نورا ااه، حميم مصطفى حد اللوعة، من بعدك الفريق أصبح خلا، يشيع التماسك في أقصى درجات الاختبار، وكتين بقيتي معايا في أعماقي في أعماق مشاعري المرهفة، لا منك ابتدت الظروف لا بيكي انتهت الأماني المترفة.
هذه قيم الحياة في حلوها و مرارتها، في عاطفتها و فكرها كانت تشكل عصب مشروع مصطفى الغنائي الموسيقي، بقدرة عالية على التطيب الوقور، و الاستماع الممتع، و التأمل الخلاق (حبوكي حب قدر الحروف الحايمة في بطن الكتب)
عقدان و نيف على رحيله، و ما يزال وجوده يتجدد رفقة كل جيل، هكذا خروج الفنان و نصاعة المشروع الذي لا يهرم بل يزداد توهجاً كل ما مرت السنوات.
يناير ١٩٨٥م:
ذاك أوان فجيعة الضمير الإنساني من اقصى نواحي القلب في كل أصقاع الدنيا، و وجه الشيخ محمود محمد طه يشع بابتسامة الرضا الواثق و هو يعتلي مقصلة الجلادين ينتقل بجسده النحيل، و ست و سبعين سنة من العمر إلى ملكوت حياة الرب الأرحم المحيط بكل دقائق الصدور، و ما تحوي الأنفس و ما يمور في العقول، اغتيل الأستاذ كما يسميه اتباعه من الجمهوريين، بعد أن هز شجرة الفكر الإسلامي الراكدة منذ قرون، فجر الوعي بحقائق الدين، و غاص إلى أصول الإسلام الذي تراكم عليه التراب بفطل سطوة و سيطرة مافيا تجار الدين و عصابات تسويق الهوس، و بعد سيادة قرون من التجهيل و التضليل كانت خلالها حسابات أهل الهوس المادية و الاجتماعية تتضخم على حساب تقذيم العقول، و تبليد الشعور فظل بسطاء المسلمين اسرى لقرون تتحكم فيهم تلك العقليات التي لا تتورع عن تطويع الدين مطية لكل حاكم مستبد فاسد في مقابل نيلهم لحظوظ الحياة المترفة، فترا بعض الفقهاء يخرجون الفتوة و نقيضها عند عتبات السلطان المكين و حسب هواه، و لعل من أبرز تجليات ذلك في عهدنا الراهن تلك الفتوة الشهيرة لأحد تجار الدين و دهاقنة الهوس و هو يجوز لعمر البشير قتل ثلث المواطنين أو يزيد مهراً لبقائه في كرسي الحكم الغشوم و ساحة الرقص الخليع، مثلما زين فقهاء تلك السنوات الكالحة للنميري الجهول اغتيال الأستاذ محمود، انها سلسلة الباطل تكن العداء لكل فكر مستنير، و لكل من يزعزع ما شاجوه من أوهام و يسوقون به الناس كالانعام.
لقد كانت حياة الأستاذ و فكره و سلوكه مما يغيظ تلك الفئة من عبدة الدنيا، فقد كان طعامه كفاف، و كساءه بياض، و صيامه إمساك حتى على مستو ى الشعور بالرغبة فى الافطار، و في ذلك صدمة لسلوكهم و تعرية لفكرهم و كشفاً لنفاقهم، انهم فقهاء السلطان تحت كل المسميات و على مر العصور فقد بايعو النميري اماماً و هو الذي يصرح علناً(عارفين الشريعة ما فيها تجسس و تلصص علي الناس، لكن نحنا بنط البيوت، و نقبضكم و نحاكمكم بالقانون البطال ده) و مع ذلك فهو خليفة شورى التجار و محمود زعيم الزنادقة، بتحريف لمقطع شعري لمظفر النواب.
في ذاك العام اغتيل الأستاذ محمود، و ها هي ذكراه تتجدد كل ما حل يناير، فقد اعتبر يوم ١٨ يوماً لحقوق الإنسان كما قررت المنظمة العربية لحقوق الإنسان منذ ذلك الزمن، و بعد أن أثبتت المحكمة العليا في أيام انتفاضة أبريل ٨٥ بطلان ذلك الحكم الجاري بشنق الأستاذ، و لكن بعد فوات الأوان، يتنسم السودانيون/ات الان بعض نسائم الحرية التي لن يكتمل دون سواها دين لإنسان، عندما يتحرر الفرد من كل مخاوفه و يخلص إلى رحاب التسليم الذي هو جوهر الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى