أعمدة ومقالات

توافق حمدوك المرتجى وخياطة الـ “قرعة” مع الـ “قحف”!!

* في خطوة مفاجئة وغير متوقعة قرر حمدوك رئيس وزراء الفترة الانتقالية تجميد المنهج التعليمي الجديد، نقول “مفاجئة وغير متوقعة” لأن وزير التربية والتعليم الذي تتبع له إدارة المناهج كان قد قرر تشكيل لجنة من تربويين ومتخصصين في مادة التاريخ لمراجعة وتقييم كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي شكلاً ومضموناً ورفع تقريرها خلال اسبوع، وكان الكتاب قد أثار زوبعة من الانتقادات المضادة والمؤيدة في آن في الأسافير في الفضاء العام.

* وكان وزير التربية والتعليم بروفيسور محمد الأمين التوم قد ترافع عن مدير المركز القومي للمناهج والبحوث د. عمر القراي على خلفية الحملة التي تعرض لها من أئمة المساجد. وقلل من تلك الحملة التي انطلقت بدعوى حماية الدين وثوابت الأمة ووصف تلك الحملة بالجائرة، وقال الوزير في تعميم صحفي “دعاوى حماية الدين وثوابت الأمة اسطوانة مشروخة سئم الشعب من سماعها خلال ثلاثين عاماً مضت” وقطع بأن الهدف الاساسي من وراء هذا الضجيج إفشال الثورة مما يستوجب الحيطة والحذر (وزير التربية يترافع عن القراي – الخرطوم – الجريدة – سودانايل 2 يناير 2021).

* التقى حمدوك بمكتبه عدداً من ممثلي أطياف المجتمع المدني من طائفتي الختمية ووالأنصار وجماعة أنصار السنة  (الوهابية) والأخوان المسلمين وأئمة المساجد والفقهاء ولعلَّ جميعهم أو جلهم شارك النظام البائد في اختلالاته المرصودة والتي جاءت الثورة لازالتهم واعتبرتهم من فلول وأذناب نظام الانقاذ، ونتفاجأ بصدور قرار تجميد المنهج التعليمي الجديد هكذا ببساطة (هل نحن – بعد مضي أكثر من نصف قرن – أمام سر ختم خليفة آخر فلا القادة ارتفعوا في قاماتهم ولا الطائفية وأذنابها إرعووا) ونتساءل: هل استشار حمدوك وزير التعليم ونعلم أنه ما خاب من استشار حتى يكون على بينة من أمره، ونتساءل أكثر: ألم تكن لديه خيارات أفضل من هذا القرار الذي أهدر كد الخبرات واجنهادداتها خلال فترة تطاولت (لأكثر من عام وشهرين) وتمت فيها انجازات لا شك فيها (أكثر من 67 خبيراً تربوياً وعالماً في مجاله)، علاوة على الأموال التي صرفت في سبيل ماتم من انجازات، نحن على علم أن إدارة المناهج بقضها وقضيضها فتحت أبوابها وقدمت وسائل تواصلها للمختصين والمهتمين وعامة المهمومين للتواصل معها نقداً وتعديلاً واقتراحات وكل ما من شأنه أن يكمل الجهد الرسمي مع الجهد المجتمعي والشعبي لتجويد الاداء والوصول للرضا الكامل، فهل وضع حمدوك ذلك في اعتباره مستصحباً له في قراره ؟!، لماذا لم ينتظر حمدوك قرارات اللجنة التي شكلها الوزير المختص ليعرف من خلالها صالح المنهج من معيبه؟!، ألم يكن من الأفضل لحمدوك أن يطلب من الذين التقوه أن يتقدموا بدراساتهم وملاحظاتهم وتعديلاتهم على المنهج التعليمي الجديد؟!، وإن كان فعل ذلك لأراح الجمل والجمال!!، والأسئلة تحتشد وتزدحم تطلب اجابات من هؤلاء المجلببين المقفطنين الملتحين علماء السلطان الذين التقوا حمدوك: أين كانت الغيرة الدينية المدعاة يوم طبقت الانقاذ سلمها التعليمي الشائه ذي ثماني الدرجات وجمعت فيه بين أطفال زغب الحواصل أبرياء “ما اغتذوا خبز ملة ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما”، وبين مراهقين على أعتاب البلوغ وبينهم بالغون، لماذا لم ترتفع عقيرتهم تندد وترفض هذا العمل الأخرق والعالم أجمع يفصل بين هذين العمرين شرقه وغربه وشماله وجنوبه؟!، لقد عاصرت تربويين في الأيام الأولى لتطبيق ذلك السلم الأخرق يشجبونه ويرفضونه وذهبت صيحاتهم أدراج الرياج، وصمت علماء السلطان ولم يعترضوا وأكلوا على موائد اللئام وزيَّنوا لهم باطلهم وأفتوا لهم الفتاوى الجائرة، ويريد الآن السيد حمدوك (باحثاً عن التوافق) أن يشركهم في ابراز منهج تعليمي جديد ” وأعلن (مجلس الوزراء) عن تكوين لجنة قومية تضم التربويين والعلماء المتخصصين وتمثل كافة أطياف الآراء والتوجهات في المجتمع، لتعمل على إعداد المناهج الجديدة حسب الأُسس العلمية المعروفة في إعداد المناهج وتراعي التنوع الثقافي والديني والحضاري والتاريخي للسودان ومتطلبات التعليم في العصر الحديث” وواصل مجلس الوزراء ليقول: ” وأكد تصريح صحفي صادر عن مجلس الوزراء الأربعاء على أن قضية إعداد المناهج هي قضية تحتاج إلى توافق اجتماعي واسع وهي قضية قومية تهم الجميع بحيث تستند المناهج التربوية على المنهج العلمي الذي يشحذ التفكير وينمي قدرات النشء ويُحفز القُدرات الإبداعية على التفكير والابتكار، ويغرس في العقول روح التأمل وأساسيات العلوم الحديثة والرياضيات والفنون ويفتح الآفاق للانفتاح على العالم وتاريخه وحضاراته. “، ونقول لحمدوك في لا مواربة: إن الذين عجزوا عن الاعتراض على سلم تعليمي شائه وغبي هم عن انجاز ما يصبوا إليه مجلس الوزراء أعجز!!..

حمدوك وبحثه عن الحلو وعبدالواحد بلا سقوفات

* نُقِر طموحات حمدوك في بحثه عن التوافق المجتمعي والاجماع الوطني المنشود، وقد كانت له تجربة شجاعة في توقيعه مع الحلو توافقات لفصل الدين عن الدولة، رفض الفريق كباشي (عضو مجلس السيادة) أن يوقع على مخرجات التوافق على ما عرض من نماذج لتطبيقات تعالج أمر الدولة المحايدة تجاه مواطنيها بحيث لا تفرق بينهم بسبب المعتقد أو الآيدلوج أو المذهب السياسي وأن تكون خادمة لمواطنيها بلا فرز عقدي وضرب المثل بنموذج دولة تركيا الاسلامية، ولم يوقع كباشي على مخرجات التوافق بحجة أن حمدوك لا يملك الحق في فصل الدين عن الدولة!، وتم تصفير عداد المحاولة التوافقية، ولقد كتبت حينها مقالي: ” يا حمدوك والحلو الودران خليتوهو وراكم في أمدرمان: حرية العقيدة في أصول القرآن أكثر كفاءة من العلمانية!!”، ونشر المقال في صحيفة التغيير الالكترونية وسودانايل ونشرته على صفحتي في الفيسبوك، وفحوى المقال يقدمها العنوان بلا رهق ولا مساحيق وهي تجربة تطوير التشريع الاسلامي عند الأستاذ محمود محمد طه الذي نذر حياته للتبشير بها، ففي أصول القرآن حرية العقيدة مكفولة: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، و”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”، والآية: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون”، كما أنني نشرت كتابي: “النبي المصطفى المعصوم بين دعاوى التجديد ودواعي التطوير”، وهو دراسة منهجية مقارنة بين تجديد الدين عند د. الترابي (يرحمه الله) وتطوير التشريع الاسلامي عند الاستاذ محمود محمد طه، وهو بين أيدي القراء الآن، ويطالعنا الآن د. حمدوك برغبته في التفاوض مع عبدالعزيز الحلو (الحركة الشعبية شمال السودان)، وعبدالواحد محمد نور (حركة تحرير السودان) بلا سقوفات وهو طموح مشروع ومطلوب ولكن هل يملك السيد رئيس الوزراء أدواته؟، أم أنه سينفزر مثل ما انفزر الآن في الحد الأدنى من مطلوبات تجديد المنهج التربوي المقترح؟!، أرجو أن يعزز دكتور حمدوك أدواته ويجود ملكاته لخوض معركة التوافق (توافق الشعب السوداني في ثورة ديسمبر المجيدة بنسبة 80% في العاصمة والأقاليم على الاطاحة بنظام الانقاذ الاسلاموي وأسقطهم وهذا هو التوافق المنشود) على الحد المطلوب والممكن والمستحق وهو ماثل الآن للعيان، ويترك خياطة الـ “قرعة” مع الـ “قحف”، ولن نتركه وحيداً في أنواء عواصف الملتحين وخوائهم الفكري المعهود!!..

لا حل إلا في إقامة المنابر الحرة

* لقد لاحظت تقاعس القنوات الفضائية في التصدي للحملة الجائرة ضد د. القراي، ويكفي أن قناة السودان القومية تحت إدارة لقمان انصرفت عن نقل مؤتمره الصحفي الأخير ونقلته قناة النيل الأزرق وقناة سودان بكرة، وقضية القراي ليست قضية شخصية وإنما هي قضية قومية بامتياز كان على الأجهزة القومية أن تظهر فيها الحق من الباطل وهي قضية رأي عام لابد من اطلاع جمهور الناس عليها، على قنواتنا الفضائية وصحفنا وإذاعاتنا أن تشرع فوراً في استدعاء هؤلاء الفقهاء والمنتسبين لمجامع الفقه لإدارة حوار بينهم وبين الجمهوريين حتى يتساقط الباطل ويبقى الحق واضحاً أبلج للعيان ومعلومٌ أن الحق أبلج والباطل لجلج!!، لقد قدم الآن د. القراي استقالته لجهات الاختصاص التي عينته في تلك الوظيفة ونشرت الاستقالة على الملأ ونطالب الآن بفتح منابر الحوار القومية في العلن وبضدها تتبين الأشياء!!..

عيسى إبراهيم

eisay1947@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى