ثقافة

ممدوح أبارو يكتب: رواية نبوءة السقا مفاهيم ثورية

وعلى مدى ساعتين من الزمان في ظهيرة يومٍ غائظ، من صيف العام 2018م؛ تمكنت من قراءة رواية الكاتب حامد الناظر، الموسومة ب”نبؤة السقا” والواقعة في نحو مئتين وخمسين صفحة، عن دار التنوير للطباعة والنشر، والتي تدور أحداثها بإحدى القرى المتاخمة للحدود الإريترية السودانية.

وهي بحق رواية تستحق القراءة، بما تحمل من مضامين ثورية، ومفاهيم للتغير تكاد تسبق الزمن التاريخي الذي تدور فيه أحداث الرواية حتى!.

فقد تفنن الكاتب في تشكيل الشخصيات المحورية في السرد، فغالى في تضخيم حسها الأخلاقي،  وعزز من نبل مقاصدها، وعدالة قضيتها، ثم ما إن استكان القارئ لذلك، حتى إنقلب الراوي عليها، وخلع عليها لبوساً شيطانياً، كأنما يريد أن يسفه من أحلام المتضامنين معها. يتبدي ذلك في كونها شخصيات قامت على تحرير طبقتها المسحوقة أي “الاحفاد” أحفاد السقا، من براثن العبودية، وهيمنة الإقطاع. غير أن الصوت البطولي، والمجد يعود في النهاية لشخصية “إسماعيل” أحد أبناء الطبقة المالكة ” الأوتاد” حيث يظل صوتاً ثانوياً للراوي، يتمثل الخير في كل حيوات السرد، فهو من ينجو في النهايات برغم المرارة، كأنما هو لاعب ماهر ينظر لقطع النرد أمامه تتساقط، ويبقى كرمز، شاهد على فوز أيدولوجيا المنتصر. لكأنما يكفر عن خيانته لتلك الأيدولوجيا، أو يضمّن إعتذاراً مغلفاً بالنوستلوجيا.

الرواية يغلب فيها الوصف على السرد فيتداخلان ما يسبب ربكة لدى القارئ، فكما تشده صور الأحداث والحركات، تتلقفه صور الأشياء والشخصيات، فيمتزجان.

فالوصف بما أنه إظهار للمعان الخفية، وإضفاء حلية من اللغة عليها، فهو أيضا يبطئ مسيرة السرد، كما يلزم السرد وصفاً للأفعال والاسماء بالضرورة.

والأحداث في هذه الرواية لا تخلو من إرباك في الأزمان بدورها، فكثافة الأحداث، أجدى من كثرة الأعوام. فبين موت والد إسماعيل، والناظر حسين، معاً في نفس الحادثة، وعودة إبن الناظر من الجامعة لخلافته، ومن ثم زواجه وانجابه لطفلين، وتفكيره مستقبلاً في الزواج من”فاطمة” خطيبة “محمود” بعد غيابة في جبهة الثوار؛ وما بين سجن إسماعيل لأربعة أعوام حدثت فيها تلك المأساة، متزامنة مع غياب صديقه “محمود” وشائعة استشهاده، يجد القارئ نفسه في غضون أحداث تتسارع بين عشرات السنين وبين أربعتها.  هذا حال غضيّنا الطرف عن ورود بعض المعينات الحديثة، كمفاتيح الإضاءة، مقارنة بما ذكر في جزء آخر عن إشعال فتيل مصابيح زيتية.

وأيضاً أكثر الكاتب من أستخدام “كان” مما خلق نشاذاً لا يتناغم ولغة السرد الشعرية وهو إن لم يكن خطأ لغوياً؛ إلا أنه يعد خطأ تكتيكياً في السرد.

الرواية تعالج قضايا التغيير الاجتماعي، بصورة مختلفة وبلغة سلسلة وماتعة. وهي رواية جيدة في مجملها وتعد رفداً لمكتبة الرواية السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى