أخبارحوارات

هيئة محامي دارفور لـ«التغيير»: سنلجأ للمحاكم الدولية في أحداث الجنينة

اتهم رئيس هيئة محامي دارفور صالح محمود، الأجهزة الأمنية بالتقاعس في تنفيذ أوامر والي غرب دارفور في احداث مدينة الجنينة الشهر الماضي، التي أدت لاشتباكات دامية أوقعت نحو (65) قتيلاً وعشرات الجرحى. 

ونتجت الأحداث عن مشاجرة بين شخصين تطورت إلى نزاع بين المساليت ومجموعات عربية.

وقال محمود في مقابلة مع  (التغيير): “ما حدث في الجنينة يسير على ذات النسق الذي كان موجوداً في النظام المُباد”، وأشار إلى أن حكومة الفترة الانتقالية تمضي “حافراً بحافر” مع سياسات نظام المخلوع، وطالب الحكومة بنزع السلاح من أيدي المليشيات وفرض هيبة الدولة. 

وهدد محمود باللجوء للآليات الإقليمية والدولية حال عدم جدية الحكومة في تقديم المتورطين للعدالة.

حوار: علاء الدين موسى

كيف تنظر لما يحدث في ولاية غرب دارفور (الجنينة)؟

ما يحدث في الجنينة لديه علاقة بسياسات حكومة الفترة الانتقالية، التي تمضي “حافرا بحافر” مع سياسات النظام المُباد، فيما يتعلق بالنزاعات المشتعلة في مناطق عديدة وخاصة في دارفور.

ولماذا الهجوم على الحكومة في ظل وجود التفلتات المتكررة من قبل المواطنين أنفسهم؟

لأن الحكومة السودانية لم تحرك ساكناً طوال عامين من اندلاع ثورة ديسمبر، وكان على الحكومة ان تقوم بنزع السلاح أولاً من المجموعات المسلحة والأفراد، وهذا لم يتم، بالإضافة إلى أن الأوضاع تمضي على ذات النسق الذي كان موجوداً في عهد المخلوع.

وهل تعتقد أن الحكومة لم تتعامل بالحسم والجدية في أحداث  الجنينة؟

بكل تأكيد.. وهذا واضح في ظاهرة الإفلات من العقوبة، ولم تتم حتى الآن محاكمات جادة على الرغم من تكوين لجان وتحقيقات ولكن مازالت سياسة حكم القانون غائبة وتطبيقه أيضاً غائب، والمتطورون في الجرائم الأهلية، الحكومة تتولى دفع الديات والتسويات نيابة عنهم، وهذه نفس الممارسات القديمة.

كأنك تريد ان تقول إن الحكومة بهذا التصرفات لا تعتمد مؤسسات العدالة؟

بكل اسف لا توجد خطة واضحة لتدعيم هذه المؤسسات لتقوم بدورها المطلوب، والأخطر من هذا ان الحكومة تنحاز لطرف دون الآخر، وهذا الاسلوب كانت تنتهجه حكومة المخلوع، وهذا لم يؤد لجرائم منفردة بل عودة ظاهرة المواجهات الأهلية، والحكومة البائدة كانت توزع اسلحة لأطراف النزاع في دارفور.

عفواً.. هذا الأمر كان في العهد البائد، ولكن من يقوم بتوزيع السلاح في ظل وجود حكومة الثورة؟

نحن لا نتحدث عن توزيع السلاح، لأن السلاح كما ذكرت قام بتوزيعه النظام المباد، ولكن السؤال الذي يحتاج لإجابة.. لماذا لم تنزع حكومة الفترة الانتقالية، السلاح حتى الآن؟ وما يحدث لمصلحة من؟ حتى تكون فكرة نزع السلاح غير فاعلة، ودور الحكومة فيه كثير من الشكوك ومثيرة للجدل.

الأجهزة الأمنية تقاعست ولم تنفذ اوامر الوالي

على ماذا بنيت تلك الشكوك؟

الشكوك أتت من اندلاع هجمات بنفس النسق على مرتين في الجنينة وبذريعة واحدة ومتشابهة، من مشاجرة فردية تتحول إلى موجهات أهلية، وهذا يدل على أن الهجمات كانت مخططة سلفاً، خاصة وان الشخص مرتكب الجريمة قام بتسليم نفسه للشرطة، وهذه المشاجرة استخدمت كذريعة واستغلت.

والدور المشكوك للحكومة ايضاً حديث ولاية غرب دارفور ان الهجوم تم من 3 جهات (الشرق والغرب والشمال) بأعداد كبيرة من المهاجمين وبأسلحة ثقيلة، لماذا لم تقم الأجهزة الأمنية برصد تحركات تلك المجموعات، وأيضاً الوالي يشتكي من عدم استجابة القوات النظامية رغم إخطارهم بفترة كافية.

وهل تعتقد أن الأجهزة الأمنية تقاعست عن دورها بعدم استجابتها لتعليمات الوالي؟

ليس تقاعساً فقط، بل حدث عدم تنفيذ أوامر الوالي، وبالتالي عدم تنفيذ اوامر الوالي يطرح أسئلة كثيرة لمصلحة مَن لم تتحرك تلك الأجهزة؟ لماذا لم تتحرك الأجهزة في وقت مبكر لتقليل عدد الضحايا؟، وهذا يؤكد ان الدولة غير جادة في تطبيق القانون.

مقاطعة.. ما هو الدليل على عدم جدية الحكومة في تطبيق القانون؟

الدليل على عدم جدية الدولة، أن الأحداث وقعت والضحايا لم يروا تقديم المتورطين في ارتكاب تلك  الفظائع.

في حالة عدم استجابة الحكومة لتقديم المتورطين  للعدالة، هل يمكن ان تلجأوا لمحاكمة دولية كما حدث في عهد النظام المُباد؟

نعم.. لأن هذا شيء طبيعي في ظل وجود الانتهاكات المتكررة، والدولة اظهرت عدم الجدية والعجز في حماية ارواح المواطنين، لن يكون امامنا خيار سوى اللجوء للآليات الإقليمية والدولية، وقطعاً اذا تطورت الاحداث بهذه الطريقة لا توجد عدالة غير العدالة الدولية.

ولكن الحكومة حتى الآن لم تقم بتسليم المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية رغم المطالبات المتكررة؟

هذا يؤكد عدم جدية الدولة في التعامل مع ملف العدالة في السودان.

الحكومة السودانية غير جادة في تطبيق القانون

دعنا ننتقل لمحور آخر.. ماهي الأسباب وراء  تمسك هيئة محامي دارفور بمحاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية؟

تمسُّكنا بمحاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية، الغرض منه ضرورة تحقيق العدالة، وإرجاع حقوق الضحايا وأسرهم، لأن طوال فترة حكم المخلوع في الثلاثين سنة الماضية، شهدت  جرائم  ضد الإنسانية، ولكن في دارفور أضيفت لها  الإبادة الجماعية والحرب،  ومثل هذه الجرائم يجب أن لا تمر بدون معاقبة ومحاسبة، لأنها  لا تندرج تحت الجرائم التي تتم معالجتها في إطار العدالة الانتقالية، وهي غير خاضعة للتنازل مهما حدث.

حتى وإن تنازل الضحايا واسرهم عن ذلك؟

حتى لو تنازل  الضحايا وأسرهم  عن ذلك لا تتم محاكمة البشير بالداخل  حسب القانون الدولي.

ماهي أسباب  رافض محاكمة البشير بالداخل؟

المحاكمة الداخلية تتم في ظل ظروف وشروط محددة يجب النظر في الأسباب الرئيسية التي أدت لذهاب قضية دارفور للمحكمة الجنائية، في مقدمتها عدم استقلالية القضاء السوداني،  وهذه أفقدته القدرة والرغبة  في تطبيق العدالة، وفي فترة حكم البشير كان القضاء يستخدم كأداة ضد الخصوم السياسيين، وليس لإنصاف الضحايا.

ولكن هذه الأسباب انتهت بسقوط حكم النظام البائد؟

صحيح هذه الأسباب انتهت .. ولا يمكن المحاكمة  بالداخل، لأنه سبق وأن تم توجيه تهم للمخلوع، وصدرت أوامر بالقبض على أعوانه الثلاثة عبد الرحيم محمد حسين وعلي كوشيب وأحمد هارون، بالتالي أي محاولة للالتفاف حول قرارات المحكمة الجنائية غير مجدية، وهذا لا يتم إلا بموافقة المحكمة الجنائية الدولية.

لمصلحة مَن لماذا لم تقم الحكومة بنزع السلاح من المليشيات؟

وهل يمكن أن توافق المحكمة الجنائية بمحاكمة البشير داخلياً؟

يمكن أن توافق المحكمة الجنائية على محاكمة البشير داخلياً في بعض الحالات، منها إذا توافرت الشروط، إلى جانب إلغاء القوانين القديمة، وهذا لا يتأتى إلا في وجود مناخ سياسي وقضائي  مستقل، وقوانين متسقة مع المعايير الدولية، حتى لا يكون هنالك تداخل وتنازع في الاختصاصات، واذا توافرت تلك الشروط، فان المحاكم الوطنية هي صاحبة الاختصاص. بدون توفير هذه الشروط لا تتم محاكمة البشير بالداخل، لأن المحكمة الجنائية صاحبة الحق الأساسي ولا تقبل بغير ذلك،  وهذه الجرائم من اختصاص مجلس الأمن، وتعتبر  هذه الجرائم من مهددات السلم والأمن الدوليين، وموضوعات القانون الدولي اختلفت الآن، وأصبح يهتم أكثر بالدرجة  الأولى بحياة الفرد، بغض النظر عن اللون والجنس والديانة واللغة ليتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948م ومع العهود الدولية الستة، والاتفاقيات الإقليمية.

محاكمة البشير بالداخل لا تعني عدم ذهابه للمحكمة الجنائية

هذه المطلوبات التي ذكرتها موجودة بعد تعيين رئيس القضاء والنائب العام؟

تعيين رئيس القضاء والنائب العام وحده لا يكفي، في ظل وجود القوانين التي تعطي الأشخاص الحصانات، وحتى الآن لا يوجد قانون للعمل به، القوانين كانت موجودة في الفترة السابقة، لذلك لا يمكن  أن نجزم أن هنالك قضاة مؤهلين، بعد انهيار منظومة القضاء في فترة النميري وخلال فترة الإنقاذ، عندما تم إبعاد كل القضاة المؤهلين في المجالات التخصصية أو الفنية، والقضاء السوداني بعد الدمج بين القسم الشرعي والقسم  المدني فَقد كثيرا من القدرة الفنية المعرفية، وأغلب القضاة هاجروا للخارج أو استبعدوا من القضاء، وبالتالي وفد للساحة القضائية قضاة غير مدربين على هذا النوع من الجرائم، وهذه هي معضلة كبيرة تحتاج إلى إصلاح مؤسسي شامل.

 ولكن هنالك من يرى  أن الظروف أصبحت مواتية بعد التغيير الذي حدث في القوانين والتشريعات؟

ما زالت الظروف حتى الآن غير مواتية، وعندما تحوّل السودان من البند الرابع للبند العاشر في مجلس  حقوق الإنسان، الغرض الرئيسي تمكين الخبير المستقل من تقديم المساعدة الفنية للحكومة السابقة في إجراء إصلاحات جوهرية وبنيوية في المؤسسات العدلية وفي القوانين بالإلغاء والتعديلات، وهذا لم يحدث، والحكومة السابقة لم تبد أي رغبة في هذا الاتجاه.

ولكن الوضع اختلف في ظل وجود حكومة الثورة؟

لم يختلف كثيراً، لأن إنهاء تكليف الخبير المستقل في خواتيم السنة الماضية، أي بعد مرور سنة من اندلاع الثورة، والحكومة الانتقالية لم تظهر أي رغبة أو إرادة سياسية كافية في تقديم طلب من الخبير المستقل لمساعدة الأجهزة العدلية في اجراء الإصلاحات.

وكيف تنظر للإصلاحات التي أجراها وزير العدل في عدد من القوانين؟

ما تم من إجراءات، هامشية جداً بإلغاء بعض القوانين،  وليست لها أهمية كاملة وإنما نسبية، المطلوب إلغاء قانون سبتمبر، التي سُميت زوراً بالشريعة الإسلامية، وقانون الأمن وأخرى مرتبطة تسمى اصطلاحياً قوانين مقيدة للحريات، ولا بد من إزالة جميع تلك القوانين.

الهجمات التي حدثت في الجنينة مخطط لها سلفاً

إذاً أين تندرج الإدانة والمحاكمة التي قدمت ضد البشير؟

المحاكمة والإدانة تمت، ولكن  القاضي ذكر عدم وجود نص لتنفيذ العقوبة، في القانون السوداني لمن تجاوز السبعين سنة (سجن أو إعدام)، وهذا يتناقض مع القوانين والمعايير الدولية، التي حاكمت بنوشين عمره أكثر من 80 عاماً أراق دماء الشيليين  وتمت محاكمته بعد تجاوز المائة عام، محاكمات مجرمي الحرب في طوكيو، والآن في القانون السوداني يوجد نص عفو وهذه القضايا الثلاث لا يجوز فيها العفو ولا تسقط بالتقادم.

وهل يمكن محاكمتهم بأثر رجعي؟

لا يمكن محاكمتهم بأثر رجعي، لان ذلك ضد مبادئ القوانين الدولية، وهذه الجرائم وقعت قبل تضمينها في القانون الجديد، وهنالك مبدأ مهم وأساسي لا يمكن محاكمة شخص دون نص قانوني، لذلك لا توجد نصوص قانونية لمحاكمة مرتكبي الجرائم في دارفور، أما بالنسبة لعدم القدرة، القوانين تتمثل في ذات القوانين المعيقة للوصول للعدالة واعاقة كثير من الضحايا والمواطنين للوصول الى العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى