أخبارتقارير وتحقيقات

هل تنجح كينشاسا في إنقاذ «سد النهضة»

قبل ساعات من تسلم رئاسة الاتحاد الأفريقي

تتأهب دولة الكونغو الديمقراطية، لاستلام رئاسة الإتحاد الأفريقي السبت المقبل، لمدة عام، خلال انعقاد القمة الأفريقية العادية الـ«34» لرؤساء دول وحكومات القارة افتراضياً عبر تقنية الفيديو كونفرنس بالعاصمة الإثيوبية، بعد أن كان مقرراً التئامها حضورياً للرؤساء بمقر الاتحاد في أديس أبابا، وتتصدر أزمة سد النهضة الإثيوبي أجندة القمة.

التغيير- سارة تاج السر

اجتماع افتراضي وجدول حافل

وقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية السفير دينا مفتي: «إنّ القمة الأفريقية المقررة يومي 6 و7 فبراير الجاري ستُعقد افتراضياً بسبب جائحة كورونا».

وأضاف خلال مؤتمر صحفي الأربعاء، أن حكومته كانت قد أكملت استعداداتها لاستضافة القمة لكن تقديرات وتوصيات المركز الأفريقي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها حالت دون انعقادها حضوريا لتتحوّل إلى افتراضياً.

ومن المتوقع أن تبحث القمة التي ستعقد في يومين، الحد من تفشي «كوفيد-19» والإصلاحات المؤسسية وانتخابات الاتحاد والتوترات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا والعنف في مالي وأفريقيا الوسطي.

ضغوط لتسوية الأزمة

وتجري أعمال القمة في خضم التوتر الذي يخيم على دول «سد النهضة» بعد وصول العواصم الثلاث «الخرطوم، القاهرة وأديس أبابا» إلى طريق مسدود في المفاوضات المستمرة منذ «10» سنوات.

وتتزايد الضغوطات على كينشاسا للعمل على إحداث إختراق في الملف المتعثر والوصول إلى إتفاق قانوني عادل بشأن ملء وتشغيل السد، يقطع الطريق أمام تدويل القضية ورجوعها إلى مجلس الأمن مرة أخرى في ظل التعنت الإثيوبي.

وفد سوداني بكينشاسا وتشيسيكيدي بالقاهرة

تحركات هنا وهناك استبقت القمة والانتقال المقرّر من دولة جنوب أفريقيا التي تتهمها الخرطوم والقاهرة بالانحيار لأديس أبابا وعدم الضغط على الأخيرة عقب إعلانها الملء الأحادي الأول في يوليو الماضي، وتأكيدها على إستئناف التخزين الثاني بنحو «14» مليار متر مكعب الخريف القادم.

وتوّجه وفد حكومي سوداني رفيع يضم وزيري الري والموارد المائية والخارجية السودانيين في 27 ديسمبر الماضي إلى الكونغو.

وأطلع الوفد الرئيس فيليكس أنطوان تشيسيكيدي، على موقف الخرطوم بشأن مفاوضات سد النهضة وتطورات التوتر الحدودي مع إثيوبيا.

وفي زيارة لها ما بعدها، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الثلاثاء، نظيره الكنغولي وهي أول زيارة يجريها الأخير لمصر منذ توليه منصبه في يناير 2019م، وقبيل أيام على تسلّمه رئاسة الاتحاد الإفريقي لعام 2021م، وفق بث للتلفزيون المصري.

وقال السيسي في مؤتمر صحفي مشترك مع تشيسكيدي بالقاهرة: «المباحثات كانت مثمرة وبناءة تبادلنا الرؤى ووجهات النظر تجاه مختلف القضايا، لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، خاصة في مجال الموارد المائية».

وأضاف: «استعرضنا التطورات الخاصة بسد النهضة بهدف الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم».

وأشار إلى ان بلاده تعتبر نهر النيل مصدراً للتعاون والتنمية.

فيما أوضح الرئيس الكونغولي، أنه أجرى مباحثات في بلاده مؤخراً مع رئيسة إثيوبيا سهلورق زودي، ووزيري الخارجية عمر قمر الدين والري ياسر عباس السودانيين، بشأن تطورات ملف سد النهضة وعدم تصاعد التوترات بشأنه بين الدول الشقيقة.

وقال: «تحدثت معهم للخروج من هذه الأزمة، وتفادي التصعيد من خلال الحوار والتفاوض».

وأعرب عن تطلعه للوصول إلى حل للدول الثلاث لاستمرار التعايش السلمي- وفقاً لتقارير صحفية.

خيارات تشيسكيدي

وحسب قراءات عدد من الخبراء، فإن خيارات تعامل الاتحاد الأفريقي في رئاسته القادمة المتمثلة في الكونغو تضيق وتتعقّد مع اقتراب موعد الملء الثاني، في ظل تصادم إستراتيجيات الدول الثلاث، وما يسمى بـ«متلازمة الحدود والسدود» التي طرأت على الأزمة.

وقال أستاذ العلوم السياسية والباحث بمركز العلاقات الدولية الرشيد محمد إبراهيم لـ«التغيير»: بالنظر للأوضاع الداخلية في كل من السودان، إثيوبيا ومصر، فإنه يصعب الحديث عن أي اختراق تحققه الوساطة الأفريقية في الملف المتأزم.

وعزا ذلك لتصادم إستراتيجيات الدول الثلاث، حيث تعتمد الإثيوبية على الحل الإفريقي وسياسات فرض الأمر الواقع، والمصرية المبنية على التدويل، والسودانية القائمة على الحل والمنفعة المتبادلة.

أقرب إلى «الجودية»

وقلّل إبراهيم من خطوة انتقال رئاسة الاتحاد الأفريقي من جنوب أفريقيا إلى الكونغو في أحداث تحول في المباحثات.

وقال: «الدليل أن أطراف الأزمة تدير التفاوض بأوراق أخرى»- في إشارة إلى حرب إقليم التيغراي الإثيوبي والتوترات الحدودية في الفشقة، وما أطلق عليها الخبير «متلازمة الحدود والسدود»، بجانب مشاركة السودان في قمة البحيرات وارتباطها بإتفاقية عينتبي الإطارية التي تنص على إعادة توزيع حصص مياه النيل، حيث وصفها بالمعركة المؤجلة التي تنتظر دول حوض النيل,

ولم يستبعد إبراهيم أن تُعقِّد رئاسة الكونغو القضية لكونها جزءاً من دول الحوض، وأبدت رفضها للإتفاقية المذكورة بجانب الخرطوم والقاهرة، بينما وقعت «5» من دول المنبع هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، ووقعت ولم تصادق دولة بورندي، فيما أعلنت جنوب السودان رغبتها في التوقيع.

وذكر ابراهيم أن أي صياغة لاتفاق بشأن سد النهضة أو أي معالجات سينبني عليها موقف تفاوضي بشأن تقاسم المياه في دول البحيرات.

وقال إن الحل يكمن في وساطة أخرى ذات نفوذ- في إشارة إلى مسار واشنطن بعد وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، وبعيداً عن وساطة الاتحاد الأفريقي التي أصبحت أقرب إلى «الجودية» وحسن النوايا ولم ترتق لمستوى الضغط على الأطراف.

بين الخرطوم وأديس أبابا

بدوره، أكد مسؤول حكومي رفيع سابق ذو صلة بملف سد النهضة لـ«التغيير»- مفضِّلاً حجب هويته، أن مواقف كينشاسا كانت ولاتزال الأقرب للقاهرة، وبالتالي فإن الإنحياز الأفريقي سينتقل من إثيوبيا إلى مصر.

ولفت إلى أن الطرفين لا يرغبان في توقيع اتفاق قانوني ملزم بشأن الملء والتشغيل، وأن السودان هو الأكثر تضرراً من الملء الثاني.

وأشار إلى أنه التمس من خلال حديثه مع بعض أعضاء الوفد الحكومي الذي زار الكنغو مؤخراً، عدم تفاؤل بمستقبل المباحثات.

واعتبر المسؤول السابق أن على الخرطوم التحلي بالشجاعة والاتجاه لعقد إتفاق ثنائي بين السودان وإثيوبيا، يسمح بموجبه بتبادل البيانات بين سد النهضة وخزان الروصيرص وما يليها من تدابير أخرى تُساعد الخرطوم في ضمان سلامة سدوده ونصف سكانه.

ورداً على سؤال «التغيير» حول إمكانية توقيع اتفاق جزئي بين الخرطوم وأديس أبابا في ظل التقارب السوداني المصري، قال المسؤول: «لا يوجد تقارب».

ووصف كل ما يجري بين البلدين سواء كانت مناورات عسكرية مشتركة أو تبادل زيارات بأنه لا يخرح من إطار الرسائل التي ترغب القيادة السودانية في إيصالها للجانب الإثيوبي.

لا تقدم

من جهته، ذهب خبير السدود المهندس أبوبكر محمد المصطفى، في ذات الاتجاه مقللاً من دور الاتحاد الأفريقي في تحقيق أي تقدم في ملف سد النهضة.

وقال: «حسب تقديراتي الذاتية أن مصر لا ترغب في توقيع اتفاق».

وأضاف: «الأخيرة لن تسمح بالتفريط في نصيب الدولتين من مياه النيل والبالغة 75 مليار متر مكعب حيث تصل حصة مصر البالغة 55 مليار ونصف متر مكعب بجانب 7 مليار متر مكعب من إيراد السودان البالغ 18 مليار ونصف متر مكعب، لكون الأخير لا يستهلك أكثر من 10- 11 مليار متر مكعب، لأسباب تتعلق بكفاءة الري وقلة المواعين التخزينية».

ولفت إلى أن السد العالي الذي يخزن نحو «160» مليار متر مكعب أي ما يعادل إيراد النيل الازرق «3» مرات لا يستخدم إلا خلال فترات الجفاف، لذلك تبيانت وجهات نظر الدول الثلاث حول حجم المياه التي تطلقها إثيوبيا في فترات الجفاف والجفاف الممتد في مسودة الاتفاق.

حيث اقترحت القاهرة «40» مليار متر مكعب واديس أبابا «30» مليار متر مكعب، والخرطوم «35» مليار متر مكعب، فيما رأت واشنطن وقتها أن تتراوح الكمية ما بين «35- 37» مليار متر مكعب، وهو الأمر الذي قاد إلى تعثر مسار واشنطن وانسحاب إثيوبيا من المفاوضات لأنها اعتبرت أن التوقيع على مسودة بتلك الأرقام اعتراف منها بحق الدولتين في تلك المياه خلال الجفاف.

التأثير على الكونغو

ولم يستبعد محمد المصطفى لجوء القاهرة إلى التأثير على كينشاسا وجعل الوضع الراهن على ما هو عليه بالتزامن مع إحداث تغييرات في المنطقة بإضعاف حكومات دول حوض النيل عبر سياسة العصا والجزرة من خلال تمويل المشاريع وتقديم الإعانات وتغذية النزاعات الداخلية وإطالة أمد الحوار للحد من التنمية الاقتصادية التي تجعل السودان يستهلك نصيبه كاملاً من المياه- على حد قوله.

وأشار إلى أن القاهرة شرعت مباشرة بعد تعليق المفاوضات في الحرب الدبلوماسية والإعلامية والتهويل والتخويف بالضربات العسكرٌية، وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على السودان بالتنسيق مع حلفائها في الإقليم، والتدخل في الشأن الداخلي للسودان وإثيوبيا بإثارة النزاعات السياسية في بني شنقول والحدود لزعزعة الحكم والتأثير على القرار الوطني في الدولتين- وفقا لتعبيره.

والواقع أن الكنغو التي ستتسلّم رئاسة الإتحاد من جنوب أفريقيا خلال «72» ساعة، تنتظرها تركة ثقيلة على رأسها ملف سد النهضة وتداعياته على السلم والأمن في الإقليم، فهل سيمهل الوقت، تشيسكيدي، لإعادة ترتيب البيت الأفريقي وكسر جمود الملف وإنقاذه من التدويل ام تصطدم جهود كينشاسا بأجندة الصراع؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى