أخبارتقارير وتحقيقات

السياسات الضريبية في سودان ما بعد الثورة

ترجمة: رَوْح ناصر

كانت حكومة السودان في حاجة لإيرادات مستقرة من قبل إعلان الطوارئ الإقتصادية في سبتمبر 2020، فقد تضاعف سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي على الأقل أربع مرات منذ العام 2018، ووصل معدل التضخم إلى 230% بحلول شهر أكتوبر 2020، ولكن ما زالت هذه الأرقام المقلقة تفشل في حساب معدلات التضخم الحقيقية في كل أنحاء البلاد. فسعر الصرف الحقيقي للدولار مقابل الجنيه السوداني – والذي يؤثر على أكثر من 90% من المعاملات المالية داخل السودان – يمكن أن يرسم لنا وبوضوح سيناريو متطرف، فقد كان الدولار يساوي 30 جنيها سودانيا في السوق الموازي في العام 2018، وقد وصل الان إلى 270 جنيه سوداني.
هذا بالاضافة لجائحة كورونا التي أضعفت النشاط الاقتصادي بالسودان، وبالتالي زادت معدلات التضخم، والتي بدورها فاقمت المشاكل الاقتصادية الموجودة مسبقاً.  فعلى سبيل المثال ، يقضي المواطنون\ات السودانيون\ات معظم يومهم في الوقوف في صفوف الخبز والوقود  ـ مع ارتفاع اسعارهم ـ  كما ارتفعت أسعار الرصيد أيضاً، بالاضافة لتباطؤ التحويلات المالية من الدول الأخرى. لكل هذه الأسباب يجب علينا ألا نستهين بهذه الصعوبات التي تواجه حيوات آلاف المواطنين\ات ، لأن هذه الظروف الاقتصادية السيئة كانت سبباً في اشتعال ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بالبشير عن كرسي الحكم.
وفي هذا الوقت تحاول الحكومة الانتقالية القيام بمجهودات تُوصف بأنها “طويلة النفس” ، وذلك بغرض قمع السوق الموازي “السوق السوداء”، فمثلاً يتم تطبيق عقوبات قاسية لردع امتلاك أو تهريب الذهب غير القانوني، بالاضافة للثروة المعدنية التي يتم استخراجها من السودان وتهريبها الى الخارج، وهذه  ـ في الحقيقة ـ  هي الطرق التي يتحصل بها الناس على العملات الصعبة”الأجنبية” بطرق خارج القانون.
إضافة لذلك، فقد شجعت الحكومة الانتقالية المستوردين على شراء الذهب من العمال في المناجم، وذلك ليتمكن بنك السودان المركزي من الحصول إلى أكبر قدر ممكن من العملة الصعبة “النقد الأجنبي”، في الوقت الذي تعمل فيه هذه السياسات على تحسين أوضاع المواطنين السودانيين على المدى البعيد، فإن لها تأثيرات واضحة على النخب التي تعمل في التهريب منذ حكم البشير.
والآن، وبعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب  ، فسيتم تقديم المساعدات المالية من مؤسسات البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، لكنها لن تصل في الوقت الملائم ، ولا بالسرعة اللازمة، وفي نفس الوقت الذي تتناقص فيه المساعدات المالية بسبب هبوط الإقتصاد العالمي ، فإن دول الخليج العربي كانت تُغطي بعض الفجوات المالية “العجز” في السودان، وترتبط هذه المساعدات الخليجية بأبعاد سياسية، على رأسها دعم السودان للمملكة العربية السعودية في حربها ضد دولة اليمن ، أما بالنسبة للمساعدات غير المتوقعة مثل النفط ، فإن الأموال الخليجية تتلقى صدمات منذ العام 2017، والذي بدأ بالخلاف السياسي بين مصر والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، والذي أثّر على تمويل قطر للسودان.

 

عن تعبئة الموارد المحلية:

 

إن أحد الطرق الفعّالة لتحسين الوضع الإقتصادي والسياسي والاجتماعي في السودان محلياً وعالمياً ، في الحاضر والمستقبل ، هو إيجاد المزيد من إيرادات الضرائب المحلية ، ولحُسن الأمر فإن القيادة السياسية في السودان تُدرك وبوضوح أن عائدات الضرائب لا تقتصر فقط على الممارسات التكنوقراطية وحسب ، ويظهر ذلك من خلال اتفاقية سلام جوبا 2020 التي أوردت زيادة الإيرادات، وصلاحيات تقاسمها.

ومع ذلك ، فإن الحكومات الوطنية المتعاقبة منذ الاستقلال لم يكن لها خبرات جيدة في زيادة الضرائب، فمنذ الإستعمار البريطاني للسودان كان الاقتصاد متمركزاً حول الأموال الخارجية مثل صادرات القطن والقروض الدولية والنفط، وبالتالي، نادراً ما كانت تظهر الضرائب في الميزانية الوطنية ، كما اعتمدت الحكومة الاستعمارية على التحويلات المالية من الحكومة المركزية آنذاك، لكن على الرغم من مرور قرن كامل على إصلاحات الحكم المحلي ، إلاّ أن الحكومة المركزية لا تزال تحافظ على سيطرة صارمة على الضرائب، فعلى سبيل المثال، جمعت العاصمة الخرطوم حوالي 97% من عائدات الضرائب الرسمية في العام 2010، وهذا الأمر جعل الحركات المسلحة تشعر بالاستياء تجاه حكومة البشير السابقة، لأن الغالبية العظمى من ثروة السودان لا تزال متمركزة في مثلث حمدي – سُمّي على إسم وزير المالية في ذلك الوقت – لأنه أعلن وبوضح أن التنمية يجب أن تتمركز في العاصمة الخرطوم وما حولها.

 

صورة توضح العاصمة الخرطوم وحدود مثلث حمدي.

كان تمويل السودان  ـ على مرّ تاريخه الحديث ـ  يعتمد بصورة ضئيلة على عائدات الضرائب ، لذلك فإن النظام الضريبي السوداني لا يُعتبر مفهوماً ، وهذا الشرط  ـ الفهم ـ  ضروريّ لبدء أي نوع من أنواع الإصلاح الضريبي والنمو الشامل. فبينما تُهيمن الحكومة السودانية على جباية الضرائب الرسمية، توجد مجموعات واسعة من الضرائب في جميع أنحاء السودان تعلم الناس تدبير أمورهم في مواجهة التحويلات المالية غير الموثوقة من المركز الخرطوم، وربما يكون النظام الضريبي والرسوم غيرالرسمية في غرب دارفور مختلفاً اختلافاً كلياً عن النظام الضريبي لولاية البحر الأحمر.

وعند إلقاء نظرات على النظام الضريبي ، سنجد أنه ليس نظام جمع الأموال وحسب، وإنما يُظهر- وبوضوح تام – شكل السلطة التي تستفيد من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بجمع الضرائب ، وخير مثال لهذا شبكات تجارة الذهب غير المشروعة، وإذا كانت الحكومة الإنتقالية تعمل على إصلاح للنظام الضريبي، فمن المؤكد أنه سيتم عرقلة هذه الشبكات الغيرالشرعية ، وهي بدورها ستتصدى لهذه الإصلاحات وتعمل على عرقلة هذه الإصلاحات.
سيقوم الباحثون في الفترة القادمة بدراسة السياسات الحقيقية للنظام الضريبي في السودان، وبتفصيل أكثر، وذلك من خلال مساعدة ودعم 18 باحث وباحثة سودانيين في جميع أنحاء السودان، وتأتي هذه البحوث في الوقت المناسب إذا ما تمّ قراءة توقيتها مع نوايا حكومة السودان الإنتقالية في إصلاح النظام الضريبي للوصول للتغيير الجذري، والعمل على بناء الثقة من أجل خلق انتقال سلميّ، وعدم إلحاق الضرر بأي من الأطراف خلال الفترة الإنتقالية، والتي سيساعد هذا المشروع بشكل جيّدعلى الوصول لهذه الأهداف، وبينما تسعى الحكومة مرة أخرى إلى إلغاء الدعم -الذي حشد الثّوار\ات أثناء الثورة-أصبحت الأسئلة المتعلقة بمصادر التمويل الإضافية للدولة أكثر وضوحاً، وبالمثل سيتم إيجاد ما يدعم جهود التخطيط الإقتصادي الوطني الحالية.

نُشرت على موقع افريكان ارقيومنتس African Arguments

كتابة: رجاء مكّاوي و ماثيو بنسون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى