اقتصادحوارات

الخبير د. محمد الجاك لـ«التغيير»: حديث دعم الموازنة للتنمية والفقراء إدعاء باطل

قال إن الدولة شريكة في انفلات الدولار وليس سببه الفلول فقط

طالب الخبير الاقتصادي د. محمد أحمد الجاك، الدولة بالابتعاد عن تطبيق سياسة صندوق الدولي التي قال إنها تُعمِّق من الأزمة الاقتصادية.

التغيير- حوار: علاء الدين موسى

تصوير- ترتيل أمير

تفاقمت الأزمة الاقتصادية في السودان مؤخراً بشكل لافت، ما جعل التكهن بمآلاتها وإيجاد الحلول الناجعة لها أمراً عصياً وبعيد المنال.

ومع التشكيلة الوزارية الثانية لرئيس مجلس وزراء الحكومة الانتقالية د. عبد الله حمدوك، وبدء تطبيق موازنة العام المالي 2021م في وجود وزير جديد، تظل قضية الاقتصاد والإصلاح الاقتصادي هي الموضوع الأبرز والجدير بالبحث وإيجاد الحلول.

«التغيير» طرحت على الخبير الاقتصادي المعروف د. محمد أحمد الجاك، أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم، العديد من الأسئلة حول الإصلاح الاقتصادي وروشتة صندوق النقد الدولي التي تطبق في السودان، ومسببات ومآلات الوضع الراهن، وخرجت بهذه الإفادات:

* هل بالإمكان الإصلاح الاقتصادي في السودان بمعزل عن سياسات التحرير الاقتصادي وما تقتضيه من رفع الدعم والخصخصة شبه الكاملة وتعويم العملة؟

الإصلاح الاقتصادي يجب أن يكون بعيداً عن مقترحات صندوق النقد الدولي، وهذه المقترحات تعبر عن الصفة التي تميز بها الصندوق، خاصةً وأنّ الجهات التي تديره تختلف تركيبة الاقتصاديات الموجودة فيها عن اقتصاديات الدول النامية مثل السودان، لذلك الإصلاحات التي يشترطها الصندوق بأن تكون المنافسة حرة، وعدم دعم السلع والخدمات، والسوق يعمل وفق الندرة المطلوبة، والاقتصاديون في دول العالم يعترفون بأن هذه الشروط غير موجودة في دول العالم الثالث.

* وهل تعتقد أن هذه الروشتة يمكن أن تعالج مشاكل الاقتصاد السوداني؟

لن تعالج الاقتصاد السوداني، لأن هذه الروشتة تحاول إعطاء علاج دون تشخيص حقيقي للواقع وهذا أس المشكلة، ومنذ الاستقلال، الدولة موجودة في الاقتصاد، ولم تحرم القطاع الخاص من ممارسة نشاطه، بل تقوم بدعمه.

* وهل ترى أن وجود الدولة في السوق سيعمل على معالجة المشكلات؟

وجود الدولة في النشاط الاقتصادي مهم جداً، ويمكن أن يكون بديلاً للقطاع الخاص، من خلال تشغيل المصانع الخاصة بالدولة، لتقديم خدمات بتكلفة أقل لأنها لا تطمح لأرباح، وفي ذات الوقت توفر فرص عمل كافية للعَمالة.

* هذا يعني أن تبني السودان لسياسة صندوق النقد الدولي خاطئ؟

نعم.. وحتى البلدان في دول العالم الثالث التي تبنت سياسة التحرير الاقتصادي لم تتبنها بنفس درجة التنفيذ التي تبنّتها الحكومة السودانية، حتى وصلت هذه السياسة لكل شخص، وأثّرت عليه، وتلاشت الطبقة الوسطى، وأصبحت هنالك  طبقتان؛ أغنياء وفقراء نتيجة لهذا التطبيق، وهذه السياسة عمل القطاع الخاص لاستغلالها، وظهرت مجموعة الوسطاء من التجار المضاربين والسماسرة الذين عملوا على استغلال غياب الدولة، وهذا أدى إلى تدهور النشاط الاقتصادي بصورة عامة.

* ما هي النقاط السالبة لسيطرة القطاع الخاص على السوق السوداني؟

أهم نقطة سالبة هي، منذ الاستقلال وحتى الآن يعتمد القطاع الخاص على حماية الدولة، وبهذه السياسة ارتبطت استراتيجية التصنيع بتشجيع من الدولة، وهذا بشروط لحمايتها من المنافسة الخارجية، ولكن هذا يتطلب شروط أن تكون الصناعات قادرة على حماية نفسها، وتنتج بسعر أقل لتنافس في السوق العالمي.

والقطاع الخاص لم يقم على رؤية اقتصادية سليمة، بل تعتمد على الدعم وتنتج بأسعار خرافية لاعتمادها على مدخلات مستوردة، وكل شروط الاستثمار التي صدرت منذ الاستقلال تؤكد ضرورة تقليل الحاجة من المدخرات العالمية، لدعم ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ولكن اعتماد القطاع الخاص كلياً على الدعم أثّر على كفاءته.

* ما هي بدائل الإصلاح الاقتصادي في السودان إذا استبعدنا صندوق النقد الدولي والاقتراض من المؤسسات التمويلية، في ظرف الدَّين الخارجي الكبير وإفلاس الخزينة العامة؟

تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي كما كان في السابق هو الحل، ويمكن أن يعيد عافية النشاط الاقتصادي التي كانت في الماضي.

* لو طبّقت الحكومة سياسات صندوق النقد الدولي، ما هي الخطة الواقعية لاحتواء الآثار الإجتماعية والسياسية لذلك؟

في اعتقادي، تطبيق سياسة الصندوق بهذا الشكل صعبٌ جداً، لعدم وجود شبكات لحماية الشرائح الضعيفة، وبعض الدول تبنّت سياسة الصندوق بشكل لا يؤثر على الشرائح الضعيفة.

* بمعنى؟

ظل الدعم بأشكال مختلفة، ولم تخصخص الانفاق على خدمات التعليم والصحة والإسكان، وأقرب مثال لذلك مصر، صندوق النقد قدّم لها دعماً بصورة واضحة جعلها تتحكم في سعر الصرف بالنسبة لعملتها.

* وماذا عن المقترحات التي قدمها وزير المالية الأسبق د. إبراهيم البدوي لدعم الشرائح الضعيفة؟

ما اقترحه شئٌ مُشوّهٌ لما يحدث في الغرب، والنظام الموجود في الغرب عبارة عن نظام شبكات للحماية الإجتماعية، ويقوم على دعم المواطنين حسب الفئات، لكن الخبراء السودانيون حاولوا تشويه الدعم، وما هو مقترح غير ذي فائدة، وإذا كانت الدولة لديها إمكانات بهذا الحجم لماذا لا تقوم بتمويل مشروعات إنتاجية، المحاولات التي تمت بالتمويل الأصغر والخريج المنتج أثبتت فشلها.

* ما هي أهم الإصلاحات الداخلية المطلوبة للانتقال بالاقتصاد السوداني من اقتصاد معيشي واستهلاكي إلى اقتصاد منتج؟

زيادة معدلات النمو الاقتصادي، بالتوجه السليم والتحول من اقتصاد معيشي إلى اقتصاد حديث، وهذا يتطلب الموارد واستخداماتها، وتوظيفها بصورة كاملة، والسعي لتوظيف الإمكانات بصورة متكاملة على حسب السياسات التي تنتهجها الدول سواء كانت انكماشية أو منفتحة، وهذه السياسات  تمكنك من استخدام ما يزيد من معدلات النمو، وهذا ينقل الاقتصاد السوداني من اقتصاد معيشي إلى منتج، وهذا ما تنادي به المبادئ وشروط التنمية المستدامة في إطار الاقتصاد، وهو غير موجود في النشاطات الاقتصادية في الوقت الحالي.

أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم محمد الجاك- تصوير: ترتيل أمير

* دعنا ننتقل لموازنة 2021م، هل هي موازنة منحازة للفقراء من حيث الصرف على التعليم والصحة والضمان الإجتماعي وتوفير فرص العمل؟

الموازنة من نظرة بسيطة ومن واقع الموجود، وضعت وفي الحسبان وجود تشكيلة وزارية جديدة سوف تأتي، وهذه التشكيلة الوزارية، لا تعني سوى مزيدٍ من الترهل في الدولة، باستيعابها لأشخاص جدد بمخصصات جديدة، فالميزانية مهما كانت نفقاتها لا تغطي الإيرادات، فإنها ستزيد بمتوالية هندسية، والسبب الأساسي في هذا الترهل الوزراء وخلق وزارات جديدة ومؤسسات جديدة، بالإضافة لوجود الجيوش الجرارة التي تعمل الدولة على استيعابها في الجيش والشرطة، والمؤسسة العسكرية تعتمد على دعم الدولة رغم وجود شركاتها الخاصة.

* ولماذا لم يتم إدخال شركات الجيش في الموازنة الجديدة؟

الشركات التابعة للجيش لم ولن تدخل إيراداتها إلى خزينة الدولة في الوقت القريب، إلا إذا وضعت وزارة المالية يدها على هذه الشركات، ومثلما أشار مستشار رئيس الوزراء لوجود عدد من شركات قطاع الكهرباء لم تقم بدفع الضرائب، فهذه شركات حكومية وتفرض رسوماً وضرائب.

ولكن الميزانية لم تهتم بذلك، وعملت على توسيع الإنفاق الحكومي وترهل جهاز الدولة، ولم تحاول زيادة الإيرادات، وكل اعتمادها على الإعانات من الخارج حتى وإن لم يعترف المسؤولون بذلك، وهذه الإعانات مرتبطة بتنفيذ سياسات البنك الدولي، ما جعلها تلجأ إلى رفع الدعم، للأسف هذا كل ما في عقلية الوزيرة السابقة.

* ولكن هنالك الكثير من الاقتصاديين يرون أن رفع الدعم هو المخرج الوحيد للاقتصاد؟

لا يوجد دعمٌ من الأساس، لأن الحكومة تشتري الوقود من السفن بدولارين، ولا تحاسب بالسعر الرسمي المحدد، بل يتم حسابه بسعر السوق الموازي، “أين الدعم هنا؟، والحقيقَة أن الدولة شغّالة زي السماسرة أو الوسطاء”، وهذا هو السبب الأساسي في زيادة التضخم.

* ولكن الدولة تقول إن الموازنة الجديدة داعمة للتنمية؟

هذا إدعاءٌ باطلٌ، وهذه الموازنة ليست لها صلة بدعم التنمية، ورفع الدعم عن الوقود له أثر مباشر على الإنتاج، وكذلك ارتفاع الأسعار يؤثر سلباً إن لم يكن يُدمِّر القطاعات الصغيرة، صاحبة الدخل المحدود الذي لا يغطي احتياجاتهم، والإعانات المقدمة من المؤسسات الاجتماعية مثل ديوان الزكاة، أقل من خط الفقر لن تحل مشكلة، لذلك أعتقد أنّ الموازنة سوف تُعمِّق من مشكلة الفقر، وفي نفس الوقت ستؤثر في قطاعات إنتاجية مهمة.

* وما هو المَخرج للاقتصاد السوداني من هذا المأزق؟

المَخرج في اعتماد الاقتصادي السوداني على زيادة الصادر وبالتالي زيادة الحصيلة من العملات الأجنبية، وهذه تعد أهم مَخرجات المؤتمر الاقتصادي، ولكن الدولة لم تعمل بهذه المَخرجات وتبنّت سياسة الصندوق.

* هل الموازنة منحازة للفقراء من حيث الصرف على التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتوفير فرص عمل؟

الموازنة غير منحازة للفقراء، والأسر أكثر ما تنفق على التعليم والصحة، لذلك الموازنة أكثر عبئاً على المواطن، وغير داعمة للتنمية.

* ما هي ملامح السياسة الاقتصادية للحكومة من خلال هذه الموازنة؟

السياسة الاقتصادية للدولة تُجاري السوق الموازي، ولم تعمل على تقليل الآثار السالبة من خلال السعي لزيادة الإنفاق، وليس خفضه، وهذا يُشكِّل عائقاً أمام الإنتاج بفرض الضرائب، وهذا أثره على الإنتاج، ويتحمّله المواطن بالدرجة الأولى.

* كيف يمكن أن يستفيد السودان من رفع العقوبات على المديين القريب والبعيد؟

رفع العقوبات إيجابي، ولكن الحكومة لم تهيئ نفسها، لماذا تفعل بعد رفع العقوبات، ولم تكن لديها خطة واضحة للاستفادة من رفع العقوبات، وعلى سبيل المثال القطاع المصرفي يحتاج لإصلاح، البنوك ليست لديها ضمانات في الخارج، وهذا من مساوئ عدم وجود خطة يمكنها استعادة السودان لموقعه الطبيعي.

* البعض يرى أن فلول النظام السابق هم السبب في ارتفاع أسعار الدولار بالسوق الموازي.. ما تعليقك؟

هذا ليس هو التفسير الكامل، حتى وإن أخذناه تفسيراً جزئياً، سياسات الدولة لا تمكن من عمل رقابة على سوق العملات، وارتفاع الدولار ليس سببه المباشر الفلول لأنها لا تتعامل مع السوق الداخلي، والدولة عجزت عن جذب مدخرات المغتربين، لأن المغترب يشكك في صدق الدولة.

* في حالة تعويم الجنيه هل يمكن أن يتعامل المغتربون مع الدولة مباشرة بدلاً من الوسطاء؟

لا يمكن.. لأن المغترب فقد الثقة في الحكومة بسبب عدم تنفيذها للسياسات التي تقوم بإصدارها، لذلك لا أميل لتفسير ما يحدث في سوق الدولار بأنّ سببه الفلول، الدولة شريكة فيما يحدث.

* وما هو المَخرج للأزمة الاقتصادية؟ 

خروج السودان من الأزمة الاقتصادية يحتاج لوجود شخصية لديها كاريزما وولاء للوطن، أي أكثر من أي جهة، والنظام السابق أسس للحزبية والجهوية والقبلية، وما لم تنته هذه النظرة لا أعتقد أن يبشر المستقبل بشئ جديد.

* وهل تعتقد أن وزير المالية الجديد د. جبريل إبراهيم سينجح في المهمة؟

أعيب على وزير المالية الجديد عدم وجود الخبرة العملية الكافية، ودراسة الاقتصاد النظرية تختلف عن تطبيقه، وتصريحاته التي أدلى بها للعمل على إنهاء الصفوف غير موفق قبل دراسة الأسباب التي أدت إلى ذلك، «مثل هذا التصريح أي زول هائج يمكن أن يقوله»، وجبريل إلى درجة بعيدة يعتبر مثله ومثل أي عسكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى