أخبارتقارير وتحقيقات

الإيجارات.. انفلات الأسعار ومخاوف من «الدولرة»

سجلّت أسعار الإيجارات في العاصمة السودانية الخرطوم أرقاماً قياسية غير مسبوقة، وشهدت حالة من الانفلات مع تزايد التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

التغيير- أمل محمد الحسن

«احتجزوني داخل المنزل، وهددوا أطفالي بالضرب»، هذا ما قالته السيدة «أ. م» وهي تصف ما فعله أصحاب العقار لإجبارها على إخلاء الشقة التي تقطن فيها بمدينة الخرطوم بحري.

ومضت «أ» في تفاصيل حكايتها مع المؤجرين تقول إنهم طالبوها بالإخلاء مع ارتفاع أسعار الدولار المفاجئة في السوق الموازي قبل إكمالها العام في السكن.

أصحاب عقار يحبسون مستأجرة داخل المنزل لإجبارها على الإخلاء

مشاكل الطرفين

وأوضحت «أ» أن أصحاب العقار قاموا بإرهابها لإجبارها على سرعة الإخلاء، حيث قاموا باحتجازها داخل المنزل عبر إغلاق المنفذ الخارجي بقفل لا تملك مفتاحه، ولم تتمكن من المغادرة إلا عبر الاتصال بشرطة النجدة.

وأضافت السيدة «أ» أنه أثناء مغادرتها للمنزل، قاموا بتهديد أطفالها (8-10) سنوات، بالضرب الأمر الذي جعلها تغادر المبنى فوراً حتى بعد أن قامت بفتح بلاغات جنائية في مواجهتهم.

في الاتجاه المقابل، اشتكى السيد «ص. ح» من عدم تنفيذ المستأجر- الذي يستخدم منزله كمخزن للسيراميك- لطلبه بالمغادرة، بينما توقف هو عن استلام الأجرة منذ «4» أشهر ليسمح له بتوفيق أوضاعه.

وأكد «ص» لـ«التغيير» أنه يحتاج لبناء منزل لعائلته في ذلك الموقع، وأشار إلى الضرر البالغ الذي طاله، بعد زيادة أسعار مواد البناء تبعاً لزيادة أسعار الدولار، وهو في انتظار مغادرة المستأجر بدون أن يلجأ للمحاكم.

قسم شرطة: «10» بلاغات جنائية أسبوعياً بسبب مشاكل الايجارات

ظاهرة البلاغات

وفي السياق، أكد مصدر شرطي من قسم الصافية في الخرطوم بحري، زيادة البلاغات بسبب الإيجارات.

وقال المصدر- الذي فضل حجب اسمه- إنه ترد حوالي (10) بلاغات أسبوعياً للقسم من المستأجرين الذين يشتكون من الاعتداءات الجنائية للملاك عليهم.

ونوه إلى أن الاعتداءات تتمثل في إغلاق منافذ المياه، أو الكهرباء أو المضايقات الأخرى، وأكد أن بعض البلاغات تكون من أصحاب العقارات.

وقال المصدر لـ«التغيير» إن معظم البلاغات التي يتم فتحها تكون تحت المواد «74 أو 183» وهي التعدي الجنائي أو الاهمال الذي يؤدي للضرر.

خبير قانوني: المشرع راعى حقوق الطرفين.. وما يشاع حول طول فترة التقاضي غير صحيح

احمد عبد الوهاب المحامي

السكن والقانون

المشرِّع في وضعه لقانون الإيجارات وضع في حسبانه حماية الطرفين «المؤجر والمستأجر» بحسب المحامي أحمد عبد الوهاب.

ولفت عبد الوهاب إلى نسبة الزيادة السنوية التي يتضمنها العقد وغالباً ما تكون «10%» من قيمة الايجار.

وأضاف عبد الوهاب بأن القانون حمى صاحب العقار بأجرة المثل التي يستحقها بعد إكمال (3) سنوات.

وأشار إلى أن المشرع ربطها بعدد من الأعوام حتى لا يتم استغلالها من قبل الملاك.

وارتبط السكن ارتبط بالاستقرار، ومدارس الأبناء، والعمل، لذلك اهتم المشرع بحقوق المستأجر أيضا، ووضع إجارة «حكمية» والتي تصبح سارية بعد إكمال العام الأول طالما استمر في دفع قيمة الايجار.

وأضاف عبد الوهاب: «الإيجار مثل الزواج، مبني على نية تعدد السنوات».

وحول ظاهرة التعديات الجنائية من الملاك؛ شدّد المحامي على ضرورة عدم التعدي الجنائي واللجوء للمحاكم المدنية، ونفى الاعتقاد السائد بأن المحاكم تأخذ وقتاً طويلاً.

وأضاف عبد الوهاب، بأن التعديل في القانون الذي حدث في العام 2018م أكد على نظر المحكمة في قضايا الإيجارات بشكل استثنائي، ولا تكون هناك مسافات بين جلسة وأخرى، والفصل فيها يتم بسرعة سلباً أو إيجاباً.

وأعرب عن أسفه لكثرة التعديات الجنائية التي تحدث من المستأجرين، وأرجع الأمر إلى التغييرات الإجتماعية بسبب التضخم الاقتصادي الذي سبب أزمات أخلاقية وسلوكية جديدة على المجتمع.

خبيرة إجتماعية: ضغط المستأجرين بالاعتداءات لأجل الإخلاء «غير أخلاقي»

حماية المجتمع

محاولة الملاك لضغط المستأجرين من أجل الإخلاء عبر الاعتداءات أمر غير أخلاقي بحسب الباحثة الإجتماعية ثريا إبراهيم، التي تقول: «عندما يسعى كل شخص لأخذ حقه بيده يتحول المجتمع إلى غابة»- بحسب وصفها.

واتفقت ثريا مع المحامي عبد الوهاب حول أهمية لجوء الملاك إلى القانون للمطالبة بحقوقهم؛ حال تأخر المستأجر في دفع الأجرة، أو حال حاجته للعقار تحت أي ظرف.

ومن جهة ثانية، ترى الباحثة الإجتماعية، أن انتهاج المستأجرين لفتح بلاغات جنائية في مواجهة الملاك، أمر جيد، وحضاري، وهو البديل الأمثل عن مواجهة الملاك بذات طرق التعدي التي ينتهجونها.

ووصفت ثريا ما يقوم به الملاك من أجل دفع المستأجرين للمغادرة بـ«انتهاك الخصوصية»، وأكدت أن ما يحدث من جانبهم انتهاك لحرمات البيوت.

خبير اقتصادي: الخوف من شبح «الدولرة»

حسام الدين عباس

شبح «الدولرة»

ارتفاع أسعار العقارات والايجارات المفاجئ جاء نتيجة سياسات الحكومة في التحرير الاقتصادي، عبر رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء من دون إصلاحات- بحسب الخبير الاقتصادي حسام الدين عباس.

وأكد عباس أن الاتجاه نحو التعويم يرفع التضخم السعري الذي يحدث بدون زيادات حقيقية في الأجور.

وبحسب أحد سماسرة العقارات فقد وصل متوسط العقارات في منطقة بحري إلى «60» ألف جنيه، بينما يزيد السعر في مناطق مثل «جبرة» لتصل إلى «75» ألفاً، مقابل ما يقارب من «80» ألفاً في الشهر بمناطق المعمورة وأركويت للشقق الكبيرة والقريبة من الخدمات.

ولم تنجُ حتى الأحياء البعيدة مثل «الكلاكلات» من زيادة الإيجارات والتي وصلت فيها أسعار المنازل العادية لـ«25» ألف جنيه.

وتتضاعف هذه الأسعار- بحسب السمسار- حال كان العقار مفروشاً، وأشار إلى أن الغالبية من الملاك اتجهوا لتأجير عقاراتهم مفروشة نسبة لاختلاف شروط التعاقد تحت هذا البند.

وشبح «الدولرة» هو أكثر الأمور المخيفة في المرحلة الحالية، بحسب الخبير الاقتصادي، الذي شرح المصطلح بالاتجاه لاستخدام الدولار بسبب الكفر بالعملة المحلية والبحث عن محافظ نقدية بديلة، ونوه إلى استخدام الناس للذهب في السابق.

في كثير من المواقع على الوسائط الإجتماعية نجد تقييم أسعار الإيجارات صار عبر الدولار، وأكد عباس أن العقارات من السلع طويلة الاستخدام لذلك هي الأكثر عرضة لـ«الدولرة».

وتعامل الناس عبر العملة الأجنبية جعل لها بين «3- 4» أسعار خلال اليوم الواحد- طبقاً لحديث عباس الذي أشار إلى قلة العرض وعدم الإنتاج الذي يوفر العملة الصعبة.

والحلول الجذرية للإصلاح الاقتصادي وفق عباس هي الإنتاج من جهة، ودخول استثمارات الجيش والدعم السريع داخل الموازنة من جهة أخرى.

وقال عباس إن الحكومة لا تستطيع أن تقضي على المضاربين في السوق الأسود إلا عبر التوقف عن شراء العملة منهم، وإنشاء شركات حكومية تنتج وتصدر لتوفير الدولار للاحتياجات الحكومية.

وأضاف عباس إلى روشتة علاج الاقتصاد تغيير العملة الحالية والتي يرى أنها ستسهم في تقليل المضاربات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى