أعمدة ومقالات

المصالحة الوطنية كلمة حق يراد بها باطل (زواج المتعة)

د. حيدر إبراهيم علي

من مفارقات السودان ولقطات المشهد السريالي المستمر في البلاد ترويج قياديين في “الجبهة الثورية” للمصالحة مع الإسلامويين رغم أن اسم هذه الجبهة يحمل صفة ثورية وهذا تناقض أولي: أين هي الثورة حين يتصالح الثوار مع نظام ظل طوال ثلاثين عاماً من الاستبداد ومن التطهير العرقي ضد أهل هؤلاء القادة؟ ثم لماذا رفعوا السلاح ولماذا قاتلوا لكي تكون النهاية سعيدة بهذه الطريقة؟ ألا يسمعون أصوات الشهداء في أهلهم الذين لا تنام أرواحهم وهم يطالبون بالقصاص والعدالة؟ المسألة ليست مجرد انتقام أو شطب للإسلاميين “حسب قول جبريل إبراهيم”، بل هي دعوة من شعب ثائر يريد أن يخط تاريخاً طاهراً وعادلاً للأجيال القادمة وأن يقدم العبر والدروس كي لا يفكر فاشي مغامر في تكرار تجربة 30 يونيو 1989م.
سؤال آخر كيف نسميها مصالحة وطنية ومن يراد مصالحتهم لا يؤمنون بالوطن والوطنية؟ فقد كان راشد الغنوشي وبن لادن أقرب إليهم من الأستاذ علي محمود حسنين أو الأستاذ فاروق أبو عيسى، لذلك حمل الغنوشي الجواز السوداني والجنسية وحرم منهما المعارضون السودانيون أبناء الوطن. وفي عهدهم جاء كل شذاذ الآفاق والإرهابيون إلى هذا الوطن، بينما تشرد أبناء السودان الشرفاء في كل أنحاء المعمورة. كما حرم شباب الوطن من العمل ومن كل خيرات البلاد التي منحت لأعضاء التنظيم الإرهابي وكلمة مصالحة تعني ضمناً المساواة بين الجلاد والضحية، إذ يسبق أي صلح أن يعبر الجاني أو المجرم عن ندمه وأن يعتذر عن جرائمه ويتعهد بعدم تكرارها. وفي الحالة السودانية مازال الإخوان المسلمون في قمة المكابرة والوقاحة في التعامل مع الآخر ومازال الإخوان يحلمون بالعودة لحكم البلاد لإكمال المشروع الحضاري الذي أوقفه الثوار أو العملاء والعلمانيون.
يسعى مناوي وجبريل لعودة الفلول من خلال عقد زواج سري وغير شرعي أشبه بزواج المتعة. فالقائدان في صفوف الثوار وفي الحكم الانتقالي ولكن قلوبهم مع العهد البائد. فقد كانت زيارة د. جبريل إبراهيم الأولى فور عودته إلى منزل د. حسن الترابي. وفي نفس الوقت يفكر د. جبريل بطريقة جهوية ضارة، ففي مبرره للإصرار على وزارة المالية قال “بأنهم لو وجدوا شخصاً يطبق اتفاقية جوبا ويصرف على المناطق المتضررة من التهميش، لما أصروا على وزارة المالية”. وهنا أتساءل: ألم يجد في الذين وقعوا معه الاتفاقية ومن يثق في قوميته وأنه سيصرف على دارفور كما يصرف على الشمالية مثلاً. كذلك لاحظت في سيرته الذاتية: أن هذا المهمش أمضى سبع سنوات في اليابان في بعثة دراسية على حساب دافع الضرائب المسكين (محمد أحمد) علماً بأن مدة البعثة رسمياً ثلاث سنوات قد تمتد لأربع عند الضرورة ولكن المهمش أمضى كل هذه الأعوام التي كانت كفيلة بفتح سبع مدارس داخلية في دارفور. وبعد ذلك لم يعد إلى وطنه بل أعطى خبرته لشركات في الخليج والسعودية.
أنا لا أنقد السادة القادة لأنهم من دارفور ولكن بسبب ميولهم الإخوانية المستترة والتي تفضحها أحياناً التصريحات الحماسية أمام جماهيرهم. نحن نتمنى ونأمل أن تكون الجبهة الثورية مطابقة لاسمها وأن تقف مع الثوار بلا تحفظ أو تردد ونرجو في الحكومة الثانية أن يكونوا سنداً قوياً لتصفية آثار العهد البائد وأن تعالج الفشل والضعف الذي اتهمت به الحكومة السابقة. والأهم من ذلك أن تساهم الجبهة الثورية في صياغة مشروع قومي سوداني حديث يرفض الجهوية والعنصرية المضادة وأن تربي شبابها على روح الوطن الواحد الموحد وآنذاك يكون وزير المالية خادماً لكل الوطن بلا تحيز أو تمييز.
أرجو ألا يفهم هذا المقال كهجوم شخصي بل هو نقد موضوعي موثق لرموز وشخصيات عامة ليست فوق النقد والتوجيه. ومازلنا نأمل في رافد جديد قوي يعمل على أن تحقق ثورة ديسمبر المجيدة أهدافها من حرية وسلامة وعدالة وأن يكون ذلك بقلب صاف يخلو من أي شوائب عنصرية أو إثنية، وبعقل يدرك أن حيز الوطن في تنوعه ووحدته وقوميته الشاملة التي تضم الجميع في دولة مواطنة تنتمي للقرن الحادي والعشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى