أخبارثقافة

داري عينيك

إسراء رفعت 

للست نانسي فضلها علي شخصيًا، فهي تقرب إليّ ما ابتعد عني أو فاتني من الأغاني السودانية الصعبة علي، لازدواج ثقافتي ونشأتي بعيدة عن السودانيّ من الأشياء.

أول ما سمعت (داري عينيك) كنت قد سمعتها في ليلة باردة من ليالي أكتوبر ٢٠١٧، كان لرائحة الشاي الأحمر بالنعناع سطوتها على الليلة كلها وعلى تدفق الأغنية.

سمعتها بصوت نانسي، ووقعت في قلبي، ومهما تخيلت.. مهما تخيل أيَّ صوت هو صوت مغنيها الأصلي لم أتخيل أنه سيد خليفة!

الفنانة السودانية نانسي عجاج

سيد خليفة الحُلو الصاخب.. ها هو يبتهل..

 

مثل ابتهال، حارةً تدفقت، دفّأت مباشرة الليلة التي بدأت في الإذاعة – كنت أسجل حلقة عن قصصي- وانتهت بتجوال طويل على الأقدام ابتدأ في شارع ١١٧ بالخرطوم، ولا أدري أين انتهى ولا متى بالتحديد ركبت وصولا للبيت في ساعة متأخرة من الليل.

مشيٌ طويل، سماعتان مغروستان غرسًا في أذني البنت، تمشي وتمشي وتمشي، في العادة تهرب من البرد ولكنها الآن تواجهه، والخرطوم بالنسبة لبنت عاشت عمرها جوار البحر كانت مدينة الضباب في آخر العام!

الفنان السوداني الراحل سيد خليفة

في مرة سماعها من سيد خليفة، تهيأتُ لهذا.. إي والله!

حضرت نفسي، جلوسٌ في خشوعٍ كما يتهيأ شخصٌ لصلاة روحية، جلست، تنفست نفسًا عميقًا، مرة بعد مرة، ثم نزلت عليّ جليلة، أفرغَت عليّ سطلًا من الدهشة، أنا التي لا زال.. لا زال يدهشني الخماسي، وسطلين آخرين من الحب والثراء، لأنني أعرف الآن أنني بالإمكان أن أغنيها..

أنا ثرية، في جيبي أغنية!

قلت لصديقتي بمثل هذه البعثرة التي أكتب بها الآن هذه الذكريات الحلوة، فضحكت وقالت: الأغاني يا إسراء ضارة بصحتك!

وهي تمسد على يدي التي تجمدت من البرد.

سقى الله أيامنا الحلوة تلك.

 

بعدها..

 

فسدت الأغنية عليّ!

 

مثل أغان كثيرة عزفتُ عن سماعها تذكرني براحلين أو ليالٍ سوداء.. فسدت داري عينيك.. وأنا آسفة عليها لأنني.. كنت قد وصلت، لصيغة حلوةٍ حلوة، من غنائها بنفسي.. صيغة في المسافة الفاصلة بين نانسي وخليفة، أكررها على نفسي فأطير من الفرحة.

صيغة حلوة، لم تنزل علي كشراب ساخن، لكنها نزلت على سمعي وأوتاري الصوتية ندفًا ندفًا.. في نهار قائظ!

حين سمعتها قبل قليل فقط.. كنت كبنت تركت حبيبها الحلو، ثم لقيته صدفة، حدثت نفسها: عليك الله زي دا بيخلوه. وخطت نحوه خطوة، ثم.. تجاوزًا من كلام السلام والمُصالحة إلى ترجمة الشوق: عانقته من فورها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى