أخبارتقارير وتحقيقات

أمريكا وروسيا.. صراع القوة على سواحل السودان

شهدت السواحل السودانية مؤخراً، تسابقاً أمريكياً روسياً بعد أن رست بميناء بورتسودان السفينة الحربية الأمريكية «كارسون ستي»، في أول زيارة منذ عقود، وبعدها المدمرة الأمريكية «ونستون تشرتشل»، والتي سبقتها وصولاً بيوم الفرطاقة الروسية «أدميرال جريجور روفيثش».

التغيير- أمل محمد الحسن

الساحل السوداني البالغ طوله «850» كلم، والممتد من حلايب وشلاتين شمالاً إلى راس كسار جنوباً، يعد ثاني أطول ساحل على البحر الأحمر بعد السعودية، الأمر الذي يجعله يمثل نقطة جذب كبيرة للدول العظمى- بحسب الخبير الإستراتيجي في الحدود والمناطق البحرية، اللواء «م» الصادق عبد الله أحمد.

وأشار الخبير البحري، إلى الثروات الحية وغير الحية الكبيرة التي يذخر بها الساحل السوداني.

وأكد تمتع البحر الأحمر بتنوع الأحياء البحرية داخله، بجانب احتوائه على المعادن المتنوعة والملح الأبيض والسياحة.

والساحل السوداني مؤهل للانفتاح الخارجي، لأنه يحتوي على  «10» موانئ، تقع «5» منها في مدينة بورتسودان وحدها- وفق اللواء الصادق.

وصول السفينة الأمريكية الأولى لبورتسودان

نقطة تحول

التغيير السياسي الذي حدث في السودان بعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، مثل نقطة تحول جذرية في العلاقات السودانية الأمريكية على وجه الخصوص.

وهو ما أكده أمب. يونغ، نائب المشاركة المدنية في تغريدة له على موقع التواصل الإجتماعي «تويتر» وقال: «نحن في لحظة تغيير جذري في العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان، والتي أصبحت ممكنة بفضل جهود الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية في السودان لرسم مسار جديد جرئ».

واتفق معه هذا المنحى الخبير الإستراتيجي د. راشد محمد الشيخ الذي أكد لـ«التغيير»، أن التحولات السياسية في السودان جعلت أنظار الدول العظمى تلتفت إليه وتبحث عن موطئ قدم في شواطئه الآمنة.

وأشار إلى تغيير مؤشرات التظليل الإستراتيجي بعد خروج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والتي ستسمح للخرطوم بعلب دور إقليمي وعالمي أكبر.

https://twitter.com/USNavyCNO/status/1364643480971210753?s=08

استراتيجية «ماهان»

«من يسيطر على البحر، يسيطر على البر»، هذه المقولة تعتبر خلاصة نظريات الأدميرال الأمريكي «ماهان» التي تستند عليها إستراتيجية القوات البحرية الأمريكية، بحسب الخبير العسكري البحري اللواء الصادق.

وأكد الصادق لـ«التغيير» أن وصول السفن البحرية الأمريكية إلى الشواطئ السودانية هو استعراض كبير للقوة.

ونوه في الوقت نفسه إلى اعتماد أمريكا بشكل أساسي على قوة سلاح البحرية.

وذكر أن العلاقات العسكرية السودانية الأمريكية لها تاريخ قديم، وأشار إلى عمليات «النجم الساطع» التي كانت تنفذها البحرية الأمريكية بالسودان في ثمانينات القرن الماضي، وكانت تخزن معداتها في ذلك الوقت في قاعدة «فلمنقو» البحرية.

ووصف اللواء الصادق العودة إلى تطوير العلاقات العسكرية بين البلدين بالأمر الجيد.

وأضاف: «كثير من الضباط السودانيين درسوا وتدربوا في أمريكا، وأنا منهم».

سفينة أمريكية ببورتسودان

تعزيز الأمن

زيارات السفن البحرية الأمريكية إلى الميناء السوداني تعتبر أكثر من مجرد زيارات دبلوماسية، بحسب تصريحات قائد القوات البحرية؛ قيادة النقل البحري في أوروبا وأفريقيا وقائد فرقة العمل «63» النقيب فرانك اوكاتا الذي قال: «يشرفنا العمل مع شركائنا السودانيين في تعزيز الأمن البحري».

من جانبه، قال القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية بالخرطوم بريان شوكان: «هذه الزيارة تساعد على تعزيز السلام والأمن والحفاظ على حرية البحار».

ويرى الخبير الإستراتيجي الشيخ أن التوترات التي حدثت في الشرق الأوسط تجعل أمريكا تسعى لتأمين الممرات المائية والتجارة العالمية.

وأشار إلى ان قرابة «10%» من السلع العالمية تمر عبر البحر الأحمر الذي يربط بين منتجي الطاقة في الخليج والأسواق الغربية.

تسابق محموم

تراجع الاستقرار في البحر الأحمر بعد الحرب اليمنية وانتشار القراصنة الصوماليين، يجعل السواحل السودانية تجذب انتباه القوى العظمى لنشر قواتها العسكرية البحرية، وبحسب اللواء الصادق يتمتع ميناء بورتسودان بالأمان الشديد نسبة لأنه طوال تاريخه لم يشهد أي عملية تفجير سفن.

ورغبة روسيا بالوجود في السواحل السودانية، والتي دعمتها باتفاقية نشرتها الجريدة الرسمية الروسية في التاسع من ديسمبر وكان قد وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 16 نوفمبر الماضي، تؤكد الاتفاق على إنشاء قاعدة عسكرية روسية في الساحل السوداني تسمح للقوات البحرية الروسية بالتموين والصيانة.

في المقابل؛ حصل السودان بالفعل من روسيا على سفينة حربية للتدريب بطول «50- 60» متراً وهي بحسب وصف اللواء بحري الصادق سفينة متوسطة مناسبة لأغراض التدريب، وتشتمل الاتفاقية الروسية السودانية على حصول الخرطوم على أسلحة ومعدات عسكرية.

وأشار الصادق إلى أن المساحات البحرية السودانية والبالغة «140» ألف كلم مربع، تساوي مساحة دولة مثل «بنغلاديش».

وأكد أن الوجود الأمريكي لا يتعارض مع الوجود الروسي، ونبّه إلى جيبوتي التي تستقبل سوحلها عدداً كبيراً من الدول إلى جانب قيادة القاعدة الأمريكية في أفريقيا «الأفريكوم».

ضرورة الحذر

الا أن الخبير الإستراتيجي الشيخ، اختلف مع الخبير البحري الصادق بشأن ضرورة الحذر الذي يجب أن تتعامل وفقه الخرطوم لإدارة التسابق الأمريكي الروسي على سواحلها.

وأكد الشيخ لـ«التغيير»، أن عدم الميل إلى أي جانب سيسمح للخرطوم بجذب الاستثمارات وتقوية الذراع العسكري والاستفادة من القوة الاقتصادية والسياسية التي يمنحها لها الوجود العالمي في سواحلها مما يؤهلها لأدوار اقليمية أكبر.

بينما مضى خبير المناطق البحرية في التقليل من خطورة وجود قاعدة عسكرية روسية في السواحل السودانية، وأشار إلى أن الوجود إداري ورمزي يسمح للسفن فقط بالتموين والصيانة.

وأكد أن السواحل السودانية تستطيع أن تتحمّل عدداً من السفن الأجنبية دون أن يحدث أي ارتباك.

إعادة الخلافات

ويرى خبراء أن ما يحدث من تدافع أمريكي- روسي يمكن أن يعيد الخلافات التي حدثت بينهما سابقاً في التزاحم على السواحل الجيبوتية.

وبحسب خبير عسكري- فضل حجب اسمه-، كانت أمريكا قد ضغطت على السلطات الجيبوتية حتى لا تسمح لموسكو بإقامة قاعدة عسكرية تطيل أمد الوجود الروسي في السواحل الأفريقية.

وفي السابق، استنجد الرئيس المعزول عمر البشير بـ«موسكو» بعد نجاحها في منع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة بتوفير حماية له من أمريكا.

ويعتقد خبراء أن الخرطوم قد تتعرض لضغوط أمريكية للتنصل من الاتفاقية المرتكزة على الإرث الانقاذي البائد، إلا أن الخبير العسكري البحري الصادق، يؤكد قدرة الخرطوم على إدارة العلاقات مع الدول العظمى دون أن يضطر لخسارة علاقاته مع أي دولة.

أول سفينة حربية أمريكية تصل السودان بعد نحو «3» عقود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى