أخبارتقارير وتحقيقات

السودان.. طي سجل أسود في حقوق الإنسان

وقع على اتفاقية مناهضة التعذيب

حظيت موافقة السودان على الانضمام إلى اتفاقيتي مناهضة التعذيب والاختفاء القسري، بترحيبٍ واسع، بوصفها خطوة ستمحو سجل البلاد الأسود في مجال حقوق الإنسان، وتُعزز الوضعية الحقوقية في دولةٍ شهدت عقوداً من القمع.

التغيير- علاء الدين موسى

وبعد عقودٍ من مجافاة السودان لهاتين الاتفاقيتين، نتيجة تسنّم الأنظمة الديكتاتورية لمقاليد الحكم، وبينها سلطة المعزول عمر البشير، جاءت ثورة ديسمبر لتحمل البلاد إلى مربع مختلف، وتعيدها إلى المنظومة الدولية في ما يلي تعزيز حقوق الإنسان، الأمر الذي مثّل نقلةً مهمةً واعتبر بدايةً واقعيةً لطي الملف الأسود في مجال حقوق الإنسان.

ووافق السودان خلال اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء الأسبوع الماضي، على الانضمام إلى الإتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لسنة 2006م، واتفاقية مناهضة التعذيب والعقوبة القاسية أو اللإنسانية لسنة 1984.

تطور تاريخي

ووصف وزير العدل نصر الدين عبد الباري، الخطوة بأنها تاريخية خاصة بعد المشاكل التي عانى منها السودانيون بسبب ممارسات النظام المباد.

ونوه عبد الباري، الى أن آخر انضمام للسودان إلى الاتفاقيات الدولية كان منذ نحو ثلاثة عقود.

وبحسب خبراء وناشطين حقوقيين، فإن توقيع السودان على اتفاقيتي مناهضة التعذيب والاختفاء القسري، سيحسن وضعه في سجل حقوق الإنسان، ويخرجه من قوائم الدول تحت المراقبة، المدرج فيها الآن.

وفي مقابل ذلك، فإن هناك آلاف الأشخاص اختفوا قسرياً خلال حكم البشير، لعل أشهرهم الشاعر والصحفي أبوذر الغفاري، والبروفيسور هارون، وآخرين.

ورحّبت كل من بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان ومنظمة «هيومان رايتس ووتش»، بتصديق السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية مناهضة الاختفاء القسري.

وقالت بعثة الاتحاد الأوروبي بالسودان في تغريدة على «تويتر» الأربعاء الماضي، إنها ترحب ترحيباً حاراً بتصديق السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية الاختفاء القسري.

واعتبرت أن الأمر خطوةً أخرى مهمة على طريق الحرية والعدالة والسلام.

ووصفت مديرة قسم شرق أفريقيا بـ«هيومن رايتس ووتش» جيهان هنري، القرار السوداني  بأنه «خطوة مذهلة إلى الأمام».

أفضل بداية

وكان وزير العدل قال عقب الموافقة على الانضمام للاتفاقيتين: “لم تكن هناك بداية أفضل من الانضمام إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”.

وأبلغ السودان مجلس حقوق الإنسان، رسمياً، موافقته على الانضمام لاتفاقية مناهضة التعذيب، واعتبر الإعلان بمثابة قطيعة تامة مع حقبة النظام البائد.

تعديل القوانين

ويقول عضو لجنة دعم القانون مولانا نصر الدين دفع الله، إن المصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب، رغم إنها جاءت متأخرة، إلا أنها تعبر إنجازاً كبيراً في سبيل تحقيق شعارات الثورة بصفة عامة ومقتضيات القوانين والمواثيق الدولية بصفة خاصة، لاسيما وأن نظام الإنقاذ الاسلاموي الاستبدادي قد مارس التعذيب فعلاً لمدة «30» عاماً، وكان الابتعاد عن تطبيق هذه الاتفاقية يتسق مع أيديولوجيته.

وجاء هذا الانضمام الذي تم بمباركة شركاء الحكم الانتقالي، بعد أن عاش السودانيون سنوات من التعذيب والاختفاء القسري في عهد نظام المعزول عمر البشير الذي طالما واجه خصومة السياسيين بهذه الأسلحة القمعية.

وأشار دفع الله في حديثه لـ«التغيير»، إلى أن هنالك كثيراً من القوانين تحتاج إلى تعديل حتى تتسق مع مضمون وجوهر الاتفاقية، مثل قوانين الإثبات، الإجراءات الجنائية، والقانوني الجنائي، والقوانين الخاصة بقانون الأمن الوطني لسنة 2010م، الذي يتضمن الأشكال التي تتعارض مع اتفاقية مناهضة التعذيب.

ووثقت دوائر حقوقية لآلاف الأشخاص الذين عذبهم نظام الإسلاميين داخل أوكار جهاز الأمن والمخابرات المعروفة محلياً بـ«بيوت الأشباح» سيئة السمعة.

ويضيف نصر الدين: «حتى تكتمل الصورة من الواجب على وزارة العدل والجهات التي تبتدر القوانين أن تسعى لتعديل كل القوانين التي تتضمن نصوص تكرس لمفاهيم تتعارض مع اتفاقية مناهضة التعذيب».

إعلان رسمي

وكان المندوب الدائم لجمهورية السودان لدى الأمم المتحدة بجنيف، السفير علي بن إبي طالب، أعلن الأربعاء المنصرم، أمام الجلسة العامة للدورة «46» لمجلس حقوق الإنسان، موافقة السودان على الانضمام لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

تغييرات تشريعية

وبحسب الخبير القانوني أحمد موسى عمر، أن مصادقة السودان على الاتفاقية تتطلب مراجعة كثير من القوانين، وبمجرد التوقيع على الاتفاقية  يصبح السودان  ملزماً بنودها، وهذا وسيؤثر على التشريعات الوطنية، مثل القوانين العقابية والجنائية.

ويتساءل موسى: هل يمكن لمجلسي السيادة والوزراء أن يصادقا على اتفاقيات دولية، لتصبح جزء من الوثيقة الدستورية؟، رغم عدم  حسم الخلاف الدستوري حولها.

وقال موسى  لـ«التغيير»، إن المصادقة على الاتفاقية يجعل الدولة تضطر إلى تغيير بعض القوانين التي تتعارض مع الاتفاق العالمي، مثل «الجلد»، وتضع قوانين جنائية تجرّم بلاغات العنف ضد الانسان والمرأة، ويجب على الدولة أن تضع عقوبات رادعة للمخالفين للاتفاقيات وبنودها.

وأوضح أن الاتفاقية ستعمل على  تغيير في الخارطة التشريعية وقد تواجه بكثير من الاعتراضات هنا وهناك، ولكن في النهاية الاتفاقية بشكل المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية، وبالتالي الدولة بأجهزتها المختلفة أصبحت معنية بضرورة تنفيذ هذه الاتفاقية وإجراء التعديلات الوطنية بما يتواءم مع العمل بالاتفاقية.

منع التعذيب

من جانبه، قال الناشط في مجال حقوق الإنسان المحامي معز حضرة، إن توقيع السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب يمنع جميع الجهات من ممارسته، وأي شخص ينتمي للقوات النظامية أو غيرها يقوم بتعذيب شخص يكون خاضعاً  للقانون الداخلي والخارجي، وطالب حضرة  بتفعيل القوانين.

وقال حضرة لـ«التغيير»، إن عقوبة الجلد تم إلغاؤها منذ زمن في المحاكم السودانية، وأضاف: «القطع باعتباره جزءاً من المواد المتعلقة بالشريعة يمكن إزالتها، لكن الجلد عقوبة تعزيرية وفي الإسلام مختلف فيها».

تأهيل وتدريب

فيما ذهب مولانا وائل علي سعيد إلى أن القصور في القانون الجنائي لسنة 1991م يتمثل في عدم إشارته إلى جريمة التعذيب التي تعد من الجرائم ضد الإنسانية وتنتهك حقوق الإنسان.

وقال لـ«التغيير»: «إن انضمام السودان للاتفاقية يعني أن السودان ملزم بجميع بنودها التي تمنع ممارسة التعذيب في المقار الأمنية والشرطة أو الجيش أو الدعم السريع».

وأدت انتهاكات النظام البائد، ورفضه المستمر للمصادقة على المعاهدات الدولية، إلى تعيين مناديب خاصين، وخبراء مستقلين، لتقديم تقارير بشأن سلوك نظام المخلوع البشير.

وطالب وائل بضرورة أن يكون هنالك تأهيل وتدريب للقائمين بالإجراءات «المتحرين والمحققين».

وقال إن أغلب المتحرين تنقصهم الخبرة والتدريب لذلك يلجأون لأخذ المعلومات عن طريق الإكراه.

وأشار إلى أن التوقيع على الاتفاقية أعطى أي شخص تنتهك إنسانيته حق رفع قضية دولية ويمكن أن يحرك إجراءات دولية.

ونادى بأن تكون عقوبة التعذيب رادعة تصل أكثر من «10» سنوات حتى لا يقدم أي شخص على التعذيب وإهانة كرامة الإنسان.

السودان يصادق على الانضمام لاتفاقية مناهضة التعذيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى