أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

حرب لا لا

خالد فضل

 

ليرحم الله شاعر الشعب ؛ محجوب شريف , فقد أنفق عمره كله داعيا للسلم , نابذا للحرب , ودلق ابداعه الشعري حبا للوطن المسالم وللشعب الطيب , حرب لا لا كبري اسبتالة , بتمن طبنجة أحسن الكمنجة ….إلخ , وتاريخ بلادنا موغل في الحروب , منذ الإستقلال ورفع العلم فوق السارية , لم تهدأ حروبنا إلاّ لتشتعل من جديد , مثل نار (الزبل),  علينا ألا نضيع مزيدا من الوقت في هذه السكة العدمية , فما ورثنا منها سوى الهشيم , ووطن حطيم , وواقع سقيم , والحرب في العقول وليست في العضلات , لذا كان استبشارنا  بالثورة التعليمية , وتغيير المناهج المدرسية , لنبدأ البناء الصحيح للعقول , تلك العقول التي ترفض الحروب , وتمتلئ بالسلام . ولأنّ من تمّ تكليفهم إبتداء بتلك المهمة كانوا من ذوي البصر والبصيرة , فقد أنجزوا شوطا مهما في ذلك المشوار , ولئن ترجّل د. القراي , ولحق به بروف محمد الأمين التوم , فإنّ صنيع هذين الشخصين في المنصب العام , مما يعتد به حقا ,  وستقرأ الأجيال القادمة  ذلك بوعي أكبر , وسيحكم التاريخ الناضج على الفعل الصحيح , والثورة مستمرة .

ثمّ نعود الآن إلى ما بصدده اليوم , وبدون رتوش , تواجه بلادنا حاليا أجواء حربين اثنتين , حرب في الداخل , وأخرى على الحدود مع دول الجوار , أمّا حرب الداخل فإنّ مردّها إلى أنّ خطوات السلام لم تكتمل بعد ,  بقي هناك على الأقل فصيلان مهمان من قوى الكفاح المسلّح لم يتم الإتفاق معهما حول خطوات السلام , الحركة الشعبية / الجيش الشعبي شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو , وحركة جيش تحرير السودان  بقيادة عبدالواحد محمد النور , اتفاق جوبا تمّ مع فصائل أخرى , معظمها كان جزءا من هاتين الحركتين ,  ووقعت الإنقسامات في ظروف مختلفة إبان سطوة العهد الإسلامي المباد ! وسنعود لبعض الملاحظات حول إكمال السلام في مسار الداخل في مقال آخر إن قُدّر لصاحب هذا القلم بقاء .

المسار الذي يبدو ملتهبا وخطيرا للغاية هو ما يدور من مناوشات على الحدود مع الجارة إثيوبيا ,  صحيح لا أحد ينازع حكومتنا الإنتقالية في حقها المشروع والقانوني والمعترف به دوليا , في بسط سيادتها على كامل التراب السوداني بحدوده  المعترف بها دوليا , ومع ذلك تبدو مسائل الحدود والتنازع حولها من القضايا الشائكة التي تحتاج إلى حكمة بأكثر من حاجتها لبندقية ,  خاصة مع معرفتنا الأكيدة بأنّ كل تلك المنازعات مما ورثته السلطة الإنتقالية من ميراث الخراب الوطني الشامل الذي خلّفه  العهد الغيهب المباد , في الواقع تكاد تكون حدود السودان مع جميع جيرانه مما يثير القلق حقّا , قبل أيام نشرت بعض صحف الخرطوم بالمانشيت العريض , أنّ ثلاث ولاة ولايات حدودية مع دولة جنوب السودان يشتكون  من  احتلال لبعض أجزاء ولاياتهم , موضوع مثلث حلايب شلاتين أبورماد , يتم  تجديد الشكوى حوله لمجلس الأمن سنويا , فيما الجارة مصر ماضية في  إجراءات تمصير المثلث المختلف حوله , فعلت  مثل ما فعلت إثيوبيا في مناطق الفشقة , من استثمارات , ومد خطوط مواصلات , وخدمات كهرباء ومياه ..إلخ , ولا  أعلم إن كانت دولة جنوب السودان قد فعلت شيئا كهذا في المناطق التي تحوزها أم لا !

الأمر مقلق بالفعل , وقرار الحرب يجب ألا يكون قرارا عسكريا , هذه طبيعة الدول  الديمقراطية , ونأمل أن تكون بلادنا بصدد الإرتقاء لمصافها ,  العسكريون على جبهات القتال هم أول من يتضرر مباشرة , جنود يفقدون أرواحهم , تلحقهم الإعاقات المستديمة , يتذوق أطفالهم طعم اليتم , وزوجاتهم يصرن أرامل , فجائع إنسانية لا حصر لها تصيب الجنود وأسرهم , وهم في الأصل جزء أصيل من أبناء وبنات هذا الشعب, من حقّهم أن يعيشوا حياة هانئة سعيدة , يربون أطفالهم , ويؤدون مهامهم بإخلاص , ولذلك يتم تفادي الزج بهم في الحرب إلاّ للضرورة القصوى , عندما لم يعد من سبيل سوى خوض المعركة , وهنا نتحدث عن القرار , فالآن لدينا حكومة تنفيذية من إئتلاف سياسي حزبي  , عكس الحكومة السابقة التي غلب عليها  الطابع التكنوقراطي , الإئتلاف بقيادة حزب الأمة جناح  الصادق المهدي ,صاحب أكثرية المناصب فيها  تشاطره مجموعة أحزاب وحركات سياسية بعدد أقل ,  ما هي الأطروحات السياسية لهذه القوى ؟ ما موقفها من مسألة التنازع الحدودي مع اثيوبيا , هل ترى ضرورة ملحة للحرب ( لا قدّر الله) , أليست هناك طرق ووسائل أنسب لتفادي الحرب , هل من ارتباط بين حرب الأرض والخلاف حول السد ؟ ما القول حول وجود شبهة تواطؤ مع مصر , نقطة الخلاف السوداني الإثيوبي حول سد النهضة ؛ موضوعية ومقنعة , وتبدو ذات طبيعة فنيّة , أمّا الخلاف الإثيوبي المصري فيبدو أعمق بكثير , إذ يمتد إلى ملامسة حدود تدفقات المياه وكمياتها , واتفاقها العتيد منذ العام 1959م , وتقول اثيوبيا إنّها ليست طرفا في تلك الإتفاقية الثنائية بين مصر والسودان , بالطبع لا يمكن إغفال ما يمكن ملاحظته من أطماع إثيوبية في السهول الخصبة في شرق السودان , ومع ذلك نسأل إن كان هناك طريق لتفادي نشوب حرب , ربما تكون هناك مبادرة  عملية يخرج منها الجميع كسبان , ماذا إذا نظرنا إلى مشروع إقليمي كبير يضم السودان مصر اثيوبيا ارتريا وجنوب السودان , يضم أكثر من 200مليون إنسان , فقد شبع سكان أربع دول من هذا المشروع من حروب الداخل والخارج , وعانت مصر من حروبها مع اسرائيل , في تقديري كل ذلك مما يمكن أن ينظر فيه السياسيون بعيدا عن قعقعة السلاح , بعيدا عن التهويش , ولعل أساتذتنا المغنيين والمغنيات الذين تراصوا بالزي العسكري , لو نظروا قليلا لوجدوا أنّ أشرطة الكاست تشنّف الآذان  بامتداد سوق (موركاتو) الضخم في قلب أديس أبابا , إنّها علاقة وجدان ! ولو تمعّن رجال الأعمال في حجم استثماراتهم والترحاب بها في اثيوبيا , مما يفوق عشرات المراّت أي جار آخر لو فعلوا ذلك لساندوا السلم بين البلدين ,  ولعل د. عبدالله حمدوك الذي أمضى قسطا وافرا من حياته المهنية في إثيوبيا يعلم أكثر منّا ضرورة السلم معها , ولن ينسى الثوار موقف آبي أحمد  الداعم لمدنية الثورة والسلطة الإنتقالية في أوج كارثة فض الإعتصام , لا لا للحرب نعم نعم لكل الطرق المؤدية للسلام , في الداخل ومع الجيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى