أخبارأعمدة ومقالات

في نكوص الدولة عن أهداف الثورة

خالد فضل
في يوم 8 مارس لابد من تحية مستحقة لجميع النساء في كل العالم , وتحية خاصة للمرأة السودانية ,نردد مع مصطفى سيد أحمد ( حبيبة قلبي يا سودانية يا أسمى معاني في زول بعاني , يا ود ضكران يا بت دوغرية ), الكنداكات اللاتي جعلن الثورة ممكنة , وأحدثن الفارق فعلا لصالح الجماهير , الشابات المتعلمات اللواتي تقدمن الصفوف في المواكب , وأشعلن الحماس في النفوس رفقة أولئك الشباب الثوار , الأمهات الصابرات الصامدات في أقسى لحظات الفجيعة بفقد الابن والزوج والأخ والأخت , التجلة لهن في اليوم العالمي للمرأة , ونؤكد على حقهن الكامل في أن يقدن الحياة العامة في مختلف المجالات , مثلما هنّ بالفعل يقدن الحياة في الأسر والمجتمعات , وكامل التأييد لإتفاقية سيداو التي تنص على إنهاء كافة أشكال التمييز ضد النساء , ومن واجب حكومة الثورة _ إن كانت بالفعل كذلك_ أن تمضي بقوة للمصادقة على انضمام السودان لتلك المعاهدة الدولية , ومن ثمّ الشروع في تطبيق ما ورد فيها في القوانين والصيغ الدستورية المختلفة .
نعود من بعد لمناقشة بعض الملاحظات المقلقة فيما يتعلق بنكوص الدولة السودانية بطبعتها الإنتقالية الراهنة عن بعض أهداف الثورة , دون تجريم بالطبع , ودون تخوين , إذ ربما يكون للطرف الآخر المعني بهذه الملاحظات حججا صحيحة , فلا يزعم صاحب رأي سديد بنجاعة رأيه فقط وبطلان ما عند الآخرين , فمن علامات سداد الرأي في تقديري ؛ نسبيته , ولكن الشواهد ترجح رأيا على آخر .
فبماذا مثلا يمكن تفسير ثلاث أو أكثر من الوقائع , إذا لم تعتبر في عداد النكوص عن أهداف الثورة المجيدة , فشعار تسقط بس على بساطة كلماته ينطوي على معاني عميقة , تعني سقوط كامل المنظومة وليس (عمّك بشة وحده) ويشمل ذلك بالضرورة السياسات والبرامج والممارسات , ففي صحف يوم الإثنين تقرأ , قرارات مجلس الوزراء بشأن إعادة العمل بالمناهج الدراسية القديمة وإلغاء نشرات الحذف لبعض مفردات المقررات في التعليم العام , ثمّ قرارات محافظ بنك السودان بإعادة بعض الكوادر الذين شملتهم قرارات لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد , ومن وزارة الثروة الحيوانية يأتيك الخبر عن قرارات الوزير بتعيين أو إعادة تعيين 9 من منسوبي النظام المباد في وظائف قيادية حساسة , ومن قبل يتداول المواطنون في ولاية الجزيرة عن تعيين بعض الأفراد المنتمين للعهد المباد في وظائف قيادية ؛ مثل الإتحاد التعاوني في الولاية , كما هناك انتقادات لوزيرة التعليم العالي بسبب سيطرة منسوبي النظام المباد وتطاولهم في إدارات الوزارة المختلفة .
قرار مجلس الوزراء بإلغاء خطة المركز القومي للمناهج , يعتبر في تقديري من أكثر وأكبر علامات النكوص عن أهداف الثورة , فالأمانة تقتضي القول بأنّ أكبر انجاز واظهر ما لمسه الشعب من تغيير كان قد حدث بالفعل في وزارة التربية والتعليم , والمركز القومي للمناهج والبحث التربوي بصورة خاصة ، فقد توفر لقيادته عنصر من أميز المؤمنين والفاعلين من أجل التغيير , د. عمر القراي ؛ وهو من القلائل الذين حاولوا تنفيذ أهداف الثورة ونشدان الثوار للتغيير دون مواربة , ولعل هذا هو السر الأساسي وراء الحملات الشعواء التي انطلقت ضد شخصه , من قبل أن يتسلّم مهام عمله !! والكل يعلم أن د. القراي لم يعد منهجا للتدريس , ولم يقرر حذف ما حذف بصورة منفردة , بل كان العمل كله جهد لجان متخصصة من التربويين والخبراء , تحت إشرافه بكل تأكيد , ولأن الغرض مرض كما يقال , فقد أُشيع عمدا وبغرض التضليل , أنّ القراي أعدّ المناهج , وحذف القرآن , وحرّف الدين القويم !! وكانت الاستجابة لحملات التضليل والتجهيل مع الأسف من رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك , ومعلوم أنّ هدف تلك الحملات لن ينتهي بإزاحة القراي , الهدف هو إجهاض الأمل في حدوث التغيير , وهو ما تشير إليه قرارات مجلس الوزراء الأخيرة , وبالطبع يغيب الرأي الفني مثلما غاب في قرارات تجميد العمل بالخطة من قبل , لتظل الأسئلة مشروعة عن كيفية العودة للمقررات السابقة بعد إلغاء امنشورات الحذف , وهل يتسع العام الدراسي لتحفيظ طفل سنة أولى عشرين سورة من القرآن كما كان يحدث سابقا , وقد تبقى على نهاية العام الدراسي حوالي 3شهور فقط على أكثر تقدير , وأكرر السؤال عن مادة العلوم العسكرية للصف الثالث أدبي والتي تمّ حذفها كلها , وتمّ تدريس مقرر الأدب الإنجليزي عوضا عنها , كما في بعض المدارس , بل تم الإنتهاء من كتاب أو كتابين من مقرر الأدب الإنجليزي , فكيف يتم إعادة تدريس مادة كاملة وامتحانات الشهادة يوم 19يونيو القادم أي بعد ثلاثة أشهر فقط من الآن ؟ هذا جانب فني ومهني يبدو أنّ حكومة الثورة _المفترضة _ لا تأبه به كثيرا , ومع ذلك يحدثونك عن عظمة الثورة ونبل أهدافها , ونصاعة ووضوح طريقها للعبور !!

إعادة من فصلتهم لجنة إزالة التمكين في البنك المركزي وغيره من مؤسسات الدولة , يقدح مباشرة في كل قرارات اللجنة في هذا الشأن , ويؤكد ما يتداوله الفلول من صراخ وعويل , والأخطر أنّه يشير إلى نجاح حملات الفلول ومعاونيهم في السلطة في نكوص حكومة الثورة عن أهدافها , وعليه فلا يتعجب أحد إن تم إعادة تنصيب البشير رئيسا لمجلس السيادة الإنتقالي !! بعد تقديم الإعتذار اللائق به مما أصابه من رشاش ( الصعاليك , والخونة المارقين ), ولا يتعجب أحد من إعادة خبر في راديو أم درمان , يتحدث عن السيد بكري حسن صالح رئيس الوزراء أو علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية ! حدث ذلك في الراديو في عهد الثورة وحكومتها .
المآسي كتيرة حاصلة , والما عارف إسأل بوليس السواري , كما قال ودبادي زمان . ومع ذلك ستعبر الثورة وستنتصر وستصمد لأنّ إرادة الثوار تتجاوز نكوص الحكومة , وياتو شعب حبسو الترباس !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى