أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

كيف يؤثر تعويم الجنيه السوداني على الموازنة؟

شكل القرار الذي أصدره بنك السودان مؤخرا بتعويم الجنية السوداني او توحيد سعر الصرف مفاجأة لبعض الجهات وعلى رأسها تجار السوق الموازي كما أربك البنوك التي يبدو انها لم تكن مستعدة لاستقبال تدفقات النقد الأجنبي للمواطنين.

تقرير: الفاضل إبراهيم

قرار تعويم الجنيه صدر بعد اكثر من شهرين من اجازة الموازنة العامة للدولة التي بنيت على الأسعار القديمة لسعر الصرف الرسمي “55” جنيها الامر الذي يشير إلى ضرورة تعديل الميزانية ايضا إلى جانب التأثيرات الإيجابية والسلبية على المواطنين و الاسعار بالسوق.

تعديل الموازنة

يشير مقرر القطاع الإقتصادي بحزب التجمع الاتحادي المشارك في الحكومة، أحمد الباشا، إلى اهمية تعديل الموازنة بعد تطبيق سياسة تعويم أو توحيد سعر الصرف التي أعلنها بنك السودان الشهر الماضي.

ويقول الباشا لـ(التغيير)، لم يتم تعديل في الموازنة كما هو متوقع بعد تعويم الجنية لذلك من المهم تعديل الموازنة وفقا للسعر الجديد لمعرفة الإيرادات التي ستدخل الدولة بجانب المصروفات وتحديد عجز الموازنة الذي تم حسابة بسعر “55” جنيها للدولار”.

ويري الباشا، ان تأثير تعويم العملة بجانب تحرير أسعار الوقود سيكون  ايجابيا على الحكومة التي تخلصت من دعم الوقود الذي كان يرهق الموازنة بشكل كبير ويزيد من التضخم لجهة ان الحكومة كانت تطبع عملة خلال الفترة الماضية لشراء دولار من السوق الأسود ومن ثم تشتري الوقود وتدعمة بسعر “55” جنيها.

ويزيد الباشا، “الآن.. تقريبا توقفت الحكومة عن طباعة العملة منذ 6 أشهر وهذا مؤشر ايجابي لكن هنالك خطوة مهمة يجب ان تقوم بها الدولة وهي معرفة الكتلة النقدية التي طبعتها أبان سياستها السابقة ومقارنتها بالسعر الحالي 377 جنيها للدولار مع سعر الـ55 جنيها للدولار السابق وبعدها تتم معالجات محددة للعملة من قبل بنك السودان”.

تحدي التضخم

يقول الباشا، ان الحكومة لن تتاثر بشكل كبير فيما يتعلق بالمشتريات الحكومية خلال موازنة العام 2021 بعد تعويم الجنيه لجهة ان المشتريات وبقية الخدمات قلت بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية كما ان دعم الدواء ليس كبير مابين “200-300” مليون دولار في العام ، ايضا دعم القمح ليس كبير للدرجة المخيفة بالمقارنة مع الوقود تقريبا يساوي “4” أضعاف فاتورة استيراد الوقود.

ايضا نلاحظ –بحسب الباشا- ان الموازنة ليس فيها مشاريع تنموية كبيرة لذلك التأثير سيكون علي المواطن الذي يعاني من الضائقة المعيشية لكن في المقابل ايضا هنالك اموال ستدخل للمواطنين بحسب الدعم المقدم من الدول الاوروبية “1.8” مليار دولار وهو مبلغ سيشكل احتياطي نقدي للبنك المركزي كما يزيد من دخل الفئات الضعيفة بواقع “5” دولار للفرد في الاسر المستهدفة في برنامج “ثمرات” وبعد التعويم يصبح المبلغ اكبر من المبلغ السابق الذي كان سيصرف للمواطنين بسعر “55” جنيها.

ويعتقد الباشا، ان تعويم الجنيه تأخر كثيرا هنالك دراسات أعدت في عهد البدوي أشارت إلى ان البلاد كانت تحتاج إلى “3” مليار دولار للتعويم خلال بداية الثورة أيام المجلس العسكري الذي وصلته دعومات مادية ومالية من بعض دول الخليج.

الباشا: ان تعويم الجنيه تأخر كثيرا

لكن وفقا للباشا، لم يصدر قرار بالتعويم حتى في بداية برنامج الإصلاح في عهد البدوي حيث كانت الحوجة إلى “5” مليار دولار للتعويم والآن الحوجة ارتفعت إلى “8” مليار دولار حتى يكون الوضع آمنا في مواجهة أي زيادات قد تطرأ على الدولار في السوق الموازي وبالتالي وجود احتياطي نقدي من العملات الاجنبية يُمكن بنك السودان من السيطرة علي سوق النقد الاجنبي بضخ سيولة في الوقت المناسب.

ولفت الباشا، إلى ان قرار التعويم سيعيد ايضا  ثقة المجتمع الدولي في السودان ويساهم في إعفاء ديون السودان الامر الذي يساعد السودان من الاستفادة من القروض الدولية لبدء بعض مشاريع التنمية

الدولار الجمركي

وفيما يتعلق بتعويم سعر الدولار الجمركي خلال النصف الأول من الميزانية، يؤكد الباشا على ضرورة وضع اعتبار للسلع الاساسية المستوردة من الخارج حتى لا يتأثر المواطنون بارتفاع مضاعف للأسعار حيث يقترح تعويم سعر الدولار الجمركي مع وجود استثناء للسلع الاساسية كالزيت والارز والعدس وغيرها.

من جهته، أوضح القيادي بقوى الحرية والتغيير د.عصام علي حسين إن حكومة الفترة الانتقالية أنكرت في البداية اعتزامها تطبيق سياسة تحرير الدولار أو تعويم الجنية التي تبنتها مؤخرا وحاليا وصفت القرار بأنه توحيد سعر صرف للعملة الوطنية بين السعر الرسمي والسعر الموازي و ووصفت الخطوة بأنها ضرورية لجذب الاستثمارات واعفاء الديون ونيل المزيد من المنح والقروض.

عصام علي: كان على الحكومة تقوية الجنية السوداني مقابل العملات الأخرى بدلا من تخفيض قيمته ليتساوي مع قيمة الدولار

ويقول د.عصام، ان القرار يعتبر تجاوز صريح لقانون ميزانية العام 2021م المجازة قبل شهرين فقط من تاريخ إصدار قرار التوحيد و التي لم تتحدث إطلاقا عن تعويم العملة أو توحيد سعر الصرف بل تم حساب الموازنة على قيمة الدولار مقابل 55 جنيها.

ولكن وفقا لـ عصام، قبل أن يجف مداد الميزانية تفاجئنا في قوى الحرية والتغيير بقرار التوحيد مما يؤكد حالة التخبط والتوهان لسلطة الفترة الانتقالية في إدارة الملف الاقتصادي بالبلاد.

ويضيف وإذا سلمنا بَمصطلح الحكومة  بأن الأمر ليس تحريرا بقدر ما انه توحيد سعر الصرف فكان ينبغي عليها العمل على تقوية الجنية السوداني مقابل العملات الأخرى بدلا من تخفيض قيمته ليتساوي مع قيمة الدولار في السوق الموازي والتي طالما وصفناها بأنها قيمة غير حقيقية نتجت عن مضاربات.

تغيير العملة 

ويطالب د. عصام الحكومة الانتقالية بتبني  سياسيات من شأنها إعادة الثقة في عملتنا الوطنية بتقويتها بدلا عن تخفيض قيمتها وعلى سبيل المثال كان عليها احتكار صادرات الذهب والحبوب الزيتية والصمغ العربي والقطن والمنتجات الحيوانية من خلال إنشاء شركات مساهمة عامة يكون للدولة فيها النصيب الأكبر، وكذلك القطاع الخاص وتدخل هذه الشركات في عمليات الإنتاج والتصنيع والتسويق وكذلك إنشاء بورصة المنتجات السودانية سيما الزراعية لضمان توريد حصائل الصادر للبنك المركزي وأيضا ضرورة تحديد الواردات  بحظر استيراد السلع الكمالية وتلك التي يمكن إنتاجها محليا.

ويشير  إلى ان هذه السياسات وغيرها كان من شأنها تقوية العملة الوطنية وتوفير احتياطي من النقد الأجنبي كفيل بعودة العافية للجنية السوداني وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي و الموازي وقبل هذا وذاك إجراء استبدال أو تغيير للعملة السودانية حتى تعود الكتلة النقدية والتي تقدر بحوالي ال 90 % للجهاز المصرفي.

وبالتالي -حسب عصام- الحد من عمليات المضاربات في أسواق العملات الاجنية والاء فإن قرار توحيد سعر الصرف لن يكون احسن حالا من قرار وزير المالية الأسبق معتز موسى الذي خفض قيمة الجنية من 6.6 إلى 18 مقابل الدولار ولن يكون أفضل من قرار الوزير السابق ابراهيم البدوي الذي حرك قيمة الجنية من 18 إلى 55 ولن يقود الي المزيد من انفراط سعر الصرف خاصة في ظل عدم توفر احتياطي كافي من النقد الأجنبي ومن ثم مزيدا من التضخم وتازم الوضع الاقتصادي.

تكرار الأخطاء

الاقتصادي والقيادي بقوى الحرية والتغيير عادل خلف الله يقول لـ(التغيير)، كان من المأمول من موازنة العام 2021م، أن تضع قطيعة بينها وبين سابقاتها، وأن تكون نقطة تحول جديدة في إدارة الاقتصاد، لكنها جاءت تكراراً لما سبقها فقد ظلت الحكومة، وطوال الفترة الماضية، تحمل المواطنين والمنتجين فاتورة عجزها عن إدارة شئون الاقتصاد بتطبيق سياسات شديدة القسوة تزيد من معدلات الفقر بدون ان تتحمل الحكومة النتائج.

 

عادل خلف الله: كان من المأمول من موازنة العام 2021م، أن تضع قطيعة بينها وبين سابقاتها، وأن تكون نقطة تحول جديدة في إدارة الاقتصاد، لكنها جاءت تكراراً لما سبقها

ويعتبر عادل خلف الله، ان ماتم في الموازنة من تعويم سعر الجنيه يمثل توجهات ومصالح صندوق النقد الدولي، ولا تمثل مصالح وتطلعات الشعب السوداني، ولا أهداف ثورته المجيدة، ولا تقدم حلولاً للأزمة الاقتصادية، ومرجعيتها الأساسية في كل ذلك هي اتفاقية المراقبة التي وقعتها الحكومة مع صندوق النقد الدولي في يونيو 2020م، وليست توصيات المؤتمر الاقتصادي القومي.

يقول عادل خلف الله، الحكومة حاليا رفعت سعر الوقود في الموازنة من 128 إلى 570 جنيه للجالون، في الوقت الذي تبيع فيه المنتج المحلي من المحروقات والذي يبلغ أكثر من 60% بسعر الوقود المستورد هذا الأمر يعكس خللاً جوهرياً في طريقة تفكير مُعدّي الموازنة، وتباعداً كلياً عن أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، والدفاع عن مصالح القوى الاجتماعية التي فجرتها.

اما في  جانب تعزيز الإيرادات تلاحظ -بحسب خلف الله- الضغط على المواطن بعد تطبيق سياسة رفع الدعم والتحرير للوقود وتعويم الجنية في مخالفة واضحة لما كان قد تم الاتفاق عليه بين اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير والطاقم الاقتصادي الحكومي، حيث تمت زيادات لسلعتي المياه والكهرباء، حيث بلغت نسبة الزيادة في فاتورة المياه في حدها الأعلى 699%، وزيادة “500%” علي الكهرباء من المؤكد أن الزيادات الهائلة في أسعار هذه السلع الحيوية، غير أنها سترهق كاهل المواطن المنهك اصلا، فإنها تلقي بظلال سالبة على مجمل القطاعات الإنتاجية وبالتالي على مؤشرات الاقتصاد الكلى، مما يحول دون خفض التضخم للنسبة التي استهدفتها الموازنة 95%، ولن يتحقق أي نمو ايجابي .

يؤكد عادل خلف الله ان الموازنة بشكلها الحالي سترفع من نسبة التضخم بدرجة كبيرة مما يترتب علية خروج قطاعات واسعة من دائرة الإنتاج لتتوسع دائرة الفقر والعطالة، بما يفتح الباب لمزيد من الصراعات والأزمات الاجتماعية والسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى