أخبارتقارير وتحقيقات

تكوين الجيش الموحد.. عقبة الانتقال الديمقراطي بالسودان

تحوّلت العاصمة السودانية الخرطوم غضون الشهر المنصرم، إلى ثكنة عسكرية بعد وصول عدد من الجيوش التابعة للحركات الحاملة للسلاح إليها قادمةً من الأدغال والأحراش بعد مشوار طويل من حمل البندقية في وجه المركز، ما دفع الأصوات للارتفاع مطالبة بسرعة تنفيذ الترتيبات الأمنية وتكوين الجيش الوطني الموحد.

التغيير- علاء الدين موسى

ودفع وجود الجيوش بمختلف تشكيلاتها داخل الخرطوم إلى تنامي بعض المخاوف وتوالي الدعوات للإسراع في تنفيذ اتفاقية الترتيبات الأمنية الخاصة باتفاق جوبا لسلام السودان، بغية بناء جيش موحد ومهني وإنهاء وجود الجيوش المتعددة التي كانت تشكل ظاهرة في عهد النظام القديم.

فعلياً.. شرعت الحكومة في عملية إنفاذ الترتيبات الأمنية من خلال اللجان المشتركة بين القوات المسلحة وقادة الأجهزة العسكرية التابعة للحركات، ويتوقع الشروع في عملية إعادة الدمج والتسريح الأيام المقبلة تنفيذاً لبنود اتفاقية السلام التي حددت فترة زمنية معينة لإنفاذ الترتيبات الأمنية.

الهادي إدريس

قضية قومية

عضو مجلس السيادة الانتقالي، رئيس الجبهة الثورية د. الهادي إدريس يحيى، أكد أن اتفاق جوبا تضمّن الترتيبات الأمنية الشاملة باعتبارها قضية قومية، تفضي لتكوين جيش قومي مهني، يقوم بحفظ الأمن والعمل على حل مشاكل تعدد الجيوش بالبلاد.

وقال إدريس لـ«التغيير»، إن الهدف من الجهود المبذولة في تكوين القوات الوطنية المشتركة توفير الأمن والاستقرار، ومن أجل عودة النازحين واللاجئين لقراهم الأصلية والدخول في دائرة الإنتاج.

وبحسب اتفاق الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية الموقع في 3 أكتوبر الماضي بجوبا، سيتم دمج عدد من منسوبي الحركات المسلحة بعد الوفاء بمطلوبات المؤسسة العسكرية وإعادة تأهيل من يحتاج تأهيله.

جمعة كندة مستشار السلام بمكتب رئيس الوزراء عبدالله حمدوك
جمعة كندة

الترتيبات الأمنية

ويقول مستشار السلام السابق لرئيس الوزراء د. جمعة كندة، إن توقف التفاوض بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو يرجع لمسألة الجيش الواحد أو الجيش الموحد كمبدأ، والحكومة تريد أن تطمئن على التوافق حول هذا المبدأ.

وقال كندة لـ«التغيير» إن لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ورئيس الحركة عبد العزيز الحلو في جوبا متعلق بالترتيبات الأمنية ومبدأ الجيش الواحد.

وتوقع أن يقود رئيس مجلس الوزراء المفاوضات وبدعم من مجلس السيادة، واستدرك: «ولكن المكون العسكري في مجلس السيادة لا يستطيع أن يدعم حمدوك بشكل مباشر في هذا الملف ما لم يطمئن على مبدأ الجيش الواحد».

وأضاف: «أعتقد أن هذا اللقاء يكون للتوافق بين أعلى قيادتين على  مستوي الحركة والحكومة وتفاصيل اللقاء لم تعرض بالطريقة التي يتوقعها الشارع».

وتابع: «إذا كان اللقاء بين البرهان والحلو ناقش قضية الجيش الواحد سيصبح الطريق ممهداً لبدء مفاوضات منتجة ومثمرة ويمكن أن تؤدي إلى توقيع اتفاقية مع الحركة الشعبية في وقت وجيز».

ويرى خبراء أن حنكة المؤسسة العسكرية القومية تجيئ في ترجيح كفة الانضباط على كفة الانتماء وهذا الأقرب للحدوث دون إغفال شريحة المسرّحين التي إن لم يتم تسريحها وتأهيلها بشكل جيد للانخراط في الحياة المدنية فستقع في مشاكل وربما توقع البلاد نفسها في مشاكل تقود لتفريخ حركات جديدة.

محمد يوسف المصطفى

دراسة متأنية

فيما طالب القيادي بالحركة الشعبية- شمال محمد يوسف أحمد المصطفى، بضرورة أن تتم عملية توحيد الجيش السوداني عبر الدراسة المتأنية والمتعمقة لطبيعة الجيش السوداني الموجود الآن.

وقال المصطفى لـ«التغيير»: «الذي نحلم به يجب أن يكون أولاً هو جيش احترافي تكون فرص الالتحاق به مفتوحة للجميع عن طريق الرغبة وليس عبر التجنيد الإجباري، يقدم له الشخص بملء إرادته للعمل بالجيش كحرفة هذا أولاً».

وأضاف: «ثانياً هذا الجيش يجب أن يقوم على حماية أرض السودان.. إقليم السودان.. حدوده وموارده وثرواته».

وتابع: «ثالثاً يجب أن يكون هذا الجيش لحماية النظام الذي يرتضيه الشعب.. نظام ديمقراطي مدني ملتزم بتطوير البلاد نحو ما يعزِّز كرامة الإنسان السوداني وحريته ورفاهيته، وهذه يجب أن تكون في الدستور، وبالتالي أن يكون الجيش ملتزماً بحماية الدستور».

وزاد: «ولا يفوت علينا أن نؤكد أن الجيش بهذا المعني لابد أن يكون رشيقاً ليس مترهلاً، فيه فرصة واسعة لتمثيل كافة مكونات الشعب السوداني لحماية كافة مكونات الشعب وحماية حدوده وكافه موارده، وهذا هو الطريق لتوحيد الجيوش الموجودة الآن في جيش سوداني واحد وليس جيشاً أجنبياً».

وشدّد على أنه ليس وارداً أبداً أن تكون هناك فرصة في الجيش السوداني استقدام أشخاص من خارج السودان ليكونوا أعضاءاً فيه.

رؤية «الشعبية»

ويقول المصطفى إن رؤية الحركة الشعبية لتكوين الجيش الواحد تقوم على مجموعة من الأسس أن يكون الجيش وطنياً ديمقراطياً ملتزماً بالدستور وحماية دم الشعب ومال الشعب، ومطيعاً وليس حاكماً أو سيداً، جيش غير مؤدلج وبعيد كل البعد عن السياسة وقضايا الحكم، مطيع للسلطة التي يرتضيها الشعب وينفِّذ الأوامر بشرط ألّا تكون هذه الأوامر فيها انتهاك لدستور وكرامة الشعب السوداني، أو تبديد أو استرخاص لدماء الشعب.

وأضاف: «مثل هذا الجيش هو الضمان لتقدُّم الدولة السودانية لتؤدي واجباتها في النهوض والتنمية بعيداً عن التدخلات من أي قوى أخرى، والجيش الموحد يجب ألّا يكون أداة للحكم، وإنما حارس لإرادة الشعب بعيداً عن الحكم».

وتابع: «طوال السنوات الماضية حكمنا حكم عسكري وأثبت فشله ولم يقدِّم للشعب السوداني سوى الخيبات وراء الخيبات، فشل حتى في صيانة حدود البلد وحماية الموارد ودماء أبنائه، بل يشارك في القتل وإزهاق دماء السودانيين، نحن ضده ولن نكون جزءاً منه».

خطأ كبير

وبحسب الخبير العسكري الفريق خليل محمد الصادق، أن الحديث عن وجود القوات بالخرطوم لحماية اتفاق السلام الموقع بين الحكومة والحركات المسلحة، خطأ كبير ويهدد الدولة السودانية.

وقال الصادق: «إذا تم إحضار القوات لإظهار القوة بهذا الكم الهائل من المقاتلين لإيصال رسالة معينة، فهذه الرسالة وصلت، وعليهم أن يغادروا الخرطوم ويعودوا إلى مناطقهم، حتى يتم استيعاب الحركات تماماً».

وأكد الفريق خليل لـ«التغيير»، أن دخول القوات للخرطوم خطأ شنيع له عواقب خطيرة، لأن الكثير من المنضمين لهذه القوات لديهم مرارات وترسبات لم يتم  إزالتها من الأذهان، وهذا الأمر يخلق عدم السيطرة عليها بعدم تنفيذ القرارات، وبالتالي يعتبر مهدداً أمنياً للمواطنين والعسكريين أيضاً، والحادث الذي وقع قبل أسبوع هو إنذار ولولا حكمة العقلاء في القوات المسلحة لتطور الأمر إلى أشياء لا تحمد عقباها.

خطر الجيوش

وتخوَّف الفريق خليل من وجود جيوش الحركات بالخرطوم، وقال إن أي قوات متمردة تكون قائمة على أسس وعقيدة معينة تختلف عن عقيدة القوات المسلحة القومية التي تستهدف حماية أرض الوطن وليست لها علاقة بالعمل الداخلي، وهذا الفهم ليس موجوداً عند القوات المتمردة.

وأشار إلى أن الوضع الموجود الآن يخل بالأمن ويؤدي إلى كثير من المشاكل، وكان يجب حصر القوات في مناطقها الأساسية ولا تتحرك منها إلّا بعد أن يتم حصرها وتدريبها وإعدادها المعنوي والنفسي بما يتوافق مع المرحلة، ومن ثم تصنيفها وتحديد قدراتها، لغسل الماضي للإنسجام مع الحاضر.

تقليد أعمى

ووصف الفريق خليل ما حدث بالتقليد الأعمى لقوات الدعم السريع، وقال إن القوات القادمة للخرطوم تنظر لتجربة الدعم السريع كنموذج ويريدون أن يكونوا في وضع أفضل منه بالتواجد في مناطق حساسة في مفاصل الدولة.

ولفت إلى أن أي ترتيبات أمنية تُعقد على درجات ويتم الإعداد النفسي لها من خلال التصنيف والتدريب والحصر، ومن ثم يتم دمجهم تدريجياً حسب الكفاءة، وهذا لم يحصل حتى الآن.

وأوضح أن الحركات الموقعة على السلام ليست لديها كفاءات علمية ذات أثر كبير بدليل مشاركتهم في المهن الأخرى، وليست مثل التجارب السابقة انانيا 1 و2 أظهرت كفاءات تم إدراجها في الخدمة المدنية بقدرات، وهذا الأمر أصبح الآن مغلوطاً إلا من بعض القيادات السياسية التي تصارعت على المناصب وتركت قواتهم للقوات الأمنية الأخرى.

نوايا الأطراف

ويرى عضو وفد التفاوض بمسار شرق السودان، والمحلل السياسي أحمد عمر موسى، أن مسألة بناء جيش موحد وقومي تخضع بالأساس لنوايا الأطراف المعنية ببناء الجيش.

وقال لـ«التغيير» إنه على المستوى النظري يبرز الإطار النظري لبناء الجيش القومي ضمن ثنايا اتفاق جوبا وخاصة في مسارات دارفور والمنطقتين، ولكنه يبقى إطاراً نظرياً صالحاً لكل المسارات وحتى غيرها.

وأشار إلى أن الاتفاقية تناولت بناء الجيش القومي وفق عقيدة عسكرية متفق عليها تعمل بالأساس على حماية الوطن والدستور وتستوعب التنوع القبلي والجهوي بالبلاد سعيا لقومية الجيش.

وقال موسى: «هذا يتطلب بالضرورة إشراك حتى مواطني المسارات الأخرى جهوياً على أساس وطني وليس حزبياً».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى