أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

الحواضن السياسية للإنتقال والمصلحة في إكمال السلام (1 – 2)

خالد فضل

المكونات الأربع للسلطة الإنتقالية الحالية تتبنى نظريا مسألة تحقيق السلام الشامل والمستدام في جميع أرجاء البلاد , ولكن لابد من التأمل عمليا في مواقف هذه المكونات لنرى هل من مصلحتها الحقيقية اكمال هذه المسيرة بإبرام اتفاقات جديدة مع الحركتين الرئيستين اللتين لم تنضما بعد للفترة الإنتقالية وابرام اتفاقات مع سلطتها .

المكونات الأربع ؛ وهي المكون العسكري بمختلف فروعه , ما تبقى من قوى إعلان الحرية والتغيير , الجبهة الثورية بقسميها ( د. الهادي , ومناوي ) ثم رئيس الوزراء د. حمدوك  ؛ والذي تمّ ترشيحه من جانب قوى إعلان الحرية والتغيير (قبل انقساماتها) وحظي بقبول المجلس العسكري آنذاك . بيد أنّ أكبر حواضن د. حمدوك ؛ كانت تمثلها القوى الثورية الشبابية بصورة خاصة ولجان المقاومة والمجتمع المدني , وحظي رئيس الوزراء بثقة كبيرة , إثر رفضه قبول منصب وزير المالية في الحكومة التي عيّنها المخلوع المدان البشير برئاسة معتز موسى .

نعود الآن لننظر في شأن مصلحة هذه الحواضن في تحقيق سلام مع القائدين الحلو وعبدالواحد , فنجد أنّ المكون العسكري غير حريص على اتفاق سلام حقيقي وجاد ينهي وإلى الأبد جذور الحروبات الأهلية في البلاد , ولعل ذلك يعود إلى طبيعة قيادات المؤسسات العسكرية ومنحدراتهم الثقافية والعرقية والجهوية عبر تاريخ هذه المؤسسات  منذ الإستقلال ,  بل نجد أنّ بناء الأمجاد المهنية والصيت وسط  أفراد القوات , قد ارتبط بصورة وثيقة بالأداء في ميادين القتال في الحروب الأهلية , وليس عبر التضحيات في جبهات قتال ضد عدو خارجي , ولعل الترحيب الأخير والحفاوة التي وجدتها عمليات تحرير أراضي الفشقة في شرق البلاد تدل على  وعي شعبي كبير بالأدوار الأساسية المفترضة لتكوين القوات المسلحة , مثلما تدل الإنتقادات الموجهة لبعض الأجهزة الأمنية والشرطية في مواجهة عمليات التهريب , والتخزين غير المشروع للمواد والسلع الحيوية , وتكرار بعض مظاهر الفوضى والتفلتات الأمنية مثل عمليات النهب والقتل باستغلال ( المواتر مثلا) , هذه الإنتقادات تدل على وعي متقدم بما يجب أن تكون عليه المؤسسات الأمنية ودورها في بناء الدولة المدنية الديمقراطية , ولكن هل من المصلحة الفعلية لقيادات هذه المؤسسات , إنهاء حالة الحرب , وإعادة بناء مؤسساتهم العسكرية وهيكلتها بصورة حديثة منضبطة دوما بالدستور , وحارسة فعلا للدولة الديمقراطية التي يتداول فيها السلطة المدنيون وحدهم بطبيعة الحال ؟  أتصور أنّ بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية , تتحدد فيها الأدوار وترسم فيها حدود المهن والفئات , هذا التكوين قد لا يحظى بالقبول نفسيا من جانب مؤسسات كل خبرتها تقوم عل السطوة والتحكم والسيطرة على شؤون الحكم لفترة نصف قرن من الزمان من أصل 65سنة من عمر الإستقلال , هناك جانب عملي آخر متعلق بالترتيبات الأمنية مع الجيش الشعبي تحديا , إذ من الواضح أنّه جيش حقيقي وموجود على الأرض , وهوجيش منضبط , بل يمتلك الصفة الدستورية منذ اتفاقية نيفاشا 2005م , عكس حال الفصائل الأخرى التي أُبرم معها اتفاق جوبا , وعاد بعضها يبحث عن مجندين ليلحق بالترتيبات الأمنية ؛ حسبما هو متداول على نطاق واسع في أوساط الرأي  العام . ربما كان هذا الشق من الجوانب المقلقة للمكون العسكري , كونه سيكون مضطرا في حال توقيع سلام إلى احتمال بروز مكون عسكري آخر  بصفة شبه مستقلة كما هي حالة قوات الدعم السريع حاليا , وبالطبع هو أمر مقلق حقا لجهة أنّ المطلوب هو توحيد المؤسسات العسكرية وفق عقيدة موحدة قوامها الشمول والمصداقية والمهنية وصون حقوق الإنسان والرضوخ للدستور وسيادة حكم القانون والشفافية والنزاهة . كما هناك فيما يبدو شأن شخصي متعلق ببعض القيادات العسكرية التي ربما تواجه تهما جنائية مرتبطة بالحرب في دارفور , أو مجزرة فض الإعتصامات  أمام بوابات القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم وقيادات بعض الحاميات في بضع عشرة مدينة سودانية أخرى بالتزامن . إنّ توقيع اتفاق سلام نهائي وشامل سيطوي ملف الإقتتال الأهلي , ويتجه السودانيون لبناء دولتهم المدنية المرتكزة على شعارات الثورة في طلب العدالة والحرية , وعندئذ ستصعد قضايا الإنتهاكات التي ارتكبت إلى صدارة المطالب , لهذا يمكن أن يكون المكون العسكري أقل حماسا تجاه إكمال مسيرة السلام , والإكتفاء بما تم تحقيقه مع الفصائل الأقرب إليه في مواقفها ؛ أي فصائل الجبهتين الثوريتين , وقد عبّر الفريق الكباشي دون مواربة عن صميم الموقف بعبارته المشهورة في التعليق على إعلان المبادئ الموقّع بين رئيس الوزراء والقائد الحلو , بأنّه (عطاء من لا يملك لمن لا يستحق) !!  ونواصل في قراءة مواقف المكونات الأخرى في الجزء الثاني من المقال إن كان في العمر بقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى