تقارير وتحقيقات

موسى هلال.. قراءة في «سفر الخروج»

بعد أربع سنوات وراء القضبان

تقاطرت الوفود المهنئة إلى منزل زعيم مجلس الصحوة الثوري، موسى هلال، بمناسبة خروجه من السجن.

بيد أن عملية اطلاق السراح تكتنفها كثير من التساؤلات.

تساؤلات تمتد إلى تاريخ الرجل في دارفور، ومستقبله في بلاد انجزت لتوها ثورة شعبية رفعت في أولى أيامها شعار  العدالة.

الخرطوم: علاء الدين موسى

بعد سنوات من الحبس المتطاول أفرجت محكمة عسكرية بالخرطوم عن مؤسس مليشيا «الجنجويد» موسى هلال عبد الله.

ويأتي الإفراج عن هلال في ظل أوضاع سياسية وأمنية بالغة التعقيد سيما في الولايات الغربية.

وقادت وساطة أهلية بزعامة الناظر موسى مادبو للإفراج عن هلال، الذي أعتقل في العام 2017 من داخل بادية مستريحة غرب البلاد، بعد مقاومته للقرار الحكومي القاضي بجمع السلاح.

ونشبت وقتذاك أزمة بين هلال ونظام المخلوع البشير، ودخل في مواجهات مباشرة مع قوات الدعم السريع أودت بحياة عناصر في كلا الطرفين.

تمرد سابق

تمرُد موسى على حكومة الخرطوم لم يكون الأول من نوعه فقد فعلها موسى من قبل في العام 2003.

حينذاك أبدت الحكومة القائمة انزعاجها منه، بعد أن أبدى حراكاً مناوئا لها، أجبر حاكم ولاية شمال دارفور وقتها الفريق ابراهيم سليمان على اعتقاله وترحيله لسجن بورتسودان.

إلا أن هلال لم يمكث طويلاً في السجن حيث أخرجه النائب الأول للمخلوع علي عثمان طه، وسلحه لتكوين «مليشيا الجنجويد» لمواجهة التمرد الذي تقوده بعض الإثنيات بدارفور على حكومة المركز، ولكن دفاعه عن الحكومة لم يدم طويلاً، بعد أن أصبح مهدداً للحكومة نفسها مما جعلها تستعين بابن عشيرته محمد حمدان دقلو الشهير بـ «حميدتي» لكسر شوكة هلال الذي رفض تسليم سلاحه لحكومة الخرطوم قبيل سقوط نظام البشير، ليمكث في السجن مرة أخرى قبل أن يتم الإفراج عنه في تسوية سياسية اجتماعية مع أبن عمومته.

بروز نجمه

يقول المختص بالشأن الدارفوري عبد الله ادم خاطر، لـ «التغيير» إن نجم موسى هلال برز مع نشوب الحرب في إقليم دارفور سنة 2003 بين الحكومة وحركات متمردة تنتمي إلى مجموعات ذات أصول إفريقية.

ولاحقته الاتهامات بقيادة مليشيا «الجنجويد» المتهمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمات حقوقية دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور.

وعلى ضوء هذه التهم قرر مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على هلال وثلاثة أشخاص آخرين. وتشمل هذه العقوبات قيود على السفر وتجميد للأموال، ضمن قرار بشأن دارفور صدر عام 2006، لكن الزعيم القبلي والحكومة السودانية ينفيان بشدة هذه التهم.

مغادرة الخرطوم

وعلى نحو مفاجئ غادر الزعيم القبلي هلال الخرطوم على نحو مفاجئ إلى معقله ببادية مستريحة شمالي دارفور سنة 2015 بدعوى رغبته في إجراء مصالحات قبلية ورتق النسيج الاجتماعي بالإقليم بعد التعافي من الحرب.

بيد أنه دخل في خلافات حادة مع الوالي محمد يوسف كبر استدعت تدخل المركز وإقالة الأخير، ورغم إقالة كبر إلا أن شهر العسل بين هلال وحكومة المركز لم يدم طويلاً، وسرعان ما انقلب عليها مما جعل الحكومة تحاصره في معقله بمستريحة.

وجرى اعتقال هلال، رئيس مجلس الصحوة، ونجله حبيب في منطقة مستريحة، مسقط رأسه، بعد اشتباكات وقعت في العام 2017 بين مقاتلين موالين لهلال ووحدة التدخل السريع في مستريحة، ما أسفر عن 10 قتلى من الجنود السودانيين بينهم ضابط برتبة عميد.

وتم ترحيله إلى الخرطوم على متن مروحية عسكرية وهي مقيد بالسلاسل الحديدية، ومنها إلى السجن العسكري الذي قضى فيه أكثر من أربعة سنوات ليتم الإفراج عنه بتسوية سياسية ومصالحة اجتماعية.

تسوية سياسية

وبحسب الخبير القانوني عبد الباسط الحاج، فإن قرار اطلاق سراح موسى هلال ذو طابع سياسي أكثر منه قانونياً، وتم بتسوية سياسية واجتماعية بينه وبين نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بعد تراجع موسى هلال عن موقفه بعد سقوط النظام.

وأضاف: ربما يصل الأمر لتفاهمات مع الحكومة الانتقالية ويمكن أن تؤدى إلى مشاركته في الحكم، ومساهمته في الفترة الانتقالية بشكل أو آخر.

ورفض هلال الذي قاتل المتمردين بجانب القوات الحكومية في سنوات النزاع في دارفور تسليم أسلحته للحكومة خلال الحملة الأخيرة التى شنتها لنزع سلاح المليشيا.

وقال عبد الباسط لـ «التغيير» إن هلال كان جزء من نظام المخلوع البشير، وأن الخلاف مع النظام البائد قاده إلى تمرد.

وبشأن خضوعه لمحكمة عسكرية، يرى عبد الباسط أن ذلك مؤداه أن الرجل كان ضمن قوات حرس الحدود التابعة للقوات المسلحة السودانية، وبالتالي يدخل ضمن قانون القوات المسلحة.

وعجزت فطنة هلال الطامح في الزعامة على الطريقة «الدارفورية» في استشعار الخطر الذي ظل يحدق به عقب معارضته خطة حكومية سودانية تهدف إلى جمع السلاح من المليشيا لعودة الاستقرار للبلاد وظل محتميا ببلدته مستريحة لأعوام.

وعقب حرب كلامية واتهامات بين هلال وحميدتي لم تستمر طويلا، سقط الزعيم القبلي خلال معركة نفذتها قوات الاستخبارات التابعة للجيش السوداني.

تخوف دقلو

على الرغم من سجن زعيم الجنجويد السابق موسى هلال فإن كثير من الميليشيات الناشطة في دارفور ما زالت تدين له بالولاء، كما أنه لا يزال زعيما لمجلس الصحوة الثوري السوداني، وهي خصال تؤهله للعب دور هام في تسوية النزاع المسلح الذي قد يعصف باستقرار إقليم دارفور.

وتعطي عملية إطلاق سراح زعيم الجنجويد السابق موسى هلال، ايحاءً بوجود مرونة في تطبيق منهج العدالة الانتقالية، كمحاولة لتبرير الإفراج عنه بعد حوالي أربعة أعوام من اعتقاله.

ولم يدرك من روجوا للفكرة خطورتها وما ستجلبه من صداع للحكومة، حيث حملتها دوائر سياسية معانيٍ تنسحب على فلول النظام السابق.

إلا أن عبد الله خاطر ذكر أن الجودية تراث يعتمد على الوفاق والتراضي، وهي واحدة من أهم المؤسسات الاجتماعية والأسرية التي تحافظ على وحدة النسيج الاجتماعي في دارفور، وتعتبر ملكية فكرية لدارفور بالنسبة للسودان، و هي تمتد في كل الجزء الغربي من أفريقيا كنوع من انواع الحوار و التفاوض لحل النزاع.

وإعتبر خاطر أن الجودية بهذا الشكل تعتبر من أعلى درجات الدبلوماسية.

سيناريوهات مفبركة

طالب عبد الباسط الحاج بمحاسبة موسى هلال على الجرائم التي ارتكبها وليس اطلاق سراحه وتصويره كبطل مظلوم، وهذه سيناريوهات مفبركة لطمس الحقيقة والعدالة وتسويق هلال ليكون جزء من قيادات الفترة الانتقالية، وأن تسوية قضية زعيم الجنجويد السابق سوف تظل بمعزل عن مسلك العدالة، سواء أكانت محلية أم دولية، ولا حصانة لأحد ولا إسقاط لعقوبات بحق أي طرف وستطال كل من ارتكب جرائم ضد الشعب السوداني.

بيد أن محامي موسى هلال الفاتح الخضر الكاشف يرى في حديثه لـ «التغيير» بأن خروج هلال يندرج في اطار الصلح بين أبناء العمومة، الذي ساهم في حل كثير من المشكلات القانونية.

وقال إن ما حدث خلط مزدوج، روعي فيه أن يؤدي خروج هلال، إلى ترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية، الذي يجمع بين الأهل والقانوني، وأكد أن التسوية التي تمت لن تمنعه من ممارسة دوره السياسي كأي مواطن سوداني.

العدالة الانتقالية

ويقول عبد الباسط الحاج إن اطلاق سراح رئيس مجلس الصحوة الثوري لا يندرج تحت مسمي العدالة الانتقالية، وما حدث تسوية بين البرهان وحميدتي وموسى هلال.

ويتابع: المكون الذي يجمع موسى هلال ساهم في معالجة الخلاف فيما بينهم، وليس له علاقة بالعادلة الانتقالية وإتاحة الفرصة للمجرمين للإفلات من العقاب، باعتبار أن موسى هلال واحد من المشتبه بهم ضمن قائمة المحكمة الجنائية الدولية باعتباره المؤسس لمليشيا الجنجويد وارتكب مجازر واسعة النطاق في دارفور وضحاياه ما زالوا في المعسكرات.

فقدان الأرضية

ثمة رأي مغاير ذهب إليه استاذ العلوم السياسية، صلاح الدومة، بأن أن حميدتي أخرج موسى هلال بعد أن رأى  أن موقفه مهزوز ويحتاج إلى دعم واسناد من جهات مختلفة من ضمنها الدعم الأسرى.

وقال الدومة لـ«التغيير» إن حميدتي وهلال فقدا الأرضية في دارفور والخرطوم ويريدان استعادة تلك الأراضي من بالتحالف مجدداً.

ومنذ الإطاحة بالبشير تسعى الحكومة الانتقالية للتوصل إلى سلام مع المجموعات المتمردة لطي صحفة القتال الداخلي في الإقليم.

لكن الأشهر الأخيرة شهدت معارك بين مكونات عربية وأخرى غير عربية، مما تسبب في مقتل أكثر من 250 شخصاً.

وتزامن القتال الأخير مع انتهاء مهمة البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور «يوناميد».

ويرى مراقبون بأن الفترة المقبلة ستشهد تحولات في شكل التحالفات بين الحركات المسلحة في إقليم دارفور، وأن زعيم الجنجويد السابق لديه من الحضور القبلي الواسع ما يمكنه من التأثير عملياً في التفاعلات على الأرض، وربما يحمل المشهد العام في دارفور تطورات جديدة مع معرفة الدور الذي سيقوم به هلال في الإقليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى