أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

مطايا الاستبداد

خالد فضل

لا مندوحة من تكرار المعلوم في شأن التحول الديمقراطي, وهو أنّ الديمقراطية لا تقوم إلاّ على التنظيمات السياسية, ولا يستقيم أمرها ويقوى عودها إلاّ باستعدال تلك التنظيمات, فلا يستقيم الظلّ والعود أعوج.
هل منظوماتنا السياسية الراهنة بخير؟ هل تعبّر الأحزاب السياسية بسلامتها عن مصالح وتطلعات طبقاتها الإجتماعية التي يفترض أنّها تستهدفها ببرامجها, وأفكارها, وممارساتها؟ من اليمين لليسار مرورا بالوسط؛ إن كان لهذا التوصيف واقع فعلي على الساحة السودانية, إذ في تقديري أنّ كثيرا من المصطلحات الإعلامية المتداولة لا تعبر في الحقيقة عن الواقع.
عقب سقوط نظام مايو في انتفاضة أبريل 1985م, كنا حينذاك في خواتيم المرحلة الثانوية وبدايات الجامعة, أذكر أنّ الكثيرين ممن كنا نعرفهم من جماعة الإتحاد الإشتراكي السوداني ( وهو التنظيم الحزبي السياسي الذي كانت سلطة مايو قد أسسته ), عادوا عقب الانتفاضة للإنتظام مجددا في أحزابهم التي كانوا قد فارقوها طيلة فترة سطوة وسيطرة نظام مايو لمدة 16سنة, بل أنّ بعضهم صار رمزا من رموز الثورة الخالدة وإتحادها الإشتراكي العظيم؛ وتلك كانت الصفات التي تطلقها أجهزة الإعلام آنذاك. معظم أولئك السادة والسيدات كانوا من المحسوبين على حزبي الأمّة والإتحادي الديمقراطي, لم يتورعوا عن إمتطاء صهوة جواد السلطة الغاشمة, ساروا في ركابها أينما سارت, أصبحوا معها وظلوا وباتوا, حتى إذا ما غربت سلطتها, عادوا كأن لم يكونوا قبيل لحظات في الصف المقابل, هل أمثال هولاء وأولئك يمثلون أي مصالح إجتماعية لطبقاتهم؟ هل هولاء يستندون على فكر أو يؤدون دورا في خدمة برام حزبية؟ أم أنّهم يعبرون ويخدمون في مصالحهم الذاتية ويسعون لتحقيق مآربهم المعيشية, ولا يتورعون عن ترديد وتبرير فعلهم ذلك بالمصلحة العامة؟
الآن تبدو صورة ثمانينيات القرن الماضي حاضرة, ثلة من الفلول, سدنة سلطة الإنقاذ الغابرة, وأساطين حزبها السلطوي الفاسد, يبدأون مشوار الجكّة ناحية الضفة المقابلة, بعضهم يتلفع باسم الثورة ويردد شعاراتها, ويقدم نفسه كأحد صناعها, تسمع أحدهم يتحدث عبر منابر إعلامية أو يضع شعارات الثورة أو صور السيلفي خاصته في ساحة الإعتصام توثيقا لمشاركته الفذّة في إسقاط النظام! ! بعضهم يتقمص ثياب الثوري المفعم بالثورة والنضال, لدي بالمناسبة تحفظ واضح عل ذوي الحلاقيم العالية, الذين يثيرون الجلبة الثورية في غير موضعها, عندي أنّ الثوري الحق لا يزايد, يتأخر عندما يتدافع المتدافعون صوب صدارة المناصب, يلوذ بالصمت عندما يبرطم ذوي الحلاقيم بممجوج الهتاف باسم الثورة, لكنه في المقابل يصنع للثورة أساسا هادئا ورصينا, يمارس الثورة, ولا يتحدث عنها, يتمثل قانون المرحوم العميري (في إزاحة القبح واحتلال المكان بالجمال ), من يقود حملات نظافة الأحياء وأماكن العمل يفعل فعلا ثوريا, من ينظم صفوف الخبز أمام المخابز دون ثمن يفعل فعلا مجيدا للثورة, من يبتكر ويجدد في أساليب التدريس هو ثوري بحق, من يسهر على مريض في غرفة الطوارئ, ثائر, من يرصد مواقع النجوم, ويحضّر الأرض للموسم الجديد في الميعاد ثوري حقيقي, من يخط رأيا أو يطرح فكرة لبناء وطن ثوري, ليست الثورة أن نصرخ, ثمّ ننكفئ على مصالحنا الذاتية, نفني فيها العمر كدّا واجتهادا ثم نزعم ثورة! !
الآن عاد صنوف الإنتهازيين يتصدرون المشهد, لننظر في دائرة ما نعلم, لنجد نماذج طازجة لهولاء, يتسربون الآن عبر لجان المقاومة والخدمات, بل عبر أحزاب قوى الحرية والتغيير, خاصة اللافتات الإتحادية, وحزب الأمة ثمّ المؤتمر السوداني, والجبهة الثورية, فلتنظر هذه الأحزاب إلي نفسها في مرآة البناء التنظيمي, ودائما أتذكر مقولة للصديق الرفيق ياسر عرمان عندما تمّ تكليفه ببناء قطاع الشمال أيام نيفاشا الأولى, قال إنّه سأل العم الحاج مضوي محمد أحمد ( عليه واسع الرحمات ) عن كيف يبدأ, فاجابه ( ياسر ولدي في الأول (لم )_ اجمع_ العيش ب(بتابو), عند أول هبوب البتاب بطير وببقى التيراب. ربما كان العذر وقتها بأن بناء حزب الحركة الشعبية شمال كان عملا جديدا, ولكن هل يمكن الآن قبول نفس المنطق في بناء الحركة أو المؤتمر السوداني مثلا, هذا إذا اعتبرنا أنّ ( الحزبين القديمين متعودين )! !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى