أخبارأعمدة ومقالات

فصل الدين عن الدولة (ثمة ضوء عند نهاية النفق)  

جمال عبد الرحيم صالح

فصل الدين عن الدولة

(ثمة ضوء عند نهاية النفق)  

جمال عبد الرحيم صالح

مقدمة

يواجه الفكر الحداثي، الذي نقصد به أفكار الإستنارة والتجديد الرامية للإرتقاء بالعالم الإسلامي لمستوى القيم الإنسانية العامة، السائدة حالياً، والمستندة على مبادئ الليبرالية والعلمانية، يواجه هذا الفكر كماً هائلاً من العراقيل التي تستهدف الحط من شأنه وإبعاده عن مجال التأثير؛ حيث تشير معظم مدارس الفكر الإسلامي التقليدي إلى الدعوة للتغيير عبر تبني مبدأ علمانية الدولة، بأنها دعوة لإلغاء الدين ونبذه من حياة الناس، بشكل يوحي بوجود علاقة تعارض وتنافي بينهما.

إن الدعوة للدولة الدينية، تلك التي تتبناها القوى ذات المرجعية السلفية، ليست وليدة اليوم، ولم تنشأ في الفراغ. حيث فيما عدا فترات الحكم الاستعماري والحكم الوطني الذي أعقبه مباشرة فإن معظم، إن لم يكن كل، أنظمة الحكم التي سادت العالم الاسلامي منذ نهاية الخلافة الراشدة إعتمدت على مرجعية دينية اسلامية بهذا القدر أو ذاك. بل وأنه وحتى دول العالم الاسلامي التي تحكم اليوم بدساتير علمانية تواجه ضغوطاً شديدة من التيارات الاسلامية للتحول لدولة دينية عبر تطبيق ما أصطلح عليه بالشريعة الاسلامية.

إن من أسطع الشواهد القريبة جغرافياً وزمنياً والدالَّة على تغلغل مفهوم تطبيق الشريعة الاسلامية في العقول والأفئدة، حصول دعاة ذلك المفهوم، من أخوان مسلمين وسلفيين، على حوالي 70% من مقاعد أول برلمان مصري بعد انتصار ثورة 25 يناير 2011 المصرية، على الرغم من أن كلا التيارين لم يكونا من التنظيمات المتصدرة للمشهد الثوري حينها. وقبلها كان قد فاجأنا إسلاميو السودان في أول انتخابات بعد سقوط نظام مايو بحصولهم على حوالي 50 مقعداً على الرغم من أنهم كانوا في قفص الاتهام من قبل الجماهير التي صنعت ذلك التغيير، باعتبار شراكتهم الأصيلة في جرائم نظام مايو. ربما تجدر الاشارة في هذا الصدد إلى أن صاحب الأغلبية في تلك الانتخابات، وهو حزب الأمة، فشل في تنفيذ وعوده الانتخابية بإلغاء قوانين سبتمبر باعتبارها لا تسوى الحبر الذي كتبت به، من قبل أن يبدأ المحاولة أصلاً!

تستند الدعوة للدولة الدينية على أساس نظري مبني ظاهرياً على القرآن والسنة النبوية ينادي بأن الاسلام دين ودولة. فبالاضافة إلى أن القوانين التي حكمت العالم الاسلامي لمئات السنين تستند أساساً على النص الديني، فإن هناك نصوص قرآنية تشير بوضوح، إذا أغفلنا السياق الذي نزلت فيه كما يفعل دعاة الدولة الدينية، بأن الاسلام دين ودولة؛ وبأن مصدر القوانين هو نصوص الدين. مثال لهذه النصوص آيات الحاكمية التي وردت بثلاثة صيغ مختلفة، لكنها متشابهة، في سورة المائدة، حيث من ضمنها آية: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”.

من المهم جداً، إذا أردنا تطبيق نظام علماني عصري، أن نتعامل مع قضية الدولة الدينية والقوانين الاسلامية باعتبارها قضية فكرية في المقام الأول، قبل أن تكون سياسية، كما علينا أن ندرك أن الفقه الاسلامي، الذي يختص باستنباط الأحكام، يمثل المكون الرئيسي في المنظومة الفكرية الاسلامية بأجمعها. وفق هذا الفهم، علينا ادراك أن المعركة لتطبيق النظام العلماني، ليست من نوع المعارك ذات المدى القصير، وأن القوى التي نحاورها أو نحاربها ليست سهلة أو ضعيفة، حيث تبني حواراتها وحروباتها استناداً على مادة ضخمة للغاية.

في تعريف العلمانية

العلمانية فكرة سياسية مبتغاها وجوهرها الرئيسي فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، وأن يتولى الحاكم أمر الناس بإعتباره ممثلاً لهم وليس بصفته مفوضاً من السماء. أي ليس هنالك حكم بالحق الإلهي، وإنما بالإختيار البشري، غض النظر عن كيفية حصول الحاكم على هذا التفويض أو الطريقة التي تم بها إختياره.

يفترض ذلك أن تقف الدولة، ممثلة في أكثر أنظمتها حيوية كالقضاء والإدارة العامة ومؤسسات حفظ الأمن والنظام، على مسافة واحدة من الجميع. كما يعني ذلك أيضاً أن تنشأ الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، وليس على أي إعتبار آخر؛ بما يعني أن الجميع سواسية أمامها بدون تمييز في العنصر أو الدين أو النوع. كما يعني أيضاً أن تكفل الدولة حرية الأديان، حرية الإعتقاد، حرية التفكير، وحرية الضمير.

يفترض هذا التعريف للعلمانية أن تستند السياسات والقوانين السائدة على مرجعية أرضية، أي ليست دينية، حتى لو كان هذا الإستناد على مرجعية البشر مستصحباً لتعاليم العقيدة الدينية التي يعتقد فيها كل الناس أو جزءاً معتبراً منهم. كما يفترض أيضاً، أن لا يكون للمؤسسات الدينية أي سلطة بإستثناء تنظيم أمور العقيدة وتقديم العون الإستشاري سواء للدولة ومؤسساتها أو للأفراد.

إن الإتفاق على تلك المفاهيم والمبادئ، لا يعني أن هنالك شكلاً واحداً تتجلى به علمانية الدولة. فلكل دولة من دول العالم مسارها المختلف الذي نشأ بموجبه نظام الحكم العلماني الخاص بها. مسار تؤثر فيه مجموعة مقدرة من العوامل كدرجة التطور الإجتماعي والسياسي والاقتصادي، البناء الثقافي، الدين، والمؤثرات التاريخية. فبينما تبعد التجربة الفرنسية الدين عن الدولة والدولة عن الدين تماماً، نجد أن تأثير الدين في المجتمع الأمريكي واضح بشكل يعبر عنه الجدل المحتدم حول الإجهاض أو زواج المثليين، او حتى الموقف من إسرائيل الذي يلعب النفوذ الكنسي المحافظ دوراً مهماً في رسمه بإعتبارات دينية مساندة للدولة الاسرائيلية.

وكذلك كان الحال بالنسبة للتجربة السودانية، مع دستور 1956 (المؤقت) العلماني، حيث ان قانون الأحوال الشخصية كان بمجمله ذو صبغة دينية، بل أنه تبنى أكثر التخريجات الفقهية تخلفاً، رغماً عن أن جوهر الدستور كان أقرب للدساتير العلمانية الأوروبية.

نسبة لأن مصطلح الدولة العلمانية، أصبح محاطاً في العالم الإسلامي بقدر أو بآخر من الوساوس والريب لأسباب تاريخية وعاطفية، لا أرى سبباً حاسماً لعدم إستخدام مصطلح بديل كـ “الدولة المدنية” المطروح الآن لدى كثير من الأوساط؛ حيث أرى أن العبرة بالجوهر، وليس باللفظ.

علاقة الدين بالدولة

إن الوقوف عند حد أن العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من الناس ولا تتدخل في معتقداتهم وأديانهم قاصر ومضلل بعض الشيء. في نظرنا أن معالجة أمر علاقة الدين بالدولة له بُعدين، البعد الأول وهو الأخطر في تقديرنا، خاص بمصدر السلطات؛ أي من أين يستمد الحاكم سلطته ومشروعيته؟ هل من السماء، عبر المؤسسة الدينية وبمباركتها، كإيران ولحد كبير السعودية (خادم الحرمين الشريفين) كنماذج راهنة، إضافة للإمبراطوريات العربية الاسلامية التي كانت سائدة؛ أم يستمد السلطة من الشعب، غض النظر عن الطريقة والآلية التي عبر فيها الشعب عن اختياره لهذا الحاكم؟

البُعد الثاني يتعلق بمصدر القوانين؛ هل تصاغ القوانين وفقاً لآراء أغلبية الناس حسب احتياجات واقعهم ومستوى تطورهم والخبرات التي تراكمت لديهم، والعمل على توفيق قوانينهم مع المباديء التي توصلت لها الإنسانية؛ أم أن مصدر القوانين هي نصوص القرآن والسنة وآراء الفقهاء؟

بالنسبة للبُعد الأول، مصدر السلطات، حدث تقدم كبير وملموس، قياساً بما كان قائماً في الدولة العربية الاسلامية منذ بداياتها عندما كان الأمر قائماً على ما نُسب لعثمان بن عفان وأبي جعفر المنصور من وصف لألوهية الحكم (لا أخلع قميصاً سربلنيه له الله).  لقد رفعت الحركات الاسلامية المعاصرة، ولحسن الحظ، يدها عن الدعوة لإحياء نظام الخلافة والإدعاء بالحق الالهي  لدرجة أنه وحتى المقبور البشير لم يصرح بأنه يستمد سلطته من السماء.

المشكة الحقيقية الآن تتعلق بالبُعد الثاني، الذي هو مصدر القوانين. فكل التنظيمات السياسية الاسلامية الرئيسية الفاعلة، تتبنى بهذا القدر أو ذاك شعار تطبيق الشريعة الاسلامية وجعلها القاعدة التي يبنى عليها التشريع في الدولة. لقد وجدت الحركة الاسلامية السودانية فرصة العمر لديها، عبر احتواء وتبني ما أقدم عليه نظام مايو فيما يعرف بقوانين سبتمبر، لتبتز به الجميع: الشعب وقواه السياسية الأخرى. هذا رغم أن المسألة بأكملها لا تعدو أن تكون وهماً كبيراً، إلا أنه خطير للغاية، وهو ما سنتعرض له في الفقرات القادمة.

أين مكان الدين في سياق العلمانية؟

تعاليم الدين في جوهرها ونصوصها الأساسية مرنة، والمجتمع بقواه المختلفة هو الذي يضفي السمات والتفاسير المتنوعة، بل المتعارضة، عليها (علي بن أبي طالب: القرآن حمال أوجه). فلو نظرنا بتمعن لأطروحات المدارس المتصارعة باسم الاسلام والمتحدثة بإسمه، نجد أن مساحة الإختلاف فيما بينها ربما تقارب تلك المسافة الموجودة بين الدكتاتورية والديمقراطية، أو تلك التي بين التفكير المحافظ والآخر الليبرالي. إن الفروقات الجوهرية بين ما يقدمه حسن الترابي أو جمال البنا من جهة وما يطرحه إبن باز أو الملا عمر من جهة أخرى كأمثلة حية معاشة، أو بين ما تركز عليه مبادئ المعتزلة وما تتضمنه آراء الوهابية؛ هذه الفروقات تثبت وجود درجة مرونة عالية في النص الديني تسمح لنا بالإطمئنان بإمكانية إتساقه مع المفاهيم والمبادئ الأساسية العلمانية؛ وذلك إذا أخذنا بأفضل التفاسير والتأويلات للنص الديني، وأبعدنا لأقصى مدى ممكن تدخل الفقه الموروث، الذي هو منتج بشري قديم، في معالجة مشاكل المسلم المعاصر المختلفة كلياً عن تلك التي عالجها ذلك الفقه التقليدي الموروث.

أما القانون، سواءاً كان مكتوباً أو عرفياً، فهو الإطار التحكيمي والمرجعي للمجتمع. وهو بالمثل، لا ينبع في الفراغ، وإنما يمثل إنعكاساً لثقافة المجتمع وقيمه وأعرافه ومعتقداته. لا ينقص من هذه الحقيقة، تأثر القانون المحلي بالتطورات القانونية والأخلاقية في العالم الخارجي والتي نشأت كإستجابة للميل المتزايد نحو التكامل والتشارك بين سكان هذه البسيطة.

هنا ينشأ سؤال هام للغاية، ويمثل مربط الفرس في تقبل مبادئ العلمانية من قبل جماعات الإسلام السياسي إضافة لعامة المسلمين الحريصين على معتقدهم: كيف تتحقق الإمكانية في ظل الدولة العلمانية لإنفاذ ما يرون أن تعاليم دينهم تطالبهم بتنفيذه؟

إن معالجة الأمر تتطلب تدخلاً قويّاً وفعّالاً من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني بشرائحها المختلفة إضافة للمفكرين والكتاب وأصحاب الرأي، على أن تتم وفقاً للأسس التالية:

  • الحصول على الإعتراف والقبول الشعبي للمبادئ والأعراف والإتفاقات الدولية المتعلقة بالحقوق: تعكس هذه المبادئ والأعراف والإتفاقات افضل قيم مشتركة توصلت لها الإنسانية، لذا فهي جديرة بأن تمثل في عمومياتها مرجعاً هاماً للتشريعات والقوانين الوطنية، ويمكن جداً أن تتسق تلك المبادئ والأعراف والإتفاقات مع القيم والمعتقدات الوطنية عن طريق حوارات دائمة ومتصلة ومتعددة الأشكال والقنوات.
  • تطوير الفقه الديني: تمثل قضية الإصلاح الديني والتجديد الفقهي مفتاحاً رئيسياً لإجراء نقلة نوعية تجاه تقبّل قيم العلمانية بشكل سلس، وضمان عدم نكوصه عنها مستقبلاً. إن المنظومة الفقهية الحالية في تضاد جذري مع مبادئ العلمانية وذلك لتمسكها بتأسيس أحكامها استناداً على آراء الفقهاء وليس وفقاً لأحوال الناس. فالرأي الفقهي المسيطر اليوم يؤسس المنع والإباحة في القانون على النص الديني بغير إستصحاب للمقاصد والمصالح وآراء الناس وحقائق العلم ودرجة التطور الحضاري والمعرفي. إذن، لابد من التطوير لذلك الفقه ليتلاقى مع القيم العامة التي توصلت لها بقية البشرية، ويوطّنها، بدون أن يعني ذلك أنه يطابقها بشكل مطلق. إن هنالك جملة من المؤشرات نرى أنها ترجح إمكانية النجاح في ذلك حيث يمكن تلخيص بعضها في التالي:

 

  • أثمر المنهج الفقهي الإنتقائي الذي إتبعه الدكتور حسن الترابي بالسودان موقفين هامين، في قضيتين حساستين لدى الفقه التقليدي؛ وهما مسألتي المساواة السياسية، ولحد كبير الاجتماعية، بين الرجل والمرأة، والمساواة القانونية بين المسلم وغير المسلم. لقد أدى هذا الإجتهاد إلى جعل الدستور القائم الآن قريباً من المعايير العالمية على المستوى النظري فيما يلي هاتين القضيتين، علماً بأن هذين الرأيين حظيا بقبول واسع من المسلمين العاديين.
  • سعي إسلاميو تركيا الدؤوب للإنضمام للإتحاد الأوروبي، الذي يعلمون جيداً أن الإنضمام إليه يتطلب الإنسجام الكامل مع منظومة القيم والحقوق الأوروبية، ويعلمون أكثر بصعوبة الخروج اللاحق عنه. إن نجاح هذه التجربة وصمودها حتى الآن، على الرغم من تأرجح الإسلامويون المعلوم، وميلهم للطغيان؛ وعلى الرغم أيضاً من عدم إجراء تعديلات جوهرية في منظومة الفقه التقليدي لإزالة التعارض المعلوم بينه وبين قيم العلمانية، وهو ما يعرضها لأخطار النكوص والتراجع مستقبلاً؛ إلا أنها تشير لحقيقة في غاية الأهمية وهي قابلية المجتمع المسلم لقبول الأفكار الحداثية بشكل عام إذا اجتهدت النخب الحاكمة في التبشير بها جيداً.
  • قبول الفقه التقليدي في كل العالم الإسلامي لإبطال مؤسسة الرق بحكم التطور الباطني للمجتمعات المسلمة من جهة، وإنصياعاً للمعايير الإنسانية المجمع عليها من الجهة الأخرى، مما يعطي مشروعية مقبولة لإجراء مراجعات واسعة للقضايا الشبيهة التي لم تعالج فقهياً.
  • من الملاحظ بوضوح تململ الأسر والقيادات الحاكمة في الأنظمة العربية المحافظة من سيطرة الفقه التقليدي. تعبر الكثير من التصريحات، بل الأفعال الواضحة كإنشاء جامعة مختلطة بالسعودية، وتجريم ضرب الزوجات، عن هذه الململة وعن المستوى من التأييد الذي يمكن أن تقدمه هذه الأنظمة للدعوات الخاصة بالإصلاح والتجديد الديني.

العلمانية وقضية السلام في السودان

مع الإقرار الكامل بأن أزمة السودان بدأت من قبل الاستقلال، أي من قبل أن تطرح مسألة الدستور الاسلامي والدولة الدينية، إلا أنه مما لاشك فيه أيضاً أن الأزمات تعمقت وتتالت وتكاثرت وأصبحت مهدداً حقيقياً للوطن عندما تم الزج بالدين في العملية السياسية، وعُدِّل النظام القانوني ليستند على ما أصطلح عليه بأحكام الشريعة الاسلامية. لقد أدى هذا التمسك بذلك النظام القانوني إلى تقسيم الوطن الواحد إلى شطرين وتهديد وحدة الجزء المتبقي، حيث تشترط الآن الحركات الرئيسية في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق تحقيق شرط علمانية الدولة كأساس للإنخراط في العملية السلمية.

من ناحية أخرى، فإن معظم القوى السياسية الفاعلة في مركز الحكم، بما في ذلك الشريك العسكري في الحكم، إما رافضة لتحقيق شرط العلمانية، أو مترددة في قبوله. وهذا الرفض والتردد سببه الرئيسي، وربما الأوحد في تقديرنا، الخوف من فقدان جماهيرها وبالتالي إرجاع الاسلاميين للمعادلة السياسية بقوة. فمفهوم تطبيق الشريعة الاسلامية له محمولات ذهنية وعاطفية شديدة التأثير على قطاع واسع من الجماهير المسلمة بطبعها. وربما يمثل قولنا هذا تفسيراً للكثير من الظواهر السياسية التي مرت على السودان في الفترة التي سبقت نهاية الحكم التركي وتلك التي أعقبت الاستعمار الانجليزي. فالكل يذكر السهولة الفائقة التي جيّش بها المهدي السودانيين لطرد المستعمر التركي، وتلك التي جيّش بها الاخوان المسلمين – على قلتهم حينها – الشارع السوداني للمنادة بحل الحزب الشيوعي، ودفع قيادات الأحزاب الكبرى، الأمة والاتحادي، لتنصيب ما أسموه بالدستور الاسلامي، الذي كانوا قاب قوسين أو أدنى منه، لولا انقلاب مايو. كما تجدر الاشارة أيضاً إلى تنصل الحزبين الكبيرين اللذين حكما عقب انتفاضة أبريل 1985 عن إلغاء قوانين سبتمبر رغم الوعود الانتخابية بغير لك، وهو أمر لايساورنا شك بأنه تم للتخوف لدى قادة هذي الحزبين أن يؤدي ذلك لاهتزاز قاعدتهم الشعبية ووقوع هذه القاعدة في براثن الاخوان المسلمين.

إذن نحن أمام موقفين شديدي الاختلاف من الزاوية السياسية: هل تبقى أحكام “الشريعة” لإسكات القوى المعادية للثورة وللسلام وبالتالي الحفاظ على الاستقرار النسبي الذي يمكن قوى الثورة من تحقيق أهداف الفترة الانتقالية، أم تلغى تلك الأحكام لإيقاف نزيف الدم وضمان وحدة الوطن وتآزر كل مناطقه وأعراقه لبنائه من جديد وتحقيق شعار الشعب في الحرية والسلام والعدالة، وما يتطلبه ذلك من تضحية محتملة ببعض الاستقرار السياسي والاجتماعي؟

تطرح هذه الورقة مقاربة فكرية وسياسية لمعالجة هذا التناقض بحثاً عن طريق ثالث يمكن أن يكون مقنعاً للجميع:

أولاً – أن هنالك مبادئ أساسية ومتفق عليها في المذاهب الفقهية التقليدية الموروثة والتي من المفترض أن تكون هي الأساس فيما مايسمونه “شريعة”، غير مضمنة في الوثائق الدستورية والقوانين السائدة حيث أن:

  • مسألة استناد الحقوق والواجبات على المواطنة أمر متفق عليه، إذ لا يوجد تمييز يقوم على الدين أو العرق أو النوع من الناحية الدستورية. وهذا أمر مقبول لدى كل القوى السياسية الفاعلة، وفي حالة وجود ما يخالف ذلك فمن السهل تعديله حيث أن هناك إجماع على مبدأ إنشاء الحقوق والواجبات على المواطنة.
  • المادة المعرقلة لحرية العقيدة، وهي المادة 126 بالقانون الجنائي لعام 1991، تم إلغاءها للتتفق مع روح ونصوص الوثيقة الدستورية الصادرة بتاريخ 3 أكتوبر 2019 التي فرضتها ثورة التاسع عشر من ديسمبر المجيدة.
  • تم إجراء تعديلات جوهرية على المواد المتعلقة بالحريات الشخصية كما تم الغاء قانون النظام العام الذي كان ينتهك تلك الحقوق بشكل مقنن.
  • المواد في القوانين السائدة المبنية على الشريعة، وعلى رأسها القانون الجنائي لعام 1991، والذي يعتبر المعضلة الأكبر، تخلو أساساً من الكثير من التمييزات القائمة على أساس الدين والنوع في الفقه الاسلامي التقليدي! كنماذج نورد التالي:
    • لا يوجد تمييز على مستوى الشهادة أمام المحاكم، حيث كما هو معلوم فان الفقه التقليدي الموروث يميز بين شهادة المسلم وغير المسلم، وبين شهادة المرأة والرجل.
    • لا يوجد تمييز على مستوى استحقاق الدية، حيث أن الفقه التقليدي يميز بين المسلم وغير المسلم، وبين المرأة والرجل.
    • أصبح متاحاً قانوناً الآن إنشاء وتشغيل مؤسسات اقتصادية مبنية على الممارسات العالمية القائمة على سعر الفائدة، بعد أن كان ذلك محرماً استناداً على أساس ديني.

ثانياً – إضافة للخلو النسبي للقوانين القائمة، التي وضعتها الحركة الاسلامية، من التمييزات القائمة على الدين والنوع، كما أشرنا له أعلاه، فإن تجربة التطبيق نفسها أرست أرضية تعطي مشروعية معقولة للجهات العدلية في تطبيق النص القانوني بشكل مرن يمكن أن يتناسب مع مطلوبات البدعوة للعلمانية. كأمثلة على ذلك:

  • حسب منطوق المادة المادة 42 (1) من القانون الجنائي لعام 1991، تحدد الدية بعدد مائة من الإبل أو ما يعادل قيمتها من النقود وفق مايقدره من حين لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة. إنه، ووفقاً لمنشور رئيس القضاء السوداني رقم 4/2016 فإن قيمة الدية الكاملة تعادل 330 ألف جنيه سوداني وهو مبلغ يقل عن سعر الناقة الواحدة اليوم! هذا مع العلم بأن مقدار الدية بالإبل، وتعييره بالأبقار أو الشياه أو ما شابه، أمر متفق عليه في كل المذاهب.
  • يقف شاهداً أيضاً على المرونة المتاحة الآن للجهات العدلية، والتي يمكن التأسيس عليها لتعديل القوانين بما يرفع الحرج عن المشرّع، أنه ووفقاً للمعلومات المتاحة، لم يتجاوز عدد حالات تطبيق حدّ السرقة خلال الفترة 2005 – 2012 عدد عشرة حالات في كل السودان، وذلك وفقاً لما صرح به نائب رئيس القضاء السوداني عبد الرحمن شرفي في لقاء له مع صحيفة “السوداني” بتاريخ 12 مارس 2013! كما أنه وحسب المعلومات المتاحة للكاتب، فإنه لم يتم أي تطبيق للنصوص الخاصة بالقصاص (فيما دون النفس) في خلال ذات الفترة!

ثالثاً – لقد استثنى القانون الجنائي لسنة 1991 الإقليم الجنوبي، وقتها، من تطبيق أحكام القانون ذات المنشأ الاسلامي كالمواد الخاصة بالحدود، مما يعني أن هنالك امكانية لتطبيق ذات الفكرة على المناطق الثلاثة طالما كان ذلك مطلوباً من قواها الحية. وهذا التوجه ليس بدعة، فحتى في الدول المتقدمة ذات العلمانية الراسخة، تتغير القوانين من ولاية لأخرى لدرجة أن أخطر وأهم العقوبات، وهي الاعدام، مطبقة في ولايات وغير مطبقة في الأخرى.

خاتمة

تأسيساً على ما ورد أعلاه، نرى أن هنالك إمكانية فعلية لتجاوز الاشكالات القائمة الآن، والمعرقلة للوصول لتسوية تاريخية تخرج فيها بلادنا من مناخات الحروب والانقسامات، بشكل مرضي لجميع الأطراف بدون مخاطر تهدد ما تحقق من إنجازات سياسية واجتماعية عبر الإصرار على فرض العلمانية بحذافيرها باعتبارها واجباً لا يحتمل التأجيل.

أن التحولات الكبرى في حياة الشعوب، تلك التي تتطلب تغييرات جوهرية في الأبنية الثقافية والفكرية و تعيد صياغة العقل والوجدان الجمعيين، تحتاج لزمن مقدر ولمجهودات فكرية وسياسية ودعائية كثيفة ومتصلة. أننا نرى أنه تأسيساً على التجربة السودانية في تطبيق ما يطلق عليه بالشريعة الاسلامية، وعلى التحولات الفكرية والسياسية الجارية على مستوى العالم والمتجهة صوب علمنة الدولة وليبراليتها، فإن تحقيق الدولة العلمانية لم يكن متاحاً أبداً بقدر ما هو عليه الآن. يبقى الأمر معتمداً على الوقت والعزيمة.

 

 

تعليق واحد

  1. التهنئة للشعب السوداني على الاتفاق على فصل الدين عن الدولة وهو أمر لو عملنا به منذ الاستقلال لتجنبنا كل الكوارث والمصائب والنكسات التي حصلت في تاريخنا الحديث
    من فوائد الدولة العلمانية
    تقييم الأداء السياسي بالفوائد التي تعود على المواطن وليس على أساس عواطف دينية شوه بها تجار الدين الاسلام
    قفل الطريق أمام أي حجج تظلم او اضطهاد للأقليات أو حتى للمسلمين أنفسهم وبالتالي لن تكون هناك حركات مسلحة تدعي انها تحارب لنيل الحرية الدينية والفكرية
    النظام العللماني يجعل السودان من أكثر دول المنطقة حداثة وتطورا في المجال التشريعي وحقوق الانسان وسنقف أمام دول العالم موقف الند للند وليس موقف المتخلف الرجعي الذي يوظف الدين لسلب حرية الشعب
    النظام العلماني سيسد الطريق امام تجار الدين الذين لا يستحون من الله فيتاجرون باسمه لمكاسبهم المادية والذين قتلوا الشعب وأفقروه وجوعوه وأمرضوه باسم الدين هؤلاء لن يكون لهم وجود في مستقبل السودان لأن تجارتهم بالدين غير معترف بها
    النظام العلماني سيجعل السودان حكومة وشعبا محترمين أمام العالم أجمع خاصة العالم المتقدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى