أخبارتقارير وتحقيقات

مقتل سماح يشعل جدل الشريعة وحقوق الإنسان

مقتل الطفلة سماح أشعل جدل الشريعة وحقوق الإنسان والأهمية القصوى لتغيير القوانين السودانية للتوافق مع مرجعية المواثيق والاتفاقيات العالمية لحماية المرأة والطفل

التغيير:علاء الدين موسى

نظم نشطاء في حقوق الإنسان والمرأة والطفل حملة للمطالبة بالعدالة في قضية الطفلة سماح الهادي(14 عاما) التي قتلت رميا بالرصاص على يد والدها بمنطقة الصالحة جنوب أم درمان الجمعة 19 مارس،

وقد فتح عم المجني عليها بلاغا في الشرطة قال فيه ان الطفلة كانت تعبث بسلاح يخص والدها فأصابت نفسها ، واستنادا إلى ذلك تم دفن الجثمان دون تشريح ، إلا أن مئات الحقوقيين استنادا الى “الحق العام” رفعوا عريضة لوزارة العدل بعد ان تسربت تفاصيل الجريمة إلى مواقع التواصل الاجتماعي بواسطة سكان الحي الذين سجلوا شهاداتهم عن الحادثة وأكدوا أنها “جريمة قتل” ، في السبت 27 مارس 2020 تم تشريح الجثمان بتوجيه من النائب العام ورُفع تقرير الطب العدلي ، وتم تحديد مسار التحريات .

في غضون ذلك  اشتعل الجدل مجددا حول أهمية الإصلاح القانوني وسن قوانين خاصة بمكافحة العنف ضد المرأة والطفل، لجهة ان القانون الجنائي المطبق حاليا رغم تعديله لا ينص على عقوبة رادعة في جريمة قتل الآباء لأبنائهم ويرهن العقوبة لتقديرات القاضي ويتبنى وجهة نظر في الشريعة الإسلامية تقول”لا يقتل والد بولده” الأمر الذي أعاد النقاش حول الشريعة الإسلامية وعلاقة الدين بالتشريع وبالدولة ككل .

قضية رأي عام

بعد رفض السلطات تشريح الجثمان لمعرفة أسباب الوفاة، ومحاولة الأسرة التستر على الجريمة والزعم ان الفتاة أصابها طلق ناري بالخطأ، ثم إطلاق الشرطة لسراح الأب القاتل دون توجيه تهمة وتسجيل الحادثة في البداية تحت المادة 51 من قانون الإجراءات الجنائية (موت في ظروف غامضة) تحولت المسألة الى قضية رأي عام، وتواترت ردود الأفعال التي أدت لفتح بلاغ بموجب المادة ٣٤ فقرة ١ من قانون الاجراءات الجنائية لسنة ١٩٩١م (يحق لأي شخص التقدم ببلاغ في الجرائم التي يتعلق بها حق عام) ، التي على أساسها  اعتبر النشطاء الحقوقيون وبعض سكان الحي انفسهم أصحاب حق أصيل في الإبلاغ عن جريمة قتل سماح، هذه الحملة غيرت مسار القضية وجعلت النائب العام يتدخل.

 

الجندر على الخط

الحملة المطالبة بالقصاص لسماح وتغيير القوانين ونقد ثقافة العنف الأسري أعادت الى الذاكرة جرائم قتل في اوقات سابقة لشابات وطفلات قُتلن على يد أقاربهن وأفلت الجناة من العقاب، بسبب التستر على الجريمة من قبل الأسرة أو استغلال ثغرات في القانون. ورصدت “التغيير” في مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تحذر من ان النساء بحكم انهن مستضعفات وهناك تمييز ضدهن هن أكثر ضحايا العنف الأسري الذي سعى كثيرون لتبريره باسم الدين او العادات والتقاليد، فبعد يوم واحد من مقتل سماح  قُتلت ملهمة هاشم على يد  زوجها الذي هشم رأسها بآلة صلبة.

ماذا يقول القانون السوداني في قتل أب لابنته؟

 

بحسب الخبير القانوني نبيل أديب، جريمة القتل موجبة للقصاص، ولكن في قضية قتل الأب لابنه تكون العقوبة تعزيرية استنادا الى ما استقر في الشريعة (لا يقتل والد بولده)،

وطالب أديب بفتح باب النقاش واسعاً للبحث حول امكانية اجراء مراجعات فقهية وقانونية لإجراء تعديلات في القانون لمنع مثل تلك الجرائم البشعة مستقبلاً.

يرى مراقبون أن  القانون الجنائي السوداني لسنة ١٩٩١  استمد احكامه من الشريعة الاسلامية ومن  الراجح في المذهب الحنفي،  ففي حكم صادر في العام ٢٠٠٩ رفضت المحكمة العليا القصاص من زوج قتل زوجته وجنينها  في ولاية كسلا و اختلف المذهب المالكي بضرورة التفرقة بين القتل العمد المقطوع شكه وبين المشكوك فيه، وجوز القصاص في النوع الأول، واتفق مع جمهور الفقهاء في النوع الثاني ، وذهب رأي آخر بجواز قتل الوالد بولده ولكن تعزيرا” وليس قصاصا”  ومع سريان القانون الجنائي فلا يجوز قتل الوالد قصاصا ويكون باب الاجتهاد مفتوحا في امكانية قتله تعزيرا خاصة في حالات بشاعة الجناية،  فالقانون منع القتل قصاصا. ، ولكن هذا معناه أن تقدير العقوبة في حالة قتل الاب لابنه او ابنته متروك لتقديرات القاضي، ومن عيوب القانون الجنائي  السوداني حسب الخبير القانوني والاستاذ الجامعي السابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم الدكتور صديق عبد الباقي  انه “يترك فضاء واسعا من الفراغ التشريعي للاجتهاد والاعتداد بالرأي الشخصي في مسائل القانون العام”، وخلص  الدكتور صديق في مقالة منشورة بهذه الصحيفة الى   ان القانون الجنائي لعام 1991 لا يجدي معه الإصلاح بل يجب تغييره بشكل جذري لعيوب فصلها.

ومسألة عدم النص على عقوبات محددة في جرائم خطيرة ورهن العقوبة لمصطلح “التعزير” وهو حسب الشريعة عقوبة تقديرية للجرائم غير الحدية ، حتما ستتضرر منه النساء بشكل أكبر نظرا لأن هناك تمييز سلبي ضدهن وثقافة كاملة في المجتمع تجنح لتجريمهن حتى إذا كن ضحايا، فالقاضي الذي يصدر العقوبة التعزيرية لن يكون منفصلا عن هذه الثقافة.

تعديل القوانين

وكشفت مصادر لـ”التغيير” عن وجود اتجاه قوى داخل الدولة  لتغيير القوانين في الفترة الانتقالية لتتوافق مع المواثيق الدولية التي صادق عليها السودان مؤخراً، وقالت المصادر إن وزارة العدل عقدت ورشة في الفترة السابقة لمناقشة  القانون الجنائي واوصت الورشة بتغيير القانون   والرجوع إلى قانون العقوبات  لسنة 1974.

حكم قتل الأب لابنه في الشريعة

وفقاً لفتاوى عديدة، فإن جمهور الفقهاء يؤكدون أن الأب معفي عنه في حالات كثيرة، مستندين في ذلك إلى عدد من الأحاديث، فمثلاً ما رواه الترمذي  عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَد)

كما روى أحمد  وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قتل رجل ابنه عمدا، فرفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجعل عليه مائة من الإبل، ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين ثنية، وقال لا يرث القاتل؛ ولولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقتل والد بولده لقتلتك)

ولكن يرى فقهاء أن الحديث ضعفه كثير من أهل العلم، بحجة أنه لا يقاوم العمومات الدالة على وجوب القصاص، وأما تعليلهم النظري، فالجواب عنه أن الابن ليس هو السبب في إعدام أبيه، بل الوالد هو السبب في إعدام نفسه بفعله جناية القتل، فضلا عن ان المالكية  يقولون إن الوالد يقتل بولده، مما يدل على تعدد الآراء حتى في الشريعة الإسلامية.

زيادة الجرائم

ويقول   مولانا عبد الرحمن عابدين”للتغيير” إن قتل الأب أو الأم ابنه جريمة تستوجب أقصى العقوبة إذا اشترط التعمد، وتعامل كأي جريمة أخرى ، كي لا تتكرر في المجتمع، فهي قضية تهدد السلم الاجتماعي.

ولكن ثمة رأى مغاير ذهب إليه الخبير القانوني شيخ الدين شدو

“وعندما تتم جريمة، قتل فلولي  الدم  المطالبة بالقصاص او العفو  وفي حالة القصاص يتم إعدام الجاني،  وفي حالة العفو تبقي العقوبة  تعزيرية.

وتابع:  “في حالة الاب  القاتل  أولياء الدم  هم الأبناء وبالتالي  نادر جدا، المطالبة بالقصاص  مهما كانت بشاعة،  الجريمة والطريقة التي ارتكبت بها.

القانون الديني والقانون العلماني

استنكرت  مديرة مركز دراسات المرأة والطفل “سيما” ناهد جبر الله ما حدث بشأن قضية مقتل سماح،  واعتبرته تجاوزا للقانون السائد حاليا، فهو رغم الثغرات الموجودة فيه يسمح بالتشريح

وأشارت ناهد  إلى وجود  اشكاليات في تطبيق القوانين، وشكت من تقصير القائمين على أمر تطبيق القانون وقالت هذه المسألة لابد من المحاسبة عليها ومراجعتها.

إلا أن الخبير القانوني شدو يتمسك  بالقانون الجنائي السائد حاليا لأنه  مأخوذ من الشريعة الإسلامية،  وأن جريمة القتل من الجرائم الحدية التي لا يمكن تعديلها،  وأكد اختلافه مع المطالبين بتطبيق القانون الوضعي العلماني لأن ذلك رفض لتحكيم شرع الله يستوجب العقوبة الالهية في الدارين على حد تعبيره.

أما الخبير القانوني الدكتور صديق عبد الباقي فيرفض تماما في مقالته آنفة الذكر ان القانون الجنائي السوداني لعام 1991 هو الشريعة الاسلامية ، بل هو قانون عرضت مسودته على آخر برلمان منتخب عام 1988 وسقط مرتين لتصويت النواب ضده وفرضه الاسلاميون بالقوة بعد انقلاب عام 1989

تعديل قانون المرأة والطفل

كشفت ناهد جبر الله عن اتجاه لتعديل القوانين في اتجاه  وضع قوانين متخصصة تتصدى لقضايا العنف ضد النساء والأطفال.

ولكن معركة تعديل او استبدال القوانين السائدة حاليا مهمة معقدة،إذ لم يتكون حتى الآن المجلس التشريعي ، وكل ما حدث من إصلاحات قانونية تم بواسطة وزارة العدل التي تصيغ المسودات ويجيزها اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء ، فقد نصت الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية على ان يتولى مجلسا السيادة والوزراء مهمة التشريع في غياب المجلس التشريعي الذي كان يجب ان يتكون حسب الوثيقة الدستورية نفسها بعد مدة أقصاها 90 يوما من بداية الفترة الانتقالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى