أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

سد النهضة من خطاب المظلمة إلى أفق المنفعة

خالد فضل

التصريحات الأخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بخصوص أزمة سد النهضة الإثيوبي, شغلت المهتمين والمتابعين لهذه الأزمة, وتطلبت كثير من البرامج والفقرات في عدد من الفضائيات الإقليمية والدولية, وتصدرت نشرات الأخبار في حينها, تصريحات السيسي أعادت للأذهان تغريدة ترامب المشهورة حول فرضية القيام بعمل عسكري لنسف السد. وزير الري السوداني البرفسور ياسر عباس, وقد تابعت كثيرا من إفاداته وندواته وتصريحاته منذ توليه للموقع, ظل يمثل في تقديري عقلية حكيمة ومهنية مرموقة مطلوبة, بيد أنّه جنح في الأشهر القليلة الماضية للتحدث بلهجة لا تخلو من الحدّة, واستخدام المصطلحات ذات الرنين غير المحبب مثل (الأمن القومي) وتهديد حياة السودانيين. . إلخ, فقد كان بروفسير ياسر يتحدث عن فوائد السد بالنسبة للسودان, مثل المحافظة على منسوب مستقر طيلة العام للمياه على طول مجرى النيل, واستقرار الإمداد الكهربائي, ودرء الفيضانات المدمرة, والمحافظة على نظافة التوربينات في خزان الروصيرص, وغيرها من فوائد, في مقابل خسارة ما يقارب 100ألف فدان على ضفتي النيل كانت تروى بالري الفيضي. لم يتطرق وزير الري السوداني لمخاطر على الأمن القومي أو جائحة تتهدد حياة السودانيين جراء هذا السد, فما الذي جدّ وأدّى لتغيير موقف وزيرنا؟ وهل تم اكتشاف هذا الآثار الخطيرة مؤخرا, إذ تطرق أحد الخبراء المصريين عبر إحدى الفضائيات, إلى أنّ الموقف السوداني السابق كان يستند إلى دراسات محلية (ضعيفة)! ! فهل حقا كان الأمر كذلك, والآن بعد بروز الدراسات غير السودانية (القوية) اكتشف السودانيون خطورة السد عليهم؟ أم أنّ الأمر تمّ تسيسه حد خروجه عن الموضوع؛ كما يزعم بعض الإخوة الإثيوبيين؟
الموقف السوداني كان يستند إلى جوانب فنيّة بحتة, وكان يشار إليها دوما بصفة ( السهولة), الآن الرئيس المصري يصل إلى لبّ الموضوع مباشرة ( المساس بقطرة مياه واحدة من نصيب مصر يعتبر خطّا أحمر), الرسالة تبدو هنا مزدوجة, إثيوبيا الآن معنية بهذا الوعيد المصري, ولكن من يضمن ألا يمتد ذات النهج إلى السودان (الشقيق) إن هو سعى ذات يوم للاستفادة من كامل حصته من مياه النيل؛ تلك التي حددتها اتفاقية 1959م؟ , وبفائض سنوي مقداره 6مليارات متر مكعب سنويا, تذهب إلى دولة المصب الأخيرة منذ ذلك الحين كـ( سلفية) على ما تقول بنود تلك الاتفاقية, وإثيوبيا تتظلّم دوما بأنّها ليست طرفا في تلك الاتفاقية ( الاستعمارية) برأيها, وتقول إنّها حُرمت من التنمية واستغلال موردها المائي الكبير لقرن من الزمان بسبب مصر والسودان! ! وهذا خطاب مظلومية مردود دون شك, فلم تمنع الدولتان ثالثتهما هذه من استغلال مواردها المائية, ولكن للأمانة ظلتا تطالبان بِأَلَّا يحيق بهما ضرر من استغلال الطرف الإثيوبي لحقوقه, وهذا في تقديري عرض موضوعي, ونقاش عقلاني, فقط يجب أن يكون دون ( وعيد ), و (تهديد), لأنّ نتائج التصعيد ستكون تصعيدا مضادا ( والحرب أولها كلام ). آخذين في الاعتبار تحول الخلاف إلى شقاق بين دول المنابع للنيل؛ وهي كلها دول إفريقية, ودولتي المصب الموصوفتين ب(العربيتين), وهو منحى عنصري خطير لا يرجو عاقل أن تصل إليه الأمور.
إنّ ما يرجوه السودانيون دوما هو تغليب مصالحهم العليا أولا, بالطبع دون غمط أو حرمان مصالح الآخرين, هذا هو ناموس التوازن في العلاقات الدولية والإقليمية, لهذا أتمنى لو يوضّح وزير الري بصفته عالما في المضمار, ما هي نقاط تحفظ السودان تحديدا؟ بوضوح شديد, وما هو الرد الإثيوبي على هذه التحفظات, فهناك حديث يقوله بعض الموسومين بالخبراء الإستراتيجيين في السودان, وعبر الفضائيات, يحتاج إلى تمحيص, مثل ترديد القول إنّ فيضانات العام الماضي سببها هو سد النهضة, فهل هذا القول صحيح؟ وإذا حدث توجيه ضربة عسكرية مصرية مثلا, وانهار جسم السد, ما هي الآثار المترتبة على خطوة كهذه على السودان؟ ما هو الرد الإثيوبي على طلب السودان بالتدرج في ملء بحيرة السد, كم هي المدة التي اقترحها السودان؟ ما الموقف الإثيوبي حيال تشارك البيانات اليومية مع خزان الروصيرص؟ أليست هذه هي مشكلة السودان الأساسية؟ وهمومه المشروعة لسلامة منشآته المائية, وبالتالي حياة مواطنيه, أم أنّ الأمر يغوص إلى أبعد من ذلك, وهناك مشكلات أخرى مسكوت عنها!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى