تقارير وتحقيقات

فشل الديمقراطيات في السودان.. النخب والعسكر في دائرة الإتهام

ندوة مركز الخاتم عدلان شرّحت الأسباب

عزا خبراء ومحللون، فشل الديمقراطيات السابقة في السودان لمشكلات عسكرية وحزبية، بجانب الحرب الأهلية والمشكلة الفكرية السلفية، بجانب انعدام التوازن في الساحة السياسية السودانية.

التغيير- الخرطوم: علاء الدين موسى

من أفشل الديمقراطية في السودان؟ سؤال واتهام ظل يلاحق النخب السياسية والعسكر طوال السنوات الماضية، بعد أن فشلت في إرساء حكم ديمقراطي مستقر يُمهد لتبادل السلطة المدنية بشكل سلمي.

والتقط مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية قفاز المبادرة للإجابة على السؤال وتشخيص الأسباب وتشريح القضية من خلال ندوة «لماذا فشلت الديمقراطيات السابقة في السودان؟» التي أقيمت بمقر المركز مساء الثلاثاء الماضي، بمشاركة خبراء ومختصين وإعلاميين وناشطين ومهتمين.

غياب التوازن

وأقر الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الحاج وراق، بوجود مشكلة قيادة في الفترة الانتقالية.

وأشار إلى أن كيفية ادارة الفترة الانتقالية تُحدد شكل النظام الذي يعقبها ، وان النجاح في اقامة النظام الديمقراطي المستدام رهين لنجاحها، وقال إن التجارب الديمقراطية أجهضت لعدة أسباب منها الفكري والثقافي وكذلك  عدم التوازن بين القوى التقليدية والحديثة ، والدور السلبي للدول المجاورة .

وأكد وراق أن السودانيين ظلوا في نضال مستمر من أجل الحريات الأساسية، وأنهم ظلوا يبحثون عن نظام ديمقراطي مستدام وقدموا تضحيات هائلة للظفر به.

وأضاف: «النظام الديمقراطي هو الحل لمشاكل السودان».

وأقر بوجود تشوهات كبيرة في الأحزاب  السياسية، إلا هذه التشوهات يجب ألّا تكون لتبرير لنظم العسكرية.

وتابع: «النظام العسكري مستند على القهر لذلك هو أسوأ من الطائفية».

ونادى بضرورة أن تكون حجج تشوهات النظم الديمقراطية في السودان مدخلاً للإصلاح، وليس مدخلاً لتبرير النظم العسكرية.

 

الحاج وراق: يجب أن تكون حجج تشوهات الديمقراطية مدخلاً للإصلاح وليس مدخلاً لتبرير النظم العسكرية

تغول العسكر

وطالب وراق بالتمسك بإنجاح الفترة الإنتقالية، وقال: «إذا انهارت الفترة الإنتقالية لن يكون  السودان الذي نعرفه الآن موجودا وسيغرق في الفوضى وتنهار السلطة إلى عقود قادمة، نظرا لأن القوى العسكرية غير موحدة ولذلك يستحيل نجاح الانقلاب».

وأكد  فشل تحالف الحرية والتغيير في تقديم قيادة حقيقية لتحول الديمقراطي.

وقال: «كانت هنالك محاولة للم الشمل، عبر تكوين  مجلس شركاء الحكم ليقود البلاد سياسياً، لكنه بدلاً من القيادة تغول عليه المكون العسكري ، ويعمل تدريجياً على سحب جميع سلطات الحكم».

وأوضح أن آخر اجتماع لمجلس شركاء الحكم ناقش مشكلة الكهرباء وهي قضية تنفيذية فنية لا يمكن مناقشتها في مجلس الشركاء.

وحول قيام الانتخابات، قال إن النظام الديمقراطي في السودان ظل يؤدي لصعود القوى التقليدية   لذلك لابد من حدوث توازن بين القوى التقليدية والحديثة وذلك باتباع نظام انتخابي لا يحرم اي تيار في المجتمع من التمثيل في البرلمان وأفضل نظام لذلك هو نظام التمثيل النسبي والالتزام باللا مركزية وديمقراطية الحكم المحلي.

وأكد وراق ضعف قوى الحرية والتغيير خصوصاً في الريف، وأكد ان العبور بالفترة الانتقالية يتطلب التوافق بين القوى التقليدية والقوى الحديثة واقتناع كل التيارات على اختلافها بان النظام الديمقراطي مصلحة مشتركة للجميع، وان الدكتاتورية العسكرية على مر تاريخ السودان الحديث قمعت القوى الحديثة وقمعت الاحزاب الطائفية ولذلك نحتاج لمعادلة حكم ديمقراطي تستوعب الكل عبر التوافق.

وحذر وراق من أن الفترة الانتقالية الحالية تتحكم فيها أحزاب أقليات وتعاني من ضعف في الكفاءات والنقطة الايجابية الوحيدة فيها هي  الجمع بين العمل من اجل  السلام والتحول الديمقراطي

التدخل الخارجي

وعزا وراق تعثر الديمقراطية في السودان للتدخل الخارجي، وقال إن دول الجوار تدخلت في الشأن السوداني منذ نظام عبود وحتى نميري، وفي المرحلة الراهنة،  المحور السعودي الإماراتي المصري يدعم التحول الى نظام عسكري غير اخواني،و المحور القطري التركي والإيراني يرغب في عودة الإخوان المسلمين، واعتبر أن هذا التجاذب يمكن أن يحرق البلد.

وقال ان الحل لأزمة المحاور هو اتفاق السودانيين على عدم الاقتتال فيما بينهم ارضاء لأي محور ، و لابد من تحييد التدخلات الخارجية وإضافة مفردة السيادة الى شعارات الثورة فتصبح  «حرية سلام وعدالة وسيادة»، وأشار وراق الى ان  الغرب مع التحول الديمقراطي والحكم المدني.

وأشار إلى أن القوى الإقليمية تريد تخريب التحول الديمقراطي في السودان، وقال إن ذلك ليس في مصلحتها لأنه انهيار التجربة الديمقراطية سيغرق السودان في الفوضى وينتج عن ذلك تصدير الإرهاب الاخواني والسلفي، اما خيار المحور التركي الايراني القطري فسوف ينتج عنه نظام الإخوان المسلمين الذي سيعمل على تصدير آيدولوجيتته ونشاطه الى المحيط الإقليمي.

عقلية مفتوحة

وأوصى وراق بأن نجاح الفترة الإنتقالية وتحقيق ديمقراطية مستدامة يتطلب عقلية مفتوحة، واستنكر ما أسماه “ثقافة التوحش” في العمل السياسي وقال انها مقدمة للحرب الأهلية

ودعا وراق لقيام مجلس تشريعي يشبه السودانيين ويعبر عن القوى الاجتماعية الحقيقة.

 

شمس الدين ضو البيت: أربعة أسباب وراء فشل الديمقراطية بالسودان، والوثيقة الدستورية أعطت العسكر سلطة كبيرة

«4» مشاكل

من جانبه، حدّد القيادي بالاتئلاف الحاكم شمس الدين ضو البيت، أسباب فشل الديمقراطية في السودان في أربع مشاكل هي: المشكلة الحزبية، العسكرية، الحرب الأهلية، المشكلة الفكرية السلفية.

وقال إن القوى الحديثة تلجأ للجماهير الجاهزة، ولا تريد العمل على استقطاب جمهور خاص بها، وهذه  واحد من أمراض الحركة السياسية السودانية.

وأضاف: «الأحزاب كانت ضعيفة جدا في التكوين الديمقراطي سواء تقليدية أو حديثة».

وتابع: «قالب الإخوان المسلمين لم يكن يتأقلم مع السودان ولم يكن له بعد ديمقراطي ».

وأشار ضو البيت إلى أن المشكلة العسكرية ليست جديدة وموجودة على مستوى التاريخ بوجود تيار المدرسة الحربية وتيار مدرسة غردون.

وأكد أن الوثيقة الدستورية أعطت العسكر سلطة كبيرة، ولابد من تواصل مع المؤسسة العسكرية لإيجاد حل لمشكلة الانتقال للخروج بالبلاد إلى بر الأمان.

وحمّل ضو البيت الحرب الأهلية مسؤولية ضعف الديمقراطية، وقال إن الحرب الأهلية هي السبب المباشر في فشل الديمقراطية بالسودان.

وأضاف: «العسكر استغل الوضع الأمني غير المستقر لإجهاض الديمقراطية»..

ووصف التغيير الذي حدث بعد ثورة ديسمبر  بالفرصة الجيدة  للوصول إلى سلام شامل.

وأوضح أن الفكر السلفي فكر غير ديمقراطي وأشار لضرورة الإصلاح الديني لتجاوزه

وقال إن مفهوم الحاكمية الذي جاء مع الحكم التركي المصري في العام 1921م يفرض على المجتمع تطبيق الشريعة الإسلامية حتى لو اقتضت الضرورة فرضه بالقوة.

روشتة للحل

وقدم ضو البيت روشتة لحل مشكلة الحكم في السودان، وقال إن الحل يكمن في تنظيم القوى الاجتماعية الجديدة.

وأضاف: «على ⅚ القوى الجديدة أن تنظم نفسها لاحتلال كامل الفضاء السوداني».

وأشار إلى أن القوى التقليدية لن تستطيع إنفاذ العقد الإجتماعي الجديد ، وتابع بأن القوى الجديدة هم الذين يحملون جينات التغيير والعقد الإجتماعي الجديد يخرج البلد من الحرب والتخلف إلى الأمام.

وقال إن مشكلة الأحزاب مربوطة بالإصلاح الحزبي. وأضاف بأنه بعد ثورة ديسمبر جهد الإصلاح الحزبي كبير جدا.

د. عمر القراي: معظم المثقفين السودانيين خائفون على ذهاب المكاسب لذلك لم يتبنوا التوعية

عدم معرفة

من جهته، قال مدير المركز القومي للمناهج السابق د. عمر القراي، إن الشعب السوداني لا يعرف الديمقراطية، رغم أن النظام الديمقراطي هو الوحيد الذي يحقق كرامة الإنسان.

وأوضح أن الأشخاص في القطاع التقليدي، لا يعتقدون أن كرامتهم تتحقق بالديمقراطية، لأن فهمهم الديني يرى أن الإسلام ليس فيه ديمقراطية أو اشتراكية.

وأكد أن المشكلة ليست في القطاع التقليدي ولا حتى في جمهور الطائفية، وإنما في الحركات الإسلامية السلفية التي استغلت الطائفية وجمهورها عبر تاريخ السودان.

واتهم حركات الإخوان المسلمين بطرح الدستور الإسلامي، وحل الحزب الشيوعي السوداني، والقوانين الإسلامية، على الطائفية وهي تتبعها في ذلك، لأنها ليس لديها فكر وهذه خطورة القطاع التقليدي.

وقال إن الشريعة الإسلامية تحتاج لفهم جديد لمواجهة نصوصها وتجاوز أحكامها المرحلية، وهذا الأمر لا يمكن للمثقفين السودانيين القفز عليه.

وطالب بمواجهة النهج السلفي من داخل نظام الإسلام نفسه.

واتفق القراي، مع الحاج وراق حول وجود طمع في الحكم وخوف، وقال «الخوف والطمع وجهان لعملة واحدة، المثقفين السودانيين معظهم خائفون على ذهاب المكاسب لذلك لم يتبنوا التوعية في مواجهة الصور المتخلفة التي  تقتضي التضحية، وهذه مشكلة التغيير في السودان».

رشا عوض: مشكلة الديمقراطية في السودان أنها كائن مغترب عن الوعي الفكري والسياسي

كائن مغترب

بدورها، تخوّفت رئيسة تحرير صحيفة «التغيير» رشا عوض، من أن تكون الديمقراطية صعبة المنال في السودان.

فيما نبهت إلى أن الديمقراطية نظام يهدف إلى التعايش السلمي والإيجابي بين الاختلافات الفكرية مها كانت عميقة، قالت إن مشكلة الديمقراطية في السودان أنها كائن مغترب عن الوعي الفكري والسياسي.

وأضافت رشا: «غربة  الديمقراطية عابرة للمرجعيات الفكرية التي شكّلت التيارات السياسية في السودان».

وأكدت وجود رفض ايدولوجي للديمقراطية في الفكر السلفي، والتيارات الحديثة التي تبنت مرجعيات ماركسية سياسية أو قومية عربية .

واضافت عند الإسلاميين الشريعة الإسلامية مقدمة على الديمقراطية، وعند الماركسيين الحقوق الاقتصادية والإجتماعية مقدمة على الحريات المدنية والسياسية.

ثورة ديسمبر

وذكرت أن الجميع يستبطن مشاريع وصاية على المجتمع وفكرة إقصائه وهذا هو السبب، «أنه حتى الآن لم نتفهم طبيعة النظام الديمقراطي القائمة على التسويات التوافقية والاعتراف والقبول المتبادل والاختلافات».

وقالت رشا إن جميع الأيديولوجيات تعتقد أن ثورة ديسمبر قامت من أجل تحقيق الفكرة الموجودة في أدمغتهم.

وأضافت: «لو نظرنا للجماهير التي خرجت في الثورة تشمل جماهير الأحزاب التقليدية والشباب والنساء».

وتابعت: «سبب انتصار ثورة ديسمبر أن جميع جماهير الشعب السوداني توحدت خلفها وتوّحدت في هدف معين إسقاط النظام الاستبدادي».

وزادت: «إذا أردنا لحظة عبور تاريخية جديدة تتطلب توحيد الهدف».

وأردفت: «الهدف الذي يمكن أن يتوحد خلفه السودانيون هو الانتقال إلى أرضية الديمقراطية التعددية، وأي فكرة غير هذه لن توحد السودانيين».

واستطردت: «ندرك أن الانتقال يمر بمخاض عسير ويستغرق زمناً طويلاً، ومن وسائل توطين الديمقراطية المجتمع المدني والمناهج التعليمية حسب فكرة الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوي».

وقال: «من بديهيات الديمقراطية وجود جيش وطني يخضع لسلطة مدنية، وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية عابرة للأحزاب والتيارات تضم أصحاب المصلحة في التغيير للعمل والضغط من أجل تحقيق مثل هذا الهدف، كذلك الدستور المدني الديمقراطي يحتاج لمعارك فكرية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى