أعمدة ومقالات

محللون..!

محمد وداعة

ما وراء الخبر

محمد وداعة

محللون..!

منذ انتصار ثورة ديسمبر وانتهاء حقبة نظام البشير، انتشر في وسائل الإعلام وخاصةً القنوات الفضائية عدد من الشخصيات الإعلامية تتم استضافتهم للتعليق على الأحداث أو تقديم تحليلات للأخبار بصفة محلل سياسي، وأحياناً يتم تقديمهم أو يقدمون أنفسهم بصفة خبراء، يتحدثون بإسراف عن قضايا لا يمكن أن يكونوا خبراء فيها أو في مقدورهم تحليل ما يحيط بها، مثل ملف سد النهضة أو الوضع على الحدود السودانية الإثيوبية، أو حتى ملف السلام وتعقيداته وخفاياه، فيرسلون الحديث دونما تدبر لعواقبه أو تأثيراته.

في الأسابيع الماضية تحدث زملاء كثيرون عن موضوع سد النهضة، ولست أدري المرجعيات التي اعتمدوا عليها في قول ما يقولون، وبالتأكيد الموضوع لا يحتمل الرأي الشخصي، فكل ما يصدر في ملف سد النهضة لديه راصدون، يعملون على وضع تصورات للتكهن بردود الافعال الشعبية أو الحكومية، والتي كانت أحاديث محللينا جزء من صناعة الرأي العام فيه أو حوله.

المؤسف حقاً أن العديد من المداخلات تزخر بمواقف تعبر عن هشاشة الوضع السوداني الاستراتيجي

وبالرغم من أن المحاور يستفسر بعلمية وجدية، إلا أن الإجابة تأتي دائماً بعيدة عن السؤال، وتزيد من غموض الموقف أو سيولته، والمؤسف حقاً أن العديد من المداخلات تزخر بمواقف تعبر عن هشاشة الوضع السوداني الاستراتيجي، وعدم الاستناد على مرجعية وطنية لملفات خطيرة مثل ملف سد النهضة، المسؤولون الحكوميون مواقفهم متباعدة وأحياناً متضاربة، وأحياناً كثيرةً لا تخدم المصلحة الوطنية، ذلك ربما لأن موضوع سد النهضة لم تضع له الحكومة أي رؤية استراتيجية، ولا يوجد موقف تفاوضي محدد، ولذلك وبعد أن (وقعت الفاس في الراس) تراجع السيد وزير الري ومن معه من موقف المتحمس لسد النهضة لدرجة التغزل فيه، إلى موقف الصراخ والفزع من مخاطر السد، وكأن هذه المخاطر كانت في علم الغيب.

المسؤولون الحكوميون مواقفهم متباعدة وأحياناً متضاربة، وأحياناً كثيرةً لا تخدم المصلحة الوطنية

التحليل السياسي أيها السادة هو عملية بحثية غير قطعية للاحتمالات أو المسارات التي تسلكها أي تفاعلات ذات علاقة طردية أو عكسية، وهذا لا بد ان يستند على معلومات واسعة وتاريخية، يمكن من خلالها الربط بين الوقائع والأحداث والظواهر، لخلق علاقة بين المخرجات السلبية والإيجابية،  واضعين في الاعتبار التأثيرات والمصالح الدولية  والتدخلات الخفية والعلنية، وبهذا فإن التحليل يتخطى سرد الوقائع بظروفها الزمانية والمكانية إلى محاولة التنبؤ بالمستقبل، ومفاتيح ذلك هي ماذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟.

بهذا فإن التحليل السياسي، هو أحد أهم مدخلات صناعة الرأي العام، وأحياناً كثيرة أحد أهم مرتكزات صناعة واتخاذ القرار، ومن هنا تتأكد خطورة ما ينسب إلى بعض المتحدثين بصفتهم محللين أو خبراء، مع ملاحظة بروز ظاهرة جديدة من محللي التسطيح الذين يلوون عنق الحقائق، يزينون الباطل، ويجملون القبيح.

من هنا ادعوا الجهات التي يعنيها الأمر إلى تبني برامج وطنية وورش عمل وندوات تتناول القضايا الاستراتيجية، تعتمد توصيات ودراسات وطنية متفق عليها  في كل مجال كمرجعيات للمحللين والمتحدثين في الأجهزة الإعلامية، وتدريب المفاوضين وتمليكهم فنون وأساليب التفاوض.

نشر بالحراك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى