تقارير وتحقيقات

السودان و«سد النهضة».. تحول المواقف ومخاوف ضياع المكاسب

تحول كبير شهده موقف السودان تجاه قضية سد النهضة، من خانة الترويج الواسع للإيجابيات إلى التخوف الكبير من الأضرار والسلبيات، الأمر الذي اختلف حوله المراقبون، ما بين مؤيد لتغيير الموقف للمصلحة الوطنية، ومتخوف من ضياع مكاسب السد!!.

التغيير- الفاضل إبراهيم

دخلت المفاوضات حول الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي، نفقاً مظلماً بعد فشل الجولة الأخيرة التي أقيمت بعاصمة الكونغو الديمقراطية كينشاسا.

ويوماً بعد آخر تتعقّد القضية حيث تحوّل الحديث عن المكاسب والفوائد إلى صراع سياسي بين السودان وإثيوبيا ومصر، لدرجة التلويح بالحرب.

فيما ردت إثيوبيا بأنها لن تشارك في مفاوضات تحرمها من حقوقها الحالية والمستقبلية في مياه النيل.

وكان الجدل في السودان، منحصراً الفترة الماضية حول السلبيات، خاصة خلال حقبة النظام البائد، إذ أن معظم الآراء كانت تروج للإيجابيات.

لكن تحوُّل موقف السودان خلال عامين من عمر الحكومة الانتقالية، فسره البعض بأنه موقف سياسي لصالح مصر، بيد أن فنيين أكدوا أن الموقف قائم على المصالح الوطنية.

إيجابيات

من الايجابيات التي يتحدث عنها المختصون لسد النهضة وقف الفيضانات المدمّرة من مياه النيل الأزرق، وتعدّد الدورات الزراعية «من دورةٍ واحدةٍ إلى دورتين» وانتظام وزيادة توليد الكهرباء من السدود السودانية بنسبة «30%».

سلبيات

ويقول مختصون إن هناك آثارا سلبية تتمثل في انخفاض منسوب النيل ما يكلف طاقة كهربائية أكبر، بالإضافة لحجز الطمي وحرمان السودان من الزراعة الطبيعية في أطراف النيل وتضييق مساحة الأراضي، كما يُمثِّل خطراً جزئياً على الثروة السمكية.

ضغط أمريكي

التحول في مواقف السودان، الذي برره خبراء بالمصلحة الوطنية، كان لدى الخبير الأمريكي في الشؤون الأفريقية أليكس دي وال تفسير آخر له، إذ كشف عن تعرض الخرطوم لضغوط أمريكية لتميل إلى الموقف المصري.

دي وال ذكر طبقاً لـ«بي بي سي» في يناير الماضي، أن حجر الأساس للدبلوماسية المائية لوزارة الخارجية الإثيوبية كان عبارة عن شبكة من التحالفات مع دول المنبع الأفريقية الأخرى بهدف تحقيق اتفاق شامل متعدد البلدان بشأن تقاسم مياه النيل.

وقال: «كان السودان في المعسكر الأفريقي حيث كان من المقرر أن يستفيد من سد النهضة من خلال التحكم في الفيضانات وزيادة مياه الري وتوفير كهرباء أرخص».

وأضاف في موضع آخر: «كان السودان ثالث دولة تمت دعوتها للتفاوض في العاصمة الأمريكية واشنطن، وبسبب تعرض الخرطوم للضغط الأمريكي لأنها كانت بأمس الحاجة إلى أمريكا لرفع العقوبات المالية التي كانت مفروضة عليها عندما تم تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب عام 1993، مال السودان إلى الموقف المصري».

عثمان التوم

تقسيم المياه

وأكد الخبير في مجال المياه، الوزير السابق للري د. عثمان التوم، أن مطلب إثيوبيا بتقاسم مياه النيل خلال مفاوضات الكونغو الأخيرة ليست له علاقة بطبيعة المفاوضات، حيث لم يرد تقسيم المياه في اتفاق إعلان المبادئ الموقع بالخرطوم 2015م، كما أن سد النهضة لتوليد الكهرباء وليس للزراعة.

وقال إن هذا الحديث غير واقعي وطرحه في المفاوضات الخاصة بالملء الثاني للسد بهذه الطريقة يصبح قضية سياسية.

وأضاف بأنه حتى إذا مُنحت إثيوبيا مياهاً لن تستطيع تخزينها والاستفادة منها لطبيعة النيل الأزرق، وحتى إذا أرادت بيعها لن تستطيع لأن المياه مندفعة نحو السودان من موقع قريب «15 كلم متر»، ويمكن حتى للسودان رفض شراءها.

مقدرات إثيوبيا

وحول مقدرة إثيوبيا على الملء الثاني دون موافقة مصر والسودان، قال التوم إن العملية ليست سهلة حتى من الناحية الفنية «هناك حائط أوسط يجب رفعه لحد معين خلال الأشهر القادمة بما يسمح بالتخزين وتمرير المياه، ولو نجحت إثيوبيا في ذلك قبل الفيضان القادم ستتمكن من بدء الملء الثاني للبحيرة».

ويعتقد أن عملية البناء نفسها معقدة فنياً والتأخير فيها يكلف إثيوبيا خسائر قد تصل لمليار دولار، وكان من الأفضل لإثيوبيا بدء إنتاج الكهرباء.

تدابير احترازية

وأوضح التوم أن السودان استعد للأضرار التي يمكن أن تقع جراء الملء الثاني دون موافقة أو تنسيق، بتكوين مجموعة عمل متخصصة قامت بنماذج لتقليل المخاطر وقدّمت توصيات للجهات العليا.

وذكر أن أبرز التوصيات التأثير السلبي المتوقع بنقصان المياه والذي سيتأثر به التوليد المائي في السدود السودانية والرصيرص وجبل أولياء في يونيو ويوليو المقبلين، كما تتأثر الزراعة في مناطق نهر النيل.

وأكد أن المجموعة المختصة سلّمت هيئة مياه الخرطوم تصورها في هذا الجانب.

احمد المفتي

تحويل المسار

من جانبه رسم الخبير في مجال المياه والقانون د. أحمد المفتي، صورة قاتمة لمفاوضات سد النهضة.

وقال لـ«التغيير»: «المفاوضات الفنية انتهت تماماً بعد أن ظهرت متغيرات جديدة خلال مفاوضات كينشاسا الأخيرة التي باءت بالفشل بعد ظهور مصطلح جديد لم يكون موجوداً طوال 10 سنوات من التفاوض وهو مصطلح تقسيم المياه بدلاً عن مصطلح الملء الثاني لبحيرة السد وإنشاء السد من أجل الإنتاج الكهربائي».

غير واقعي

وأكد المفتي أن الحديث عن فوائد للسد أصبح أمراً غير واقعي في ظل هذه التطورات.

وقال: «بعد إكمال السد سيكون بمثابة قنبلة مائية خطورتها كالقنبلة الذرية تهدد الأمن القومي السوداني».

وأضاف بأن إثيوبيا حالياً تقوم ببناء منظومة سدود تخزن «200» مليار متر مكعب من المياه في العام.

وتابع بأن إثيوبيا تجاوزت أمر الملء الثاني، وقررت فعلياً المضي قدماً بصورة منفردة بعد أن نجحت في خداع مصر والسودان طوال هذه السنوات بأن الملء الثاني سيخضع للتفاوض، والآن قفزت فوق ذلك لتقسيم المياه بعد أن جعلت أمر الملء واقعاً يجب أن يجد له السودان ومصر الحل.

واعتبر أن اتجاه إثيوبيا للملء الثاني يدخل دول المنطقة في المواجهة الشاملة التي أصبحت شراً لابد منه، إلا إذا تدخل مجلس الأمن وأوقف اكمال بناء السد لحين التوصل لاتفاق ثلاثي.

عصام صالح

الاحساس بالخطر

من جهته، قال الباحث في مجال المياه عصام صالح، إن قيام السد يعتبر من أكثر المشاريع المائية التي أثارت جدلاً سياسياً على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة بين الدول صاحبة المصلحة.

وأشار إلى المفاوضات والمباحثات التي استمرت طويلاً بالخرطوم والقاهرة وأديس أبابا ومؤخراً واشنطن ولم تتوصل لحلول توافقية لقضية الملء الثاني.

وقال: «لذلك بدأ ينتاب الحكومة شعور بالخطر خاصة بعد إعلان وإصرار الدولة الإثيوبية على الملء الثانى لبحيرة السد في يوليو المقبل والتي تبلغ 13.5 مليار متر مكعب من المياه دون التوصل الى اتفاقية فنية وقانونية».

وأشار إلى ما حدث في الملء الأول العام الماضي من تأثيرات سالبة بالبلاد مما يُعد تهديداً للأمن القومي السوداني.

اشكاليات فنية وقانونية

وذكر عصام أن جميع المباحثات والمفاوضات السابقة لم تتوصل لحلول توافقية للقضايا التي تتمثل في الإشكاليات الفنية والقانونية.

وفي مقابل ذلك، تطالب إثيوبيا بتقسيم الاتفاق إلى شقين؛ الأول للملء والثاني للتشغيل وطلبها بإدراج تقاسم المياه، كما تشمل القضايا الخلافية إعلان إثيوبيا الملء الثاني للبحيرة في يوليو المقبل بشكل أحادي دون التوصل إلى اتفاق ملزم وقانوني مع السودان ومصر.

بابكر برسي

صعوبات التفاوض

بدوره، قطع المحلل الاقتصادي بابكر برسي، بصعوبة توقع مآلات المفاوضات بعد فشل جولة كينشاسا.

وقال: «للأسف الشديد إثيوبيا نجحت في كسب الوقت واستندت على اتفاق المبادئ الذي نص على حل الخلافات بواسطة الرؤساء وليس الوسطاء».

وأضاف بأن الرؤساء في النهاية سيلجأون للفنيين الوزراء الذين كانوا جزءاً من المفاوضات، وبالتالي لن يكون هنالك جديد.

خيارات محدودة

وقال برسي لـ«التغيير»، إن أمام السودان ومصر خيارات محدودة من ضمنها اللجوء لمجلس الأمن لإيقاف العمل في السد والحيلولة دون الملء الثاني للسد، وقد جربت مصر ذلك، ولكن المجلس أعاد القضية لمجلس السلم والأمن الافريقي.

وأضاف: «حتى لو أخضع مجلس الأمن القضية للتصويت فإن الصين وروسيا ستصوتان لصالح إثيوبيا».

أضرار

وأوضح برسي أن الملء نفسه كعملية فنية متفق عليه منذ مفاوضات واشنطن بتخزين «13.5» مليار متر مكعب في العام من مياه النيل الأزرق التي تبلغ «50» مليار متر مكعب ولكن الخلاف في كيفية الملء وكمية المياه والتوقيت.

وأوضح أن السودان تحسب للأمر حال عدم الاتفاق وبدأ تخزين مليار متر مكعب في سد الروصيرص لتزويد المشاريع الزراعية الكبيرة بالمياه، وفي المقابل تم تقليل التوليد الكهربائي المائي حالياً، لكن هذه الكمية لن تكفي لاكثر من شهر لذلك يحتاج السودان لمعرفة تفاصيل هذا الملء في المستقبل ومن ثم برمجة السدود بالبلاد.

فوائد الكهرباء

وأكد برسي أن السودان سيستفيد من السد الإثيوبي مستقبلاً من خلال شراء الكهرباء، فإثيوبيا أصلا شيّدت السد لبيع الكهرباء للسودان وجنوب السودان والصومال وكينيا وليس لها خيار آخر، وهي حاليا تمد السودان بـ«180» ميغاواط، والحديث عن إيقاف هذه الكمية غير صحيح، وكل الذي حدث أن هنالك عطب أصاب الأبراج خلال الحرب الإثيوبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى