أخبارتقارير وتحقيقات

بعد عامين من الإطاحة بالبشير.. عقبات أمام تحقيق أهداف الثورة

تمر اليوم ذكرى عامين على سقوط نظام عمر البشير، فبأي حال عادت الذكرى على السودانيين الذين خرجوا إلى الشوارع وسقفهم السماء.

الخرطوم: علاء الدين موسى

من ظُلمة الخفاء إلى نور العلن، رويداً كشُعاع خجول قرر التنصل من العتمة والظلام، خرجوا والشمسُ في أوجها، مطالبين بالحرية والعدالة والخبز والكرامة، في وقت ما كان لغيرهم أن يجرؤ، للمطالبة بذلك خاصة وان الثمن باهظ التكاليف.

شباب فيّ مُقتبل اعمارهم، كانوا يخرجون في مسيرات ومواكب بعضها ليلي وبعضها نهاري، منهم من يتجه صوب الشارع العريض، ومنهم من يلوذ بمبنى مهجور قديم وشقة مُتهالكة يختبئ فيها ليُخاطب شعبه المكلوم صبراً.

بين شرارة الثورة الأولى وانطفاء نار الانقاذ وموت شمعتها وذبول شجرتها وتلاشي قياداتها، وفي الفترة بين ديسمبر وابريل، اصطفت كل مكونات الثورة، لتتمكن من اقتلاع رأس النظام والتحفظ عليه في مكان أمن، كما أخبر مخلوع أخر بعد أقل من 24 ساعة، من إعلان التنحي، لم تشفع لهم في ذلك كتائب الظل القاتلة والباطشة.

محاصصات

سرعان ما اصطدمت أحلام الشعب السوداني بأطماع النخب الحاكمة التي تمثل عقبة أمام الانتقال التحول الديموقراطي، بدلاً من أن تراعى تشكيل حكومة تكنوقراط، إلا أنها عمدت على تشكيل حكومة محاصصات حزبية، لم تفلح في معالجة مشكلات السودانيين الملحة، المتمثلة في تردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة، التي دفعت العديد من السودانيين، إلى الخرطوم في الشارع في عدة مناطق من البلاد، أهمها العاصمة.

 ارتباك وبطء

ويحسب القيادي بالائتلاف الحاكم معز حضرة ، فإن المشهد بعد الإطاحة بالمخلوع بدا مرتبك ولا توجد رؤية واضحة لحل المشكلات.

ويقول حضرة لـ”التغيير” هنالك بطء وضعف في كافة المجالات، ورئيس الوزراء بعد أن تخلص من مكتبه القديم خرج لشارع وأصبح يزور بيوت الشهداء وله تحركات في الشارع.

ويضيف: “ولكن بعد عودة الطاقم القديم لمكتبه وتوقف الحراك، فذلك يعطي دلالات سالبة بأن مكتب حمدوك به وجوه كثيرة غير مرغوب فيها”.

وتابع: “هذا لا يصب في مصلحة المرحلة الانتقالية لتحقيق أهدافها”.

الشرارة

وعلى الرغم من أن انطلاق شرارة ثورة ديسمبر كان على خلفية ضنك العيش، وغلاء المعيشة وأزمة الوقود، التي ابتدرها من لا يملكون قوت يومهم من طلاب المدارس في الدمازين وعطبرة من أهل الولايات، ولكن سرعان ما أبحر شراع زورقها الشهير ليرسو (مؤقتاً تحت أقدام القوى العسكرية النظامية والشواطئ التي تهيم فيها النخب السياسية المعروفة بـ “قوى إعلان الحرية والتغيير”، برفقة “الوجوه الجديدة” التي ورثت الثورة في شكل مناصب ووزارات، وبإشراف من الرعاة الإقليميين.

وبعد أن كانت الثورة تكابد آلام المخاض وتتغذى عبر تجمع المهنيين وروافد أخرى مختلفة، إلا أنها الآن اصبحت حكومة كاملة الدسم، قامت على أكتاف شباب قدموا ارواحهم فداءً لهذه الثورة حتى تحقق الحلم و أصبح واقعاً، وتبدل حال السودانيين من حالٍ إلى حال.

تردي الخدمات

ورغم تفاؤل كثير من السودانيين، بتحسن أوضاعهم المعيشية والاقتصادية، بعد سقوط نظام الإخوان، والبشريات برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق، بل زاد الأمر سوءً، وحدثت زيادة مضطرده في أسعار السلع والخدمات، التي تشهد تردى واضح في جميع الخدمات، في مقدمتها الكهرباء التي ينقطع تيارها لأكثر من 12 ساعة في اليوم، الأمر الذي دفع بكثير من السودانيين للخروج إلى الشارع للاحتجاجات.

صعود الانتهازين

بحسب القيادي بالحزب الشيوعي صدقي كبلو، أن الحكومة الانتقالية وطوال عامين بعد سقوط البشير، لم تحقق أهدف الثورة التي صعد على اكتافها الانتهازين.

وقال كبلو لـ”التغيير” أن الحكومة الانتقالية حادت عن الطريق الذي رسم لها.

وحمل صدقي الحكومة مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية، باتباعها سياسات صندوق النقد الدولي التي افقرت المواطن، وطالب بضرورة إدخال الشركات العسكرية التي تمثل أكثر من 80% من الأنشطة الاقتصادية في ولاية وزارة المالية.

وقال: “إذا لم يتم ادخال لوزارة المالية لن ينعدل الاقتصاد وينمو”، ومؤكداً فشل الحكومة في تحقيق شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، وعدم تقديم المطلوبين للعدالة أو التوصل للجناة الحقيقين في مجزرة فض اعتصام القيادة.

سلام صوري

لم تنجح الحكومة في أي من الملفات، حيث يشهد الملف السياسي تردي مماثل لتردي الذي شهده الاقتصاد، حيث لم تفلح الحكومة في تحقق سلام شامل يخاطب جذور المشكلة، بل أدى إلى مزيد من الخلافات، خاصة وأن هنالك بعض المسارات لم يتم حسم أمرها بعد.

إضافة إلى أن ما اتفقت عليه الحكومة في سلام جوبا لم يتم تنفيذه حتى الآن، خاصة ملف الترتيبات الأمنية الذي يعمل على دمج الجيوش في جيش وطني واحد، يعمل على ايقاف الاقتتال والتفلتات الأمنية التي تشهدها عدد من ولايات السودان والتي راح ضحيتها المئات من الشهداء.

ويرى الناطق الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، محمد عبد الرحمن الناير، إن اتفاق سلام جوبا قام على أسس ومنهجية خاطئة تم تجريبها مراراً ولم تحقق السلام المنشود، وانتهت بمناصب للموقعين وظلت الأزمة ماثلة.

وقال الناير لـ”التغيير” إن معظم الموقعين على اتفاق جوبا وقعوا اتفاقيات سابقة مع النظام البائد، واصبحوا جزءاً من الحكومة ولم يحققوا سلاما ولا استقراراً بالسودان

وأضاف: ” بل اعطوا شرعية زائفة للبشير، فكيف لهم أن يحققوا السلام بالسودان باتباع نفس المنهج القديم”.

تعثر الأداء

ورغم الاخفاقات الواضحة للعيان إلا أن البعض يرى أنه من الصعوبة أو الاجحاف الربط بين تعثر الأداء الحكومي وضعف الحاضنة السياسية.

لكن المتابع للأحداث يرى كيف أن بعض الشباب أصبح يهاجم قوى الحرية والتغيير، ويراها عجزت عن تحقيق اي من مطالب الثوار، سواء فيما يتعلق بالعدالة والقصاص للشهداء أو تحسين الوضع المعيشي و الاقتصادي.

غياب العدالة

ويقول عضو لجان المقاومة بأبوكدوك والعباسية أحمد محمد ضاحي إن شعارات الثورة التي ضحها من أجلها الشهيد عبد العظيم ورفاقه لم تتحقق على الأرض.

وأوضح ضاحي لـ”التغيير” أن العدالة لم تزل غائبة بعد مرور عامين من الثورة بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع ونظامه الاستبدادي.

وأكد أن لجنة نبيل أديب غير جديرة بارجاع حقوق الشهداء الذين فقدوا ارواحهم في فض اعتصام القيادة العامة.

الدولة العميقة

‏‏‏‏ويقول د.صلاح الدومة أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، إن الخلاف بين المكون المدني والعسكري ساعد في التدهور الذي تشهده الحكومة الانتقالية بعد عامين من سقوط المخلوع.

وأشار الدومة لـ”التغيير” أن الخلاف بين المكونات بدأ يظهر لسطح بعد تكوين رئيس مجلس السيادة الانتقالي البرهان لمجلس الشركاء بصلاحيات واسعة، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليتم إلغاء صلاحيات المجلس.

وأوضح أن الخلاف ما زال قائماً من خلال عدم الاتفاق حول كثير من القضايا المصيرية، وأن كلا الطرفين يريد بالسيطرة على المشهد وإقصاء الاخر وهذا سيؤدى لمزيد من الانقسام والتشتت.

وأكد أن هذا الانقسام ساهم في سيطرة الدولة العميقة على السوق مما أدى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وزاد من معاناة المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى