أعمدةأعمدة ومقالات

في نعي “وزارة مالية الثورة” لـ”عرّاب الانقاذ الاقتصادي”

إيهاب خيري
لم يكن مستغرباً أن يثير نعي وزارة المالية لأحد وزرائها السابقين، عبد الرحيم محمود حمدي، كل هذه الضجة.
حمدي، رحمه الله، لم يكن مجرد وزير للمالية في عهد الانقاذ، فقد عُرف بأنه “عرّاب السياسة الاقتصادية” لحكم الإسلامويين في السودان، خاصةً في سنواته الأولى.
كذلك، فإن وزير المالية الحالي، دكتور جبريل إبراهيم، ليس مجرد وزير للمالية، فقد جاء إلى الوزارة بإرث معلوم في الحركة الإسلاموية، التي كان حمدي من قادتها، وعبر مسيرة طويلة في “تأبط السلاح” لتحقيق أهداف سياسية.
1- إجرائياً: صدر النعي عن وزارة المالية، متضمناً أسماء وكلاء الوزارة، في حين أن نعي وزير مالية آخر، صدر عن رئاسة مجلس الوزراء والمجلس السيادي، فما سبب الاختلاف في مصدر النعي الحكومي؟ ولا القصة “حسب التساهيل… وتلك رجل، وهذه كُراع”؟! وما هي معايير إصدار “النعي الحكومي” أصلاً؟
الصورة المرفقة لحمدي مع نعي وزارة المالية، تعود لمشاركته في ملتقى “برعاية الاستاذ علي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية”، كما يُقرأ في ملصق دعائي في خلفية الصورة… فعن أي “معايير أو حساسية سياسية” يمكن الحديث؟!
2- دون أي سعي للمقارنة بين الراحلين:
– لم يثر نعي إبراهيم منعم منصور (تولى الوزارة من 10 مايو 1973 إلى 25 يناير 1975، ومرة ثانية من 24 نوفمبر 1981 إلى 24 ديسمبر 1984) أي ضجة، إن لم أقل إنه قوبل بالترحيب والشكر والتقدير. ربما كان ذلك لأن “الناظر”، رحمه الله، عُرف بأنه من التكنوقراط وكتاباته المُقدرة في الجانب الاقتصادي والتوثيقي، رغم أن الفترة الثانية التي تولى فيها الوزارة مثلاً شهدت ضائقة اقتصادية ومعيشية أدت، مع عوامل أخرى، لإسقاط نظام مايو بثورة شعبية مدعومة عسكرياً، بعد 4 أشهر من تركه للوزارة.
– أما حمدي فهو معروف بانتمائه للإخوان المسلمين، ودوره المحوري في تعزيز “الاقتصاد الإسلامي” ودور البنوك الإسلامية، فضلاً عن طريقته الصادمة والساخرة في التعبير عن آرائه ومواقفه.
3- من أشهر ما ارتبط بحمدي، وجعله محط لعنات الكثيرين، ما عُرف بـ”مثلث حمدي”، والذي يقول عنه هو نفسه: “هو عبارة عن خطة انتخابية للمؤتمر الوطني … اقترحت أن يتم التركيز على المناطق التي بها سبق وكسب مثل مناطق الشمال السوداني والخرطوم والشرق هي المناطق التي كانت بها دوائر للمؤتمر الوطني”، أي أن الموضوع لا علاقة له بتركيز التنمية في مناطق بعينها، كما اشتهر عن “مثلث حمدي”، الذي جلب له اللعنات ووسمه بالعنصرية.
4- حسب الأنباء، فقد توفي حمدي في منزله بشمبات، أي داخل السودان. ومنذ سقوط البشير قبل عامين لم توجه له أي تهمة بسوء الإدارة المالية، رغم أن الكثيرين يرون أنه “مدمر الاقتصاد السوداني” وراعي “حملات بيع مؤسسات القطاع العام والفساد الذي صاحبها”، فهل يعني ذلك أن الخلاف معه اختلاف في الرؤى والتوجهات فقط؟ كثيرون اختلفوا مع حمدي وسياساته، وعبروا عن ذلك، لكني لم أجد، خلال عامين، اتهاماً لحمدي بضلوع في فساد خلال فترة الانقاذ خاصةً ما يتعلق بالفساد المتعلق ببيع مؤسسات القطاع العام، فلماذا تحول هذا الموضوع لمجرد “حكايات”؟ هل هناك ملف خاص ببيع مؤسسات القطاع العام؟
5- يقول نعي وزارة المالية: “عبدالرحيم حمدى من الاقتصاديين الذين وضعوا بصمةً فى مسيرة الاقتصاد السوداني. وقد شهدت له وزارة المالية فى عهده بحسن الإدارة فى وضع السياسات الرشيدة و القرارات الحكيمة”.
من أبرز هذه السياسات والقرارات “الرشيدة والحكيمة” للمرحوم حمدي خلال توليه الوزارة للمرة الأولى (10 أبريل 1990 إلى 30 أكتوبر 1993) والمرة الثانية (24 فبراير 2001 إلى 7 مايو 2002)، نذكر: سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة، بما شمله من جمع للعملة من المواطنين وتغييرها (= لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية، والخطوة نفسها كانت مطلباً مُلِحاً للكثيرين بعد إسقاط البشير لأهداف مشابهة).
هل هناك فرق كبير بين السياسات التي أطلقها حمدي في تسعينيات القرن الماضي، وسياسات التحرير الاقتصادي التي تنفذها “حكومة الثورة” الآن؟
السؤال موجه لمن يرغب في تناول الشأن الاقتصادي، أي “معيشة الزول”، وهي مقصد المهتمين بالشأن العام، بعيداً عن أي “شخصنة”.
وليرحم الله السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى