تقارير وتحقيقات

منصور خالد.. في ذكرى صاحب المواهب المتعددة والمثير للجدل

مازج الفكر والسياسة

في الذكرى الأولى لرحيل صاحب المواهب المتعددة، المثير للجدل د. منصور خالد، نحن هنا لنتذكر كيف عمل وزير الخارجية الأسبق والمؤرخ السياسي، على تنزيل أفكاره على أرض الواقع. 

الخرطوم: التغيير

بهدوء شديد، مرت -قبل أربعة أيام- الذكرى الأولى لرحيل المفكر والدبلوماسي والسياسي البارز د. منصور خالد.

وغيب الموت منصور خالد، يوم 22 أبريل 2020، بالعاصمة السودانية، الخرطوم، عن عمر ناهز 89 عاماً قضى جلها في تصحيح وتقويم مسيرة السودانيين، والدعوة لإقامة السودان الجديد، الذي ظلَّ يُنظر له ويسعى لتأسيسه بكافة الطرق، بما فيها الانتظام في سلك السياسة والحركات حاملة السلاح.

وبجانب عدد كبير من الأسفار والمقالات، حفلت مسيرة منصور خالد بمحطات سياسية ودبلوماسية مهمة، علَّ أهمها مساهماته في إنجاز اتفاق السلام الشامل (نيفاشا 2005).

وأنهى اتفاق السلام الشامل (يونيو 2005)، الحرب الأهلية في جنوب السودان، وفتح الطريق على مصراعيه لتأسيس مرحلة جديدة، فوتها النظام البائد -كعاداته- بنظرة فوقية ضيقة، لم تهدر السانحة وحسب، وإنما اسهمت في انفصال جنوب السودان في العام 2011.

ويمكن اعتبار مؤلف خالد الأشهر (النخبة السودانية وإدمان الفاشل) المخطوط قبل عقود، صالحاً لتشريح أوضاع السودان حتى يومنا هذا، بمتنه، وإن اكتفينا بعنوانه فقط.

ومن ضمن أسفاره وبعضها باللغة الأنجليزية: حوار مع الصفوة، لا خير فينا إن لم نقلها، السودان والنفق المظلم، الفجر الكاذب، جنوب السودان في المخيلة العربية، النخبة السودانية وإدمان الفشل، السودان، أهوال الحرب وطموحات السلام (قصة بلدين)، الثلاثية الماجدية: صور من أدب التصوف في السودان، تكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد، انفصال جنوب السودان .. زلزال الشرق الأوسط وشمال أفريقية، أيدولوجيات أم عقائد؟!، شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية.

ولد منصور بحي الهجرة بأم درمان في العام 1938 لأسرة عريقة، إذ أنه سليل الشيخ محمد عبد الماجد القاضي والفقيه المعروف.

درس جميع المراحل الدراسية بأم درمان، ومرَّ بمدرسة وادي سيدنا الشهيرة، ومكنه نبوغه الدراسي، وعقله المتقد من حجز مقعد بسهولة في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم، وبعدها حصل على الماجستير من بنسلفانيا، ودرجة الدكتوراة من جامعة باريس.

عمل لفترة قصيرة جداً بسلك المحاماة، قبل أن يلتحق بأول منصب قريب من السلطة ومراكز القرار، ونعني سكرتير لرئيس الوزراء عبد الله خليل (1956 – 1958)، ومن ثم العمل بالأمم المتحدة، فمنظمة اليونسكو.

شغل منصب وزير الشباب والرياضة في حكومة الجنرال جعفر النميري، ورغم نجاحاته استقال في العام 1970 من الوزارة، وعاد إلى اليونسكو، ومن ثم عاد وشغل منصب وزير الخارجية في حقبة مايو، قبل أن يغادر الوزارة مرة أخرى احتجاجاً على تدخلات النميري، ويتحول إلى مهاجمة النظام العسكري الديكتاتوري عبر عدد من الأسفار الخالدة.

يقول عميد الصحفيين السودانيين، الأستاذ محجوب محمد صالح، في فيلم عن الراحل من إنتاج مركز الخاتم عدلان للاستنارة بعنوان (منصور خالد .. قلم ينبض): إن منصور خالد كان مع أن “المثقف يتحرك حسب الواقع والبيئة، ولذا يرى بأنه لا غضاضة أن تتمسك بالديمقراطية وتعمل في ظل نظام شمولي”.

وبعد ترك حكومة الجنرال، فتحت الأمم المتحدة له أبوابها من جديد، ليشغل منصب نائب رئيس للجنة الدولية للبيئة والتنمية بجنيف.

ويعتبر انضمام منصور خالد إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، العام 1984 بقيادة جون قرنق، علامة بارزة في تاريخه وتاريخ الحركة الشعبية على حدٍ سواء.

واسهم انضمام منصور خالد، وياسر عرمان، بالتحاق كثير من الشماليين بصفوف الحركة، بل وتقلد مناصب بارزة فيها، حيث كانوا من رجالات حول قرنق، وشغل منصور منصب مستشار زعيم الحركة حتى تاريخ رحيل قرنق الفاجع بعد أشهر من نيفاشا.

وبات خالد أحد أيقونات الحركة الشعبية، لكونه أحد أشهر المنظرين لأفكارها عن العدالة وإدارة التنوع، ولسان حالها في المحافل الدولية، بجانب أنه ضلع رئيس في كل اتفاقات السلام التي وقعتها الحركة، بما فيها اتفاق 1972 مع النميري وإن كان وقتذاك في الصف الحكومي.

وعن أفكار الراحل المثيرة للجدل يقول مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة، د. الباقر العفيف: “إن د. منصور خالد بعبقريته يغرد دائماً خارج السرب، ولكن من فوق وأمام السرب، باتخاذ المسالك غير المطروقة، ربما امتثالاً لمقولة المتنبئ: “أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ”

وعرف عن منصور خالد مجاهرته بأفكاره، سواء في نطاق الأفكار أو الشخوص بصورة قد تكون مزعجة وصادمة بالنسبة لكثيرين.

تقول رئيسة تحرير صحيفة التغير الإلكترونية، رشا عوض، في ذات الفيلم آنف الذكر، إن “الاختلاف مع من هم بقامة د. منصور خالد يحتاج إلى أن يتأسس على المعرفة، كون الرجل من المساهمين في تشكيل الواقع السوداني”.

وجراء دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، وعمله غير ما مرة في الأمم المتحدة ومنظوماتها، بات يطلق عليه نعوت مثل التشبه بالغربيين مظهراً وسلوكاً.

لكن هذه التهمة يمكن ردها بمعرفة أن الأنيق منصور الكبير كان مولعاً بالتراث السوداني والتصوف، وله سفر ضخم بعنوان الثلاثية الماجدية عن التصوف في السودان.

إذاً في ذكراه الأولى، نحتاج إن نقف على مسيرة د. منصور خالد والتزود منها، سواء كنا شعباً أو نخبة، عسانا نتعلم من التجارب، ونتجنب الفشل.

ولنتذكر دوماً مقولة الأستاذ المفكر والباحث د. النور حمد عنه: “بأن هذه المرحلة التي نمر بها الآن، تحتاج إلى الشخصيات المثيرة للجدل فكراً ومسلكاً وأسلوب حياة، لكون المستقبل هو لقبول الآخر”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى