أعمدة ومقالات

دفن القروش أم الذقون؟!

إيهاب خيري

دفن القروش أم الذقون؟!

إيهاب خيري

ما الحالة التي تُصيب بعض السياسيين السودانيين عندما يُدلون بتصريحات صحافية؟!
من يتابع “خرمجة التصريحات” التي تعج بها وسائل الإعلام يُدرك أن الأمر بحاجة إلى لجنة من أطباء وعلماء النفس ودارسي علم الاجتماع لفهم حالة المسؤول أو السياسي عند إطلاق تصريحاته نحو العقول ليصيبها في مقتل.
تصريح القيادي بحركة “الإصلاح الآن”، حسن رزق، المنشور في موقع صحيفة “السوداني” يوم الثلاثاء 27 أبريل 2021 (https://bit.ly/3eDz9pV) مثال ناصع لهذه الحالة المحيرة.
قال رزق إن “قانون النظام المالي المزدوج لن ينجح في السودان”.
عندما تقرأ التصريح، تظن أن الرجل، وهو قيادي بارز في الحركة الإسلامية وله تاريخ حافل في العمل السياسي والتنفيذي، توصل إلى هذه النتيجة بناءً على معطيات مقنعة ودراسة وتمحيص وتفكر، لكن “حُسن ظنك”، هذه المرة، سيثبت أن بعضه ليس إثماً، بل أنه موطن الآثام.
يضيف رزق في تصريحاته: “الذين يؤمنون بتحريم الربا لن يتعاملوا مع البنوك”، وأعلن أنه سيكون أول من يسحب أمواله من البنك إذا تحول لنظام ربوي، وقال إنه سيدفن قروشه في “الأرض أو أديها في أي مكان، لكن ما بخليها في البنك”، وأضاف “إذا اتبعت البنوك نظاماً ربوياً لا تستطيع الحكومة أو أي جهة إجبار الناس أن يحفظوا أموالهم في البنوك”.
لا يحتاج المرء للدخول في نقاش حول “ربوية” البنوك غير الإسلامية، فهذا موضوع كُتب فيه الكثير منذ ظهور وانتشار البنوك الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي، كما أن الموضوع هنا يتعلق بالسماح للبنوك التجارية باختيار النظام المصرفي الإسلامي أو التقليدي، وهو الأمر المعمول به في مختلف دول العالم ما عدا السودان وإيران، التي حولت قطاعها المصرفي بالكامل إلى النظام الإسلامي، ولا تسمح للبنوك “العادية” بالعمل فيها.
في السودان، جاء إلزام البنوك بالعمل وفقاً لمبادئ الصيرفة الإسلامية، فيما عُرف بــ”أسلمة القطاع المصرفي” في العام 1984، أي في العهد المايوي. قبل ذلك، كانت البنوك العادية والإسلامية تعمل جنباً إلى جنب دون أي إجبار لعميل بالتعامل مع بنك دون آخر، وهو الأمر الذي يتيحه القانون الجديد.
كان من الطبيعي أن تستمر أسلمة القطاع المصرفي في عهد الانقاذ، رغم اضطرار الدولة نفسها للتعامل وفقاً للنظام المصرفي الذي تصفه بـ”الربوي” للحصول على قروض من الخارج، وارتكزت إلى “فقه الضرورة” في تبرير ذلك.
القانون الجديد يتيح للعملاء، من الأفراد والمؤسسات، خيار التعامل مع البنك الذي يرونه مناسباً لهم، فهل يتصور السيد/ رزق أن تتحول البنوك الـ37 العاملة في السودان إلى النظام المصرفي التقليدي بحيث لا يجد بديلاً سوى “دفن قروشه في الأرض”؟!
الواقع أن الكثير من البنوك العاملة الآن في السودان لن تقوم بهذه الخطوة، وأجزم أن بعض هذه البنوك لن تفتح نوافذاً للتعاملات المصرفية “التقليدية” لأن أساس وجودها يعتمد على توفير خدمات مصرفية إسلامية فقط وفقاً لمفهومها عن الصيرفة الإسلامية. كذلك، فإن توفير خدمات مصرفية “تقليدية” يتطلب الكثير من التدريب والتطوير في مجال السياسات واللوائح، ما يتطلب ضخ إستثمارات كبيرة، وهو ما لا يتوفر للكثير من البنوك العاملة في السودان حالياً.
هل يعرف السيد/ رزق أن أكثر من 94% من العملة المتداولة في السودان هي خارج القطاع المصرفي خلال السنوات الماضية؟ حسب بنك السودان، فإن إجمالي العملة المتداولة في البلاد بنهاية الربع الثالث 2020 يبلغ (433,030,111) ألف جنيه منها (408,162,772) لدى الجمهور، و(24,867,339) لدى البنوك التجارية، ويمكن مراجعة بيانات وتقارير البنك المركزي خلال الـ10 سنوات الماضية لمعرفة أن نسبة العملة لدى المصارف في تراجع مستمر، وأن من يتعاملون مع البنوك لا يشكلون سوى أقلية ضئيلة من سكان البلاد.
يرجع احتفاظ الجمهور بالعملة لعدة أسباب مثل عدم الثقة بالجهاز المصرفي، وانخفاض العائد على الودائع مقارنة بمستويات التضخم، وضعف مستويات الشمول المالي في البلاد، لكن ليس من ضمنها تفادي “الذين يؤمنون بتحريم الربا” التعامل مع البنوك، فكل البنوك في السودان تتعامل، حتى الآن، “وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية” حسبما تؤكد النظم المعمول بها منذ 1984.
من المهم العمل على معالجة الأسباب التي دفعت الناس لـ”دفن القروش” بعيداً عن القطاع المصرفي، أما حرص بعض السياسيين على “دفن الدقن”، فيبدو أنه عصي على العلاج.

ehabkhairi@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى