أخبارأعمدة ومقالات

السودان: إعلان المبادئ.. التفاوض المشهود والتحول الديمقراطي

خالد فضل

عشية حزم الفريق البرهان أمتعته ميمما شطر جوبا , ليوقع مع الفريق عبدالعزيز الحلو قائد الحركة الشعبية /شمال إعلان المبادئ الشهير , إيذانا لبدء التفاوض وفق خارطة طريق متفق عليها مسبقا , رحب د. عبدالله حمدوك رئيس مجلس الوزراء للفترة الإنتقالية بالإتفاق , لم يقل عبارة سمجة مثل تلك التي أطلقها عضو المجلس السيادي , الفريق شمس الدين الكباشي , عن عطاء من لا يملك لمن لا يستحق , فقد اتضح أنّ تلك العبارة لا تساوي قيمة أثير المايك الذي حملها . كما اتضح أنّ مهام استكمال السلام وبناء الدولة السودانية الجديدة , والسير قدما نحو التحول الديمقراطي , وتحديد طبيعة الدولة التي تحقق السلام والأمن والتقدم لجميع السودانيين على قدم المساواة , إذ لا تفاوت إلا بمقدار البذل والعطاء لمصلحة الجميع , هذه المهام يجب أن تكون عاصما من الإنزلاق إلى حضيض الملاواة الفارغة , والعبارات المهببة , ود. حمدوك _ اتفقنا أو اختلفنا حول كثير من أوجه أدائه _ بيد أنّه شخص مهذب عف اللسان يرنو إلى المستقبل دون أن تشدّه إلى الماضي الصغائر .

 

موقف الحركة الشعبية

 

في أمسية رمضانية , قدّم  د. محمد يوسف أحمد المصطفى , عضو الوفد التفاوضي للحركة الشعبية , تنويرا مهما لجمع من الإعلاميين , عرض فيه موقف حركته المبدئ والثابت تجاه عملية السلام الشامل وبناء دولة المواطنة الحقّة , ومما طرحه من أفكار حول التفاوض , قوله إنّ الحركة تصر على أن يكون الإعلام حاضرا في غرف التفاوض لينقل للرأي العام مواقف المتفاوضين كما هي , ذلك أنّ التفاوض المشهود , والمتابع من جانب الشعب عبر الوسائط الإعلامية ؛ مما يضع أطرافه مباشرة على محك المصداقية , وبالتالي لا يمكن دعمسة المواقف , أو رمي طرف من الأطراف للآخر بالبهتان حول الموضوعات المطروحة , لقد راقت لي الفكرة حقا من ناحية نظرية على الأقل , أمّا عمليا فيبدو أنّ الفكرة تحتاج إلى تقعيد أكثر , في تقديري أنّ الإعلاميين الذين ينتدبون لمثل هذه المهمة يجب أن يخضعوا ابتداء لورش تدريبية مكثفة حول التغطية المهنية المتوازنة للتفاوض , ولكن قبل ذلك  يتحتم التدقيق في نوعية المشاركين في هذه المهمة الوطنية النبيلة , فليس كل صحفي أو إعلامي يمتلك الخبرة والقدرة والتجرد مما يؤهله ليكون شاهد صدق على مجريات التفاوض ,  وفي حالة عدم التدقيق في المشاركين ربما كانت مشاركة الإعلاميين خصما على التفاوض بإلإثارة الضارة أو النقل المفخخ للآراء , كيف تتم عمليات اختيار الإعلاميين للمشاركة داخل غرف التفاوض ؟ عن طريق الكوتة مثلا , بمعنى كل طرف يختار من يريد من الإعلاميين ليكونوا شهودا , أم يتفق الطرفان على أسماء الإعلاميين المنتدبين , أم تبعث كل مؤسسة بمن تختاره , خاصة في ظل وجود عدد كبير من المؤسسات الإعلامية بمختلف الوسائط , من يتكفل بتكلفة هولاء المشاركين , الوساطة أم حهة أخرى , أم الطرفان المتفاوضان أم تتكفل كل مؤسسة بمنسوبيها ؟ ما هي الحدود المسوموح فيها بمشاركة الإعلاميين , خاصة  في أوقات تتطلب سرية التفاوض لعبور بعض نقاط الخلافات الحادة , وهكذا تتناسل الأسئلة حول عملية هذه الفكرة.

 

التحول الديمقراطي

 

من المهم في تقديري أن تكون فرصة التفاوض القادمة خطوة في اتجاه التحول الديمقراطي , ذلك البند المنسي فيما يبدو والناس تلهث وراء الإجراءات الإسعفافية لواقع قاتم , ومشاركة الإعلام في التفاوض إن تم الترتيب لها بصورة موضوعية وعملية ومهنية ربما تساهم بالفعل في بناء المشاركة الشعبية الواسعة والتي هي أساس التحول الديمقراطي , علينا أن نقر أنّ الفترة الإنتقالية حاليا تُدار حزبيا , على مستوى السلطة المدنية , وكل حزب يفكر بالضرورة في مستقبل مكاسبه السياسية في الإنتخابات , ولذلك من المرجح أن يكون التفاوض شاقا وعسيرا , مثل الصورة العامة للحياة السياسية في بلادنا والتي تمتاز بالاختلافات والمكايدات وعدم قبول الآخر , وتفيض بتبادل الاتهامات , بل لا تخلو من المهاترات , والتراشقات إلى حدود الإقصاء , ليس بين الفرقاء فحسب بل بين الحلفاء أنفسهم , وهنا ننظر إلى ما المتوقع من الحركة الشعبية إذا عادت للمشاركة في هذه الحياة السياسية بمعطياتها الراهنة , هل تقدم نموذجا مغايرا , وتلتزم فعليا بما تطرحه من أفكار وآراء وبرامج , أم تمشي على الدرب المشوبو من سبقها من حركات وأحزاب ؟ وجود الإعلام في التفاوض يوفر للناس مادة غنية للقياس فيما بعد , ويضع الحركة على المكشوف , وهذا تحدي نرجو أن تكون الحركة الشعبية على استعداد للوفاء به .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى