أخبارأعمدة ومقالات

إضاءات مُشرِقة فى نفق الضلال النُخبوي

عادل حسن إبراهيم

ثلاثة أحداث مفصلية جرت فى خلال الشهر المنصرم إستثارت لدي هذا الشغف الكامن بتفجير حوار لطالما إفتقرت لمداخِله النُخب السودانية بسبب قصورها الفكرى و إنشغالاتها المحمومة بالماراثونات السياسية، هى أحداث عادية و ربما هامشية بمقياس هذه النُخب، و لكننى أعتبرها رَجات أو خلخلات قوية لجذر إشكاليات الأزمة الوطنية تعادل فى قوتها إعلاناً تاريخياً و إبتداراً طليعياً و تدشيناً لحوار فكري مُعمق يؤسس لحقبة جديدة فى النظر للأزمة السودانية المُزمِنة من مِنظار جدلي جديد تفكيكي و جذري.
كان الحدث الأول هو تلك المُحاضرة المُعمقة المُختصرة التى قدمها الأستاذ محمد الأمين التوم وزير التربية و التعليم (المُبعد مُؤخراً من وظيفته ضمن ترتيبات غامضة تُجريها النُخبة السياسية المُسيطرة هذه الأيام) و كانت المحاضرة إمتناناً بالتكريم الذى أقامه بشرفه مركز الخاتم عدلان للإستنارة تقديراً لإسهاماته الثرة فى حقل المعرفة و التنوير، و قد قدم الأستاذ محمد الأمين فى إيجاز مُحكم إضاءات مُكثفة و لكن بوضوحٍ كافٍ لجوهر الخلل فى الأزمة السودانية المتمثل فى إفتقار النخبة السياسية للعقلانية و ضرورة الوعي بنشر المعرفة بحسبانها الوسيلة الوحيدة الحاسمة لإنتاج التنمية البشرية الضرورية للتأهل للتخطيط الإستراتيجي للدولة فى سبيل الولوج نحو مراقي عتبات الحضارة الإنسانية، و جزم بإستحالة التأسيس لديمقراطية و تنمية مُستدامة من دون إستحداث عملية تنويرية مُجتمعية واسعة و شاملة تنتظم فى كل أنحاء البلاد، و لقد أثار إعجابي مقاربته النقدية الحاذقة المُتبصرة فى تناوله لعصر التنوير الأوروبي فى إطار التفاعل الإنساني الكوني دونما إغفال للخصوصية السودانية و إمكانية إبتكار آليات تنويرية ضمن المواعين المعرفية و الثقافية المتاحة.
و كان الحدث الثاني هو تلك المقابلة التلفزيونية التى أجرتها القناة السودانية الرسمية مع الدكتور حيدر إبراهيم على و التى دار محورها أيضاً حول الأزمة الوطنية و العلاقة الملتبسة ما بين (السياسي و الثقافي الفكري) و ما تسببه هذه العلاقة من تعثر مُزمن يعطل إنجاز شعارات ثورة ديسمبر المُبهرة، و قد لخص الدكتور حيدر الأزمة الوطنية فى كونها أزمة المثقف السوداني و النُخبة السودانية المُهيمنة منذ خروج المستعمر ، فبعد السودنة و بدلاً من أن تطور منصتها المستقلة إرتمت النخبة المتعلمة التى أسست مؤتمر الخريجين فى أحضان الطائفية و إرتهنت إلى نزوعها الرغبوي كطبقة أفندية و حصرت مهماتها فقط فى الإستفادة من الوظيفة فى تكوين الذات و تأسيس الحياة المُرفهة، مما أقعدها عن القدرة على التفكير المُستقِل و إنتاج رؤية نهضوية حديثة، و هكذا فبدلاً من أن يؤثر المثقفين فى إبتدار مشروع وطنى وحدوي تنويري حصل العكس و تم إبتلاعهم من قبل الأحزاب الطائفية التى تمجد الأشخاص و العائلات، و أكثر من ذلك يرى حيدر أنه و حتى عندما نشأت أحزاب حديثة مثل الحزب الشيوعي و الأخوان المسلمون تحولوا هُم الآخرين أيضاً إلى طائفية حديثة تراهن فى برامجها على تمجيد قياداتها التاريخية، هذا الإبتلاع للثقافي و الفكري من قبل السياسي هو الذى أنتج عدم الإكتراث للثقافي الفكري المتبصر و تمجيد السياسي اليومي الإستهلاكي الهتافي، و هكذا ظلت البلاد تعيش طوال أكثر من ستون عاماً هى عمر إستقلالها فى ظلام هذا الغياب المُوحش لمشروع وطني تنموي تنويري نهضوي و وحدوي يتسق مع روح العصر و يتعاطى مع الخارج من موقع سيادى أصالي نِدى تشاركى لا من موقع تفريطى إخضاعي تابعى.
أما الحدث الثالث فهو ذلك النداء الذى إبتدره قبل أيام الدكتور عبد العزيز حسين الصاوي للإحتفاء بالذكرى الثمانين لوفاة الكاتب المُستنير معاوية محمد نور (1919 – 1941) حيث دعا إلى توسيع مجال الإطلاع على كتابات نور و جميع أعماله و البحوث التى تناولت عبقريته بإعتباره من رواد الإستنارة و الفكر النهضوي، ليس على الصعيد المحلي و الإقليمي و حسب بل ربما يتجاوز ذلك إلى المستوي الإنساني العالمي.
ففى مقال بعنوان ” الشباب .. الثورة ” طالب الصاوي بوقفة فكرية و مراجعة ضرورية، إضافة لمقتطفات من بحث مُقارن بين التنوير السوداني و المصري سينشر فى كتاب بعنوان “ما هو التنوير؟ سودانياً : شخصيات و مفاهيم “، مع بحوث أخرى منشورة و غير منشورة.
فى رأي و فى سياق الأحداث الثلاثة التى إستعرضتها و برغم بساطتها الظاهرية إلا أننى أعتبرها إضاءات مُشرقة تسلط نوراً كاشفاً على ظلام الضلال النُخبوى الذى تسبح ثم تغرق فيه الإنتلجنسيا السودانية، و بدلاً من أن يجني المواطن ثمرة الصرف على التعليم الذى إستثمرته الدولة على طبقة الأفندية و ينعكس ذلك فى جودة المرافق الخدمية و فى الحياة العامة، تصبح هذه الطبقة و على النقيض من ذلك، عبئاً ثقيلاً على المواطن و الدولة بإنصرافها عن أداء وظيفتها المهنية و تطبيق ما تلقته من معرفة أكاديمية لتتفرغ للبحث عن ظهير سياسي للتكسب المجاني السهل السريع عبر الوظيفة السياسية، و فى هذا السياق الرغبوي الذاتى فإنها و بالتأكيد سوف تُسقط و لن تكترث لكل ما له إرتباط بالقِيم و المبادىء الوطنية و الإنسانية مثل الكرامة و التضحية و نكران الذات و غيرها لترتهن و تلعب دور الوكالة المحلية لتنفيذ مشاريع إستعمارية مُستحدثة تأتى توجيهاتها من خارج الحدود، و فى المقابل تضيع كل الفرص لإجتراح صيغة ممكنة لمشروع نهضوي تضطلع به نُخبة جديدة مُستنيرة تمتلك القدرة على ملأ هذا الفراغ الناتج عن خُذلان النُخبة المسيطرة و إستكمال المرحلة الأهم من مسيرة الثورة، نُخبة جديدة تستمد قوتها و عنفوانها من مآثر و تضحيات هذا الجيل المُبهِر من الشباب الذى إستطاع بجسارته المُدهشة التصدى لأسوأ طُغمة قمعية فى التاريخ الحديث حتى أسقطها فى ملحمة سلمية نادرة مُفجراً فيها وسائلاً مُبتكرة تُنبيء عن ثراء من خيال إبداعي عريض كامن لدى هذا الجيل قادر على إعادة تشكيل واقع جديد مُختلف يجدر به و بمستقبله.
فى هذا المُنعطف المِفصلي من تطور الثورة السودانية و برغم الفوضي و العسكرة و كل هذا الإرباك و التناقضات الحادة التى تعترى المشهد السياسي، إلا أننى أعتقد أنه من الهشاشة و الضعف بحيث يسهل قلب مُجمل المعادلة رأساً على عقب، و تنتابنى قناعة أكيدة بأن هذه النُخبة المُستنيرة الجديدة “البديلة للنُخبة المُسيطرة” هى أصلاً موجودة و مؤهلة بنيوياً للقيام بإستكمال مهام الثورة و هناك إمكانية مواتية أكثر من أى وقت مضي فى هذه اللحظة التاريخية لإستنهاضها إذا ما تم تفعيل حراك تنويري جماهيري واسع من خلال المنصات الثقافية و الفكرية المُستقلة العديدة التى برزت فى السنوات الأخيرة و أبان أيام الثورة سواء بالداخل أو بالخارج و ذلك بتحريضها على الجرأة فى النقد و التحليل و طرح الأسئلة الصعبة عبر الكتابة و الخطابة و الغناء و كل ما يتوفر من أدوات مُبتكرة ذات محمولات معرفية و تنويرية قادرة على تعرية و كشف بؤس و عجز و عطالة فِكر هذه النُخبة المُسيطرة على مصير البلاد بشقيها المدني و العسكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى