أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

«سيداو» بعيدا عن تنميط فضيل وفضيلة 

خالد فضل

(1)

الإتفاقات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ذات طبيعة انسانية محضة , إنّها تتعامل مع الحقوق الفردية والجماعية لأفراد المجتمع الإنساني , غض النظر عن فوارق الأديان والثقافات والمنحدرات العرقية للبشر , باختصار هي اتفاقات تسعى لجعل البشر يتمتعون بحقوق متساوية , رجالا ونساء , أطفالا وكبارا , أصحاء وذوي إعاقات , فهل من راشد مكتمل الضمير الإنساني يمكنه أن يجادل حول فرضية منح الحقوق المتساوية للبشر , متحجا بمعتقد أو ثقافة أو نوع أو منحدر عرقي ؟ لماذا لا يراجع مرجعيته التي يستند إليها في هذه الحالة عوضا عن الطعن في الإتفاقات التي تسعى لتوفير المساواة بين البشر ؟ وهل القصور كامن في هذه الإتفاقات أم مستوطن في دوافع ومنطلقات مناهضيها ؟  سلسلة أسئلة تجابه من يخوضون في عراك ضد نيل البشر من مواطنييهم لحقوقهم الإنسانية , تارة تترى المزاعم باسم الدين وتارة باسم الثقافة , وفي تقديري لا الدين ولا الثقافة يمكنهما طرح رأي قاطع ضد حقوق الإنسان , وإلاّ فقدا قيمتهما .كروافع نرقية روحية ومعنوية للفرد .

(2)

المسألة تتعلق بالسقوف التي يحبس فيها المجتمع المعني نفسه , سواء لعوامل ذاتية ؛ خلل في تنشئة وتربية المجتمع مثلا , أو لعوامل خارجية ؛ مثل فرض رؤية آيدولوجية محددة بوساطة سلطة سياسية ومعنوية مهيمنة على ذلك المجتمع ,  ولدينا في السودان  نموذج  حاضر على السقف المتدني والواطي جدا الذي حبس فيه جماعة الإسلام السياسي الشعب كله لمدة أكثر من ثلاثين سنة في الواقع , وأفرخ ذلك الحبس الطويل أجيالا من السودانيين يحتاجون إلى تغيير جذري في المفاهيم والعقلية , ولعل المزايدات التي يطلقها السيد وزير المالية في الحكومة المدنية الإنتقالية الراهنة لا تنفك عن سياق السقف الواطي الذي حددته جماعته الآيدولوجية لتطلعات الإنسان السوداني , وبالطبع فإنّ أفضل استثمار تربّحت فيه جماعة السيد الوزير هو مجال دغدغة وإثارة العواطف باسم الإسلام ,  وبدون السماح للتفريق الضروري بين الإسلام كمعتقد روحي لغالبية السكان ، وبين الآيدولوجية السياسية لهذه الجماعة التي ثار الشعب ضدها , ورمى طوبتها إلى الأبد . فالسيد د. جبريل إبراهيم يريد الإستثمار في السقف الواطي , فيما طلائع الثورة والثوار قد غادرت هذا المستنقع , وتريد الإستثمار في المستقبل بسقوفات جد عالية قوامها كمال حقوق الإنسان , والسيد وزير العدل , وجبهة عريضة من الوعي نساء ورجال يقودون المرحلة إلى آفاق مستقبل تنهض فيه البلاد من كبوتها , ويستشرف فيه الناس مستقبلهم على قدم المساواة , تحت قيم الحرية والعدالة والسلام , وهي شعارات الثورة العظيمة ؛التي ربما لم تبلغها بعد مدارك د. جبريل ورهطه من سدنة الإسلام السياسي , فتراهم يتلجلجون في وحل المزايدات باسم الإسلام !!

(3)

التنيط لدور المرأة , ميسم عمل درامي لا تنقصه السذاجة , أبطاله فضيل وفضيلة , يثير الضحك الساخر أكثر من الضحك المعبّر عن الإعجاب والنشوة والفرح والشعور المنبسط للإنسان , ففضيلة دوما هي الوجه الإنصرافي والإستهلاكي والمتلقي , فيما السيد فضيل , هو العاقل الذي عليه التدرج مع الجاهل , والتظاهر بتلبية طلباته مع قدر واسع من السخرية , هذه هي ملخصات التنميط الدرامي للمرأة والرجل ودورهما في المجتمع . كأن لم يمر على فضاء السودان العام أجيال من رائدات الوعي والإستنارة , وي كأن ثورة السودان الحاضرة لم تنر لكثيرين دياجير ظلماتهم النفسية التي فيها يرزحون , كأن بلاد السودان خلو من نماذج التضحيات والصمود والمثابرة ورفعة الشأن وقوة المراس والشجاعة والهمة العالية وغيرها من قيم النبل والجسارة التي تبذلها أطياف واسعة ومتنوعة في مختلف مجالات الحياة التي تنشط فيها النساء , ليس على قدم المساواة مع الرجال فحسب , بل بتفوق ملحوظ على الرجال . ومع ذلك تجد من يناكف ويزايد وينقنق حول المصادقة على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة !!!! فلإتفاقية ببساطة تكفل الحقوق الكاملة للنساء , فهل هناك من يعترض على كفالة حقوق النساء بإعتبار أنهن نوع ناقص يجب ألا يتمتع بحقوقه كاملة ؟ على أولئك المزايدون أن يخرجوا مباشرة ليقولوا للناس رجال ونساء , نحن نرفض منح وكفالة حقوق المرأة لأنها كائن غير جدير بالحقوق , وليأتوا بشواهدهم العملية على ذلك النقصان الخاص بالنساء في مقابل (ما شا الله ) كمال الرجال . إنّهم لا يخضعون ما يطرحون للعقل والأخذ والرد والفهم , لكنهم يستثمرون في الجهالة والعطالة الفكرية والسذاجة التي تعشعش في عقول كثير من الرجال والنساء من أسف , لهذا , يأتي وزير المالية , ليحدث الشعب عن استثماره في الإسلام , فيما أرض بلادي تفلحها النساء ! وهو يتحفظ على منحهن مجرد الحق في نيل كافة الحقوق الإنسانية كنوع بشري . يسنده عمل درامي مسيخ , يسخر من فضيلة لأنها لا تستحق حق السيد فضيل الحصري كونه رجل , وكأنّ أيّا من المذكورين قد اختار نوعه مسبقا من عجب !!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى