أعمدة ومقالات

الكوزنة مفسدة والكوزنة المطلقة مفسدة مطلقة

  • مفهوم الشعب عند الكيزان
  • الدكتور جبريل إبراهيم نموذجاً

د. الباقر العفيف

مقدمة

إن ما حدث في بلادنا من جرائم ومآسي خلال سنوات الإنقاذ لكفيل بأن يجعلنا ننكب على دراسة “الكوزنة”. هذه الأيديولوجيا الشريرة، وهذه الجماعة الخبيثة التي أحالت حياتنا إلى جحيم لا يطاق منذ أن حلت بين ظهرانينا، كالدَّبَر، في خمسينات القرن الماضي. فجميع مصائبنا السياسية ترجع إليها. هذه الجماعة هي التي رفعت شعارات الدستور الاسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية، دون فهم أو اجتهاد أو إصلاح، وظلت تبتز القوى السياسية الرخوة بالدين، وتسوقها، من خطامها، سوق السوام، إلى أن أوصلتها لحتفها وحتف البلاد كلها. وهي أول من أدخل العنف في العمل السياسي. وأول من تتبع عورات الناس. وأول من ترصد سقطاتهم. وأول من سعى بالفتنة بين مكونات المجتمع.

  • هذه الجماعة هي التي كانت وراء مؤامرة حل الحزب الشيوعي.
  • ووراء مؤامرة محكمة الردة ضد الأستاذ محمود محمد طه.
  • وهم الذين اعتدوا على مسرحية رقصة “العجكو” في أواخر الستينات، ما أدى لمقتل طالب برئ.
  • وهم القوة الدافعة لإفساد الحياة السياسية، في الستينات من القرن الماضي، عندما قادوا الحزبين التقليديين في محاولة فرض الدستور الإسلامي بالأغلبية الميكانيكية، وإقامة ديكتاتورية دينية، والتي نتج عنها انقلاب مايو ١٩٦٩.
  • وهم من حَرَّض الإمام الهادي لإشعال الحرب في الجزيرة أبا ضد حكومة مايو في عام ١٩٧٠. وبالتالي هم من تَسبَّب في مجزرة الأنصار ومقتل الإمام الهادي.
  • وهم من أحبط اتفاقية الميرغني قرنق ١٩٨٦.
  • وهم الذين انقلبوا على الديمقراطية وأقاموا أفسد شمولية في العالم.
  • وهم من أقام بيوت الأشباح، وفيها عذبوا وقتلوا واغتصبوا الشرفاء والشريفات.
  • وهم من أشعل الحروب في الجنوب والغرب والشرق.
  • وهم الذين فصلوا الجنوب الحبيب.
  • وهم من ارتكب جرائم الإبادة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
  • وهم من اقتلع مجتمعات بحالها من الشعوب الأصلية من أراضيها وأوطانها وقذفوا بها إلى معسكرات النزوح واللجوء.
  • وهم من أشعل الفتن القبلية والتعصب الديني في طول البلاد وعرضها.
  • وهم الذين سرقوا وطنا بحاله، ودمروه وتركوه حطاما.
  • وقبل ذلك وبعده، هم الذين عبثوا بدين الله وأحالوه إلى دين تافه يتأفف منه الشيطان ذاته.

لذلك لا بد من تشريح هذه الجرثومة الفاتكة لنرى كيف تعمل على تهديم العقول وتخريب النفوس، وكيف تسلب إنسانية الفرد من ضحاياها.

هناك أسئلة لابد من المحاولة للإجابة عليها من علماء النفس وغيرهم من المتخصصين في العقائد الشاذة، والتنظيمات السرية، والجريمة المنظمة. أسئلة مثل كيف تعمل الكوزنة على تدمير العقول؟ وكيف تغسل الأدمغة؟ وكيف تُعَبِئُ النفوس بالغل والحقد وتملأها بالكراهية؟ وكيف تطمس الفطرة؟ وكيف تقتل الضمير؟ وكيف تغلظ القلب؟ وكيف تفسد الدين؟ وكيف تنحرف بالهوية؟ وكيف تحول الفرد العادي إلى عدواني؟ والمسلم إلى إسلاموي؟ والسوداني إلى كائن هلامي مغترب عن شعبه وكاره لأهله؟ وبعبارة واحدة كيف تفسد الكوزنة الانسان؟

مفهوم الشعب عند الكيزان

في الفصل الأول من رواية “مصرع كليوباترا”، لأمير الشعراء أحمد شوقي، يخاطب (حابي) صديقه (دُيُوْن) قائلا:

اسمع الشعبَ، (دُيُونُ)، كيف يُوحون إليه

ملأ الجوَّ هُتافًا بحياتيْ قاتليْه

أثَّر البهتانُ فيه وانطلى الزُّور عليه

يا له من بَبَّغاء عقله في أذنيه.

فيجيبه (حابي) قائلا:

سمعتُ كما سمعتَ وراعني

أن الرَّميَّة تحتفي بالرَّامي

هتفوا بمن شرب الطِّلا في تاجهم

وأصار عرشَهُمُ فراشَ غرام

ومشى على تاريخهم مستهزئًا

ولو استطاع مشى على الأهرام

هذا هو مفهوم الشعب عند الكيزان. فالشعب المثالي عندهم هو الشعب الذي وصفه (دُيُوْن وصديقه حابي)، مجموعات من الرعاع المغيبة عقولهم، يحشدونهم للتسخين والتعبئة بخطاب ديماغوجي كاذب ومُضَلِّل، لينفعلوا به انفعالا مُضَلَّلا، يندفعون بعده لفعل أحمق وعنيف، لا يستبينوا عواقبه، ولا يتعلموا دروسه، حتى بعد أن تقع الفأس على أم الرأس. فالعلاقة بين الكوز وجمهوره علاقة بين قائد ديماغوجي (سايكوباثِك) وجمهور جاهل عقله في أذنيه. والشخص السايكوباثِك، وفق معاجم اللغة الإنجليزية، هو “شخص ذكي ولكن لا يحسن التصرف، ومقدرته على إصدار الأحكام الصحيحة ضعيفة جدا، ولا يتعلم من أخطائه، وتنعدم فيه القدرة على الحب والتعاطف الإنساني، أو الشعور بالندم، أو الإحساس بالعار، وهو كذلك كذاب متمرس، وانفعالي، ومتضخم الذات، واستغلالي، وله ميول طبيعية نحو الجريمة”.

يَصُبُّ القائد السايكوباثِك على جمهوره أطنانا من الخطاب السياسي الديماغوجي الذي يهدف إلى دغدغة عواطفهم وإثارة مخاوفهم واستغلال جهلهم، والتلاعب بعقائدهم وتحيزاتهم لخدمة غاياته السياسية. أما الجمهور فليس له سوى الانفعال والتصفيق والصياح، مثل ترديد عبارة “الله أكبر” عقب كل جملة من الخطاب مهما كان حظها من التفاهة والكذب والجهل والسخف. فهو خطاب يفترض الغباء في الشعب، ويعتبرهم جموع من الرجرجة والدهماء الذين يساقون سوق السوام من الزريبة إلى المسلخ.

بهذه الطريقة ساقوا عشرات الآلاف من الشباب المغيب للموت في أطراف البلاد وهم يهتفون “الله أكبر” بعد أن “أوحوا إليهم” أن قتال بني جلدتهم هو جهاد في سبيل الله يبتغون به الجنة، بينما هو في الحقيقة “جريمة ضد الإنسانية”، يهوون به في النار.

هذه صنعة الكيزان التي حذقوها على مر السنين حتى أصبحت طبيعة ثانية لهم. على ضوء هذه الطبيعة الثانية نقرأ خطبة جبريل إبراهيم بمسجد الشيخ العبيد ود بدر وكلمته في عزاء المقرئ الشيخ نورين.

جبريل إبراهيم: بين الداعية ورجل الدولة

والسيد جبريل إبراهيم يمثل نموذجا في إفساد الكوزنة للإنسان السوداني العادي. ومن ذلك خلطه بين دوره “كمسؤول” حكومي ودوره “كداعية” لأيديولوجية الكيزان. وقد كتب عن هذا الخلط المفضي إلى هلاك الدُّوَل، الدكتور عبد الله علي أبراهيم في كتابه “الثقافة والديمقراطية في السودان”، حين نعى على الكوادر التي تَرَبَّت في العمل في حقل الدعوة القومية العربية والإسلامية، خلطهم الشنيع بين “الدعوة” وأعمال “الدولة”، حيث قال:

“أصبح من الصعب عند الكثيرين؛ ممن تِربوا على وظيفة الدعوة القومية العربية والإسلامية، أن يوازنوا بين مهمتهم كرجال دولة مسؤولين عن جماعات وطنية متباينة الثقافات، وبين مهمتهم كُدَعاة دعوٍة مخصوصة، وكثيرا ما تغلب الداعية على رجل الدولة، وهذا ما يفسر التوتر، بل الإخفاق الذي لازم بناء الدولة السودانية لعقود ثلاثة”.”

وهذا بالطبع تشخيص صائب لسياسيينا الأوائل، الذين افتقدوا الأصالة الفكرية، وفشلوا في أن يصبحوا آباء مؤسسين للدولة السودانية. بل كان قصارى طموحاتهم أن يضعوا أنفسهم موضع الوكالة الثقافية، والتبعية السياسية، للبلدان العربية، أو بالأصح لشيء خيالي لا وجود له في الواقع اسمه “أُمَّةُ العُرْبِ” أو “أُمَّةُ الإسلام”. رَضِيَ هؤلاء الساسة لسوداننا الحبيب أن يقبع في ذيل العالم العربي، بدلا عن يحتل مكان الصدارة في العالم الأفريقي.

واختص الدكتور عبد الله علي إبراهيم بالذكر العاملين بمنظمة الدعوة الإسلامية، ووكالاتها المتخصصة، والعاملين بالمركز الإفريقي الإسلامي وجُلُّهم، كما نعلم، من الكيزان، متنبئا بالمستقبل القاتم، حال تنسمهم المناصب الحكومية، لحتمية توظيفهم لها في مصلحة “الدعوة” بدل مصلحة الدولة.

ونحن نعلم الفرق بين العروبيين والكيزان. فالأوائل وكلاء متطوعون، والأواخر قتلة مأجورون. الأوائل يعتبروننا جزءا من “أمة عربية” متوهمة، والأواخر يظنوننا جزءا من “خلافة إسلامية” متوهمة. الأوائل يظنون بأن الإسلام بضاعةٌ عربيَّةٌ، والأواخر يظنون أن العروبة منتوجٌ إسلاميٌ. الأوائل حسنو النية، ما كانوا يعلمون أن نواياهم تلك ستسوقنا لجهنم. والأواخر سيئو النية، كانوا يخططون لسوقنا لجهنم في طريق محفوف بالجماجم و”إراقة الدماء”.

قال دكتور عبد الله علي إبراهيم وكأنه يقرأ صفحة من كتاب المستقبل،

“والذي نخشاه، أن يأتي مستقبلا للحكم في السودان، أفراد من الطاقم الذي تدَّرج وتربَّى في مؤسسات الدعوة القومية العربية والاسلامية الذي تعَّمق عندها إن الجماعة العربية في السودان موجودة، حيث هي، بالوكالة عن العرب والمسلمين، لا بالأصالة عن نفسها… فما نخشى عليه، في هذا الباب، أن تتدهور أكثر فأكثر العلاقة بين الدولة والدعوة إذا قاد كادر الدعوة هذه، سدة الحكم.

هذه نبوءة حققها الكيزان بامتياز طيلة عمرهم، وما فعائل وزرائهم في الحكومات التي شاركوا فيها بدءا من حكومة النميري، بعد المصالحة الوطنية، في النصف الثاني من عهده، وحكومة الفترة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة مارس- أبريل ١٩٨٥، وحكومة الصادق المهدي الأولى، ١٩٨٦-١٩٨٨، إلا شواهد شاخصة على ذلك. فقد استغلت كوادر الكيزان المناصب الحكومية للتمكين لتنظيمهم، والكيد لشركائهم في الحكومة، الذين كانوا من الغفلة بحيث لم يدركوا أنهم إنما يُساقُون لحتفهم مغمضي العينين.

الآن يمثل د. جبريل إبراهيم امتدادا لهذا السلوك الكيزاني التليد في حكومة حمدوك الثانية. فهذا الرجل يخلط خلطا شنيعا بين “الدعوة” وعمل الدولة. ومن الواضح أن الدعوة في ذهنه تسجل حضورا دائما في حين يغيب عنه الشعب غيابا دائما.

فالكل يعلم بأن السيد جبريل إبراهيم كوز كامل الدسم. تَجَرَّعَ هذه السموم منذ يفاعته عندما كان طالبا في الثانوية. وتدرَّج هابطا في درك الكوزنة حتى انقلابهم المشؤوم في العام ١٩٨٩. تمتَّع بالتمكين شأن إخوانه وأخواته، في الرضاعة من ثدي الكوزنة، حتى وقعت الواقعة بينهم عندما تقاتلوا على السلطة والجاه. في ذلك الصراع الدنيوي المحض، أطاح أفراد العصابة برئيسهم، وفعلوا به الأفاعيل. سلبوه سرابيل السلطة التي أفنى عمره عابدا لها، ومتبتلا في محرابها، وساعيا إليها بكل جوارحه إلى أن نجح في انتزاعها والتَّدثُر بها. “مولصوه” منها، وأذلوه وأهانوه، وسجنوه، وآذوه في عرضه، وقالوا فيه ما تعفَّف عنه ألَدَََّ خصومه وضحاياه.

في ذلك الصراع، انحاز جبريل لشيخه، وأسَّس، مع شقيقه خليل إبراهيم، الجناح العسكري لحزب الترابي، حركة العدل والمساواة، التي ورث قيادتها بعد مقتل الأخير. عاد جبريل للسودان على ظهر الجبهة الثورية. ومنذ أن دشن مجيئه بزيارة أسرة شيخه الترابي، أرسل رسالة واضحة مفادها بأنه سوف يلعب دور حصان طروادة الإسلاموي داخل السلطة الجديدة. ولم يضع وقتا. أعلنها داوية أنه “داعية” وليس رجل دولة. فهو على وجه التحقيق لم يجيء لخدمة الشعب، بل جاء لخدمة “دعوته” الكيزانية. فإن امتد بصره وراءها، فلضمان تخصيص الموارد المطلوبة لإنفاذ اتفاقية جوبا للمحاصصة. وهناك شواهد على ذلك.

أولا، صرح جبريل مباشرة، عقب أدائه القسم، مُدَّعيا الزُّهد في المنصب، ومُعلِنا، على الملأ، بأنه إنما قبله مضطرّا لعلمه أن لا أحد غيره يضمن توفير الأموال لما أسماه “مستحقات اتفاقية السلام”. فالشعب السوداني، إذن، غائب تماما عن ذهن الوزير الداعية، ولا يشكل جزءا من همومه. فبدل أن يحدثنا عن خططه الاقتصادية العاجلة لإخراج الشعب من أزمته المعيشية غير المسبوقة، وخططه المستقبلية التي تضع البلد على طريق النهضة الاقتصادية الشاملة، طفق يحدثنا عن أنه جاء لينتزع “استحقاقات” سلام جوبا، مؤكدا أنه اتفاق محاصصات. وحتى في هذه، لم يخبرنا كيف سيوفر تلك المليارات لإقليم دارفور في ظل سيطرة وزارته على ١٨٪ فقط من أموال الدولة. فمن الواضح أن هذا ليس مما يشغل باله بقدر ما يشغله طموحه الشخصي في حكم البلاد.

والشاهد الثاني هو أن جبريل بدل أن ينتهز كل فرصة متاحة ليحدثنا في هذه الأمور الاقتصادية التي تقع في صلب مسؤولياته، ظل يهتبل الفرص ليدعونا للدين. وهو في ذلك مثل بقية قادة الكيزان، السايكوباثِك، لا يرى أن طموحه الشخصي في حكم السودان يمكن أن يكون بمعزل عن الأساليب الماكرة في استغلال الدين، ودغدغة عواطف أهلنا الطيبين، وتضليل البسطاء والسذج من أفراد الشعب المتدينين. وهاكم النماذج:

أولا، ذهب في زيارة عزاء بمناسبة انتقال المقرئ الشيخ نورين. فهل استغل الزيارة ليتحدث عن هموم وظيفته كوزير مالية في حكومة يتضور شعبها جوعا؟ كلا، بل استغلَّها ليحدثنا عن استهداف القرآن، ولينال من خصومه الأيديولوجيين بنفس الأسلوب الكيزاني الديماغوجي المعهود. قال:

نحن نحرص على تعليم القرآن. ولقد حزنا كثيرا عندما بلغنا أن بعض الناس في هذه الحكومة يسعون إلى عرقلة تعليم القرآن في المستويات الدنيا من مراحل التعليم. هذا الأمر لن يمضي بإذن الله سبحانه وتعالى. (تُُسمَع في الخلفية أصوات تكبير وعبارات جزاك الله كل خير). لا بد أن الناس يحرصوا على تعليم كلام الله سبحانه وتعالى وده بوقفتنا معا أن الناس الشاذين ديل عن الخط ما يستطيعوا يغيروا في واقع المجتمع حقنا شيء. السودان أهل قرآن جميعا. وكلهم يحبوا أهل القرآن ونحن منهم”.

فهل حقا إن ما حدث هو “عرقلة” لتعليم القرآن؟ أم هو قرار تربوي بإزالة التشوهات التي ألحقها الكيزان بالمنهج؟ فمثلا، هل يعلم السيد جبريل أن مادتين فقط من مواد المنهج القديم، هما مادتي الدين واللغة العربية، تشغلان ما نسبته ٤٢٪ من جملة زمن المنهج الدراسي؟ فماذا تبقى من زمن للمواد الأخرى؟ ماذا تبقى للرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والأحياء، واللغة الإنجليزية، والجغرافيا، والتاريخ، والفنون، والرياضة، والتربية الوطنية؟ يقول الأستاذ السر أحمد العمرابي، الخبير في المناهج، عن مادة التربية الإسلامية الآتي:

“أُعطِيَت مادة الدراسات الإسلامية وقتا كبيرا في الخطة الدراسية مما جعل ترتيبها الثانية ليس لأنها مادة، في نظرهم، مهمة “للتلميذ”، لكنهم كانوا يصنفونها مهمة “سياسيا” لهم لإقناع الآخرين كذبا بأن توجه الدولة توجها إسلاميا، حرام أن يعارضه أحد” (التيار الأربعاء ١٩ مايو ٢٠٢١).

كان لابد من تقليص كمية المادة المقررة لحفظ القرآن لتتناسب وسن الأطفال، ومع الزمن المُخَصَّص للمواد الأخرى. لقد أجرم الكيزان في حق أطفالنا عندما قلبوا هدف التعليم رأسا على عقب، وجعلوه تعليما “دينيا” تقليديا وليس تعليما حديثا. وهم بذلك حولوا المدارس إلى خلاوي. فالمعروف أن منهج الخلوة هو التركيز على الدروس الدينية بما فيها حفظ القرآن وشروحات التفسير والفقه واللغة العربية، مع إعطاء التلاميذ بعض الدروس في الحساب. في حين أن التعليم الحديث يركز على علوم العصر في المقام الأول ويعطي التلاميذ القدر المناسب من الدروس الدينية ودروس اللغة العربية التي تتناسب وأعمارهم، والتي تساعد على تحقيق هدف تربية النشء وفق ثقافة مجتمعاتهم. وهذا هو نوع التعليم الذي تلقاه السيد جبريل ذاته، وتلقته جميع أجيال السودانيين في عهود ما قبل العام ١٩٨٩، دون أن يحملهم تعليمهم على “التخلي عن دينهم”.

ويبدو أن السيد جبريل يجهل أو يتجاهل الطريقة التي اتُّخِذ بها قرار إصلاح التعليم. ولا علم له بمؤتمرات التعليم التي انتظمت البلاد وانعقدت في جميع الولايات. هذه المؤتمرات أمَّها تربويون متخصصون في التربية وعلم نفس الطفل، وأساتذة وآباء وأمهات وطلاب وتلاميذ ومجموعة من منظمات المجتمع المدني، وقادة مجتمع، وكل أصحاب المصلحة. فهل يعقل أن تشطب كل هؤلاء الناس بكلمة واحدة وتصفهم بالشواذ؟

إن “أدلجة” التعليم، وتغليفه بالحرص الكاذب على الدين، من عينة قوله “نحن نحرص على تعليم القرآن” هي التي حملت الكيزان على “ردم” الأطفال اليفع بكمية ونوعية من السور القرآنية لا تتناسب مع أعمارهم، ودراسات فقهية محنطة لا يحتاجونها، ودروس في اللغة العربية فوق ما يحتاجونه، ثم هي خصما من الزمن الذي يجب أن يُخَصَّص للمواد الأخرى. فنحن لا نرسل أطفالنا للمدارس ليتخصصوا في الدين واللغة العربية، وإنما ليتعلموا العلوم الحديثة. نريدهم أن يتدرَّبوا على مناهج البحث العلمي ليُصبحوا قادرين على التحليل والتفكير والتعلم الذاتي. فأنت لا تبني نهضة وطنية أو تبني حضارة بتكثيف حصص الدين واللغة العربية. هذه بداهة. وهي قضية تربوية بحتة وليست سياسية، يا سيد جبريل. ونقاشها يكون مع العلماء والتربويين وليس في “صيوانات” العزاء، وسط التهليل والتكبير الغوغائي.

وليحسن بي تذكيرك إن الذين اتخذوا قرار تقليص مقرر الدين وحفظ القرآن ليسوا أقل توقيرا للقرآن منك، كما تحاول أن تغمزهم. بل هم قطعا أفضل تدينا منكم أيها “الكيزان، لأنهم سودانيون أفاضل، ومسلمون عاديون، يدينون بدين الفطرة الذي لم تفسده أفكار شيوخ الضلال، من أمثال حسن البنا، وسيد قطب، ومحمد بن عبد الوهاب. وعلى أقل تقدير، ليس بينهم من يلبس مسوح الرهبان ويأتي بأفعال الشياطين مثلكم، وليس بينهم من تاجر بدين الله أو نال به منفعة ذاتية كشأنكم. فكيف تسنى لك وصف هؤلاء بالشواذ؟ ومن هم الشواذ أصلا؟ في الحقيقة الشواذ هم المتاجرون بالدين.

ولن أن نتساءل هل يحترم السيد جبريل القرآن أم يتاجر به؟ فهو إن كان يحترم القرآن حقا، لكان أكبر همه، كوزير مالية لشعب جائع، وغير آمن، لأن جيشه وأجهزته الأمنية تقتله مطلع عيد، هو أن يجعل كل وَكْدَهُ تحقيق غاية القرآن في أن “يطعمنا من جوع”، “ويُؤَمِّنَنا من خوف”. ولكن بالعكس فالكيزان من شِدَّة شذوذهم يعكسون الآية القرآنية ويقلبونها رأسا على عقب. ولقد سمعت بأذني وشاهدت بعينيّ وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي يقرأ الآية القرآنية، من سورة “قُرَيْش”، مقلوبة. كانت هذه الفضيحة في لقاء تلفزيوني شاهده الآلاف. فقد قال، في معرض دفاعه عن تخصيص الجزء الأكبر من الميزانية للأجهزة الأمنية، “أن الأمن له الأولوية على ما غيره، لأن الله قَدَّم الأمن على الطعام حين قال في قرآنه فليعبدوا رب هذا البيت الذي آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع”. نعم، ورب الكعبة، سمعته وشاهدته، وقفزت من مقعدي كالملدوغ، وأنا متأكد أن الآلاف غيري من المشاهدين قد سمعوا ما سمعت، وشاهدوا ما شاهدت، ولُدِغُوا كما لٌدِغْتُ، والتصق ذلك المشهد في ذاكرتهم مثلما التصق في ذاكرتي. فمن هم الذين يحترمون القرآن، ومن هم الذين يَسِيئُون إليه، ويعبثون به، ويستغلونه؟ بل من هم الشواذ يا سيدي؟ أم هو انعدام الحياء الذي جعلكم ترمون الناس بدائكم وتنسلُّون.

ومرة أخرى يلبس الوزير عباءة الداعية في زيارة لمسيد الشيخ العبيد ود بدر. هناك قال جبريل:

“لن نتخلى عن ديننا. والدين ليس ملكا للمؤتمر الوطني. ولا لعمر البشير ولا لأي من الأحزاب. هذه رسالة المولى جل وعلا لنا ونحن مأمورون بالتمسك بهذه الرسالة ونحن مأمورين بالعمل من أجله والموت في سبيله. فلا نتردد في ذلك ولا نتردد في قول الحق. فإذا كان الذين يعصون الله لا يتخوفون من قول ما يريدون. لماذا نتخوف نحن. الاستكانة غير محمودة. لا يستكينوا. ندعو لديننا بالحسنى”.

قال هذا في معارضة صارخة لقرار حكومته في التوقيع على سيداو. بالرغم من أن الحكومة تتبعت خطى الحكومات المتخلفة في دول المنطقة العربية والإسلامية وتحفظت على ثلاث من مواد الاتفاقية، ضمنها المادة (٢) وهي مادة أساسية، التَّحَفُّظُ عليها يُفرِغُ التوقيع من معناه. فما الذي يعلمه السيد جبريل عن سيداو؟ وكيف يكون في التوقيع عليها “تخلٍّ عن ديننا”؟ وكيف يكون الذين يؤيدون الانضمام إليها “عصاة” يعصون الله بالدعوة إليها؟ ومن يعني بكلمة “نحن”؟ هل يعني بها نفسه؟ أم حركته؟ أم جملة الكيزان؟ وهكذا يتبين لنا من تلك الكلمة، أن السيد جبريل يُقٍسِّم مسلمي السودان إلى “فُسطاطين”، لو جاز لي استعارة عبارة شيخهم بن لادن، فُسطاط الصالحين الذين يطيعون الله وفُسطاط الطالحين العصاة. الفُسطاط الأول قوم مُتُمَسِكون “برسالة المولى جلَّ وعَلا”، والفُسطاط الثاني أناس مُفَرِّطٌون فيها. الفسطاط الأول مُستَكينون رغم أنهم على الحق، والفُسطاط الثاني مجاهرون بباطلهم ومعاصيهم. الفُسطاط الأول “هم”، أي الكيزان. والفسطاط الثاني “نحن” أي “بني علمان”. وهكذا هيأ السيد جبريل ميدان “معركة بدر” بين فُسطاط الحق وفُسطاط الباطل، بين المهاجرين والأنصار من جانب وكفار قريش من الجانب الآخر. أما “عِيْرُ أبي سفيان” فهي الموقف من سيداو ومن إصلاح قانون الأحوال الشخصية. فإن كنت مؤيدا لسيداو وداعيا لإصلاح قانون الأحوال الشخصية مثلي، ومثل بقية وزراء الحكومة، والمجتمع المدني، والتجمعات النسوية، والأحزاب والمجموعات المؤيدة للمصادقة على الاتفاقية، فأنت في فُسطاط العاصين لله جلَّ وعَلا، أي “في العدوة القصوى” من وادي بدر. وأما فُسطاط الصالحين، فهم “في العدوة الدنيا” من الوادي، وأما سيداو، فهي الغنيمة المبتغاة، “عير أبي سفيان”، التي أشار لها القرآن بقوله “والركب أسفل منكم”.

هل حقا يريد السيد جبريل أن يجاهدنا بعد أن دمغنا بمعصية الله؟ وهل هو مستعد للموت في سبيل ذلك”؟ وإذا كان الأمر كذلك فما داعي عبارة “ندعو للدين بالحسنى”؟ وكيف يستطيع أن يجمع في نَفَسٍ واحد بين “الجهاد والموت في سبيل الله” وبين “الدعوة للدين بالحسنى”؟ ومن هم الذين يريد أن يدعوهم للدين؟ هل هم مسلمي السودان؟ وهل يحتاج السودانيون لمن يدعوهم للدين؟ أم أن دعوته، في حقيقتها، إنما هي دعوة للكوزنة؟ وسؤال أخير، ما هو خطاب الكراهية إن لم يكن مثل هذا الخطاب؟ ألم أقل لكم أن الكوزنة مفسدة. والكوزنة المطلقة مفسدة مطلقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى