أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

«جوبا» السلام ينبع من هنا والقلوب تتشابى

خالد فضل

عشية انطلاق جولة التفاوض أو قل الحوار بين مجموعتين من السودانيين , تتولى إحداها مهام ومسؤوليات سيادية وتنفيذية في الحكم الإنتقالي الراهن , والأخرى تحمل رؤية سياسية وفكرية متقدمة , وتسعى هي الأخرى من أجل ذات الهدف الذي يفترض أنّ الفئة الأولى تعمل من أجله ؛ مصلحة الشعب والعمل من أجل بناء وطن حر معافى وشعب سعيد , هذه هي نقطة الإلتقاء الأساسية بين الطرفين على جانبي الطاولة , بينهما مسبقا إعلان المبادئ الذي حدد بصورة موضوعية طبيعة الدولة الوطنية التي تتساوى فيها حظوظ جميع مواطنيها , كتفا بكتف , دون استعلاء أو دونية , دون تمييز بسبب المعتقد الديني , أو المنحدر العرقي , أو الموطن الجهوي , أو النوع الإنساني , يكفي النيل أبونا والجنس سوداني ؛ كما في حداء ود الرضي , فالعروبة لم ولن توحدنا طالما هناك من هم ليسوا بعرب , والأفريقانية لن توحدنا إذ هناك من يعتز بأرومة العباس وحاتم الطائي , والإسلام لن يوحدنا وبين مواطني بلادنا المسيحي واليهودي وصاحب المعتقد الروحاني غير أديان السماء , ولكن ما يجمع بين كل تلك الإختلافات كوننا جميعا سودانيين ؛ تلك كانت حكمة الزعيم السوداني الراحل د. جون قرنق , على قبره تتنزل الرحمات . وفي جوبا حاضره بلاده (بلادنا ) العزيزة يلتئم شمل رفاق الثورة السودانية , ونختبر فعلا في هذه السانحة مقولة الفريق البرهان في مؤتمر باريس الأخير ( التغيير في السودان حقيقي) !!
إنّ إبرام إتفاق سلام وفق إعلان المبادئ المعلوم , يفتح الباب فعليا لإنتقال السودان إلى أفق الدولة الحديثة , ويمنح التغيير معناه الحقيقي , ويؤكد العودة إلى الأسرة الدولية بطي صفحة الحرب الأهلية المدمرة , كما من جانب آخر يفتح الطريق أمام انضمام القائد عبدالواحد محمد النور وحركة جيش تحرير السودان ؛ بإعتبار تلبية ما ظل يناضل من أجله , وهو بناء السودان الديمقراطي العلماني الذي تتساوى فيه الحقوق والواجبات على أساس المواطنة فقط , ويتم منع استغلال الدين في السياسة , وتغول الدولة على حقوق الشعب باسم القداسة والشريعة وغيرها من أوجه الاستثمار الديني في الفضاء العام , ذلك الإستثمار الذي أورث وطننا داء الكساح , وصدق فيه قول الخليل ( البنات فاتوك في القطار الفات ).
نعم , إتفاق سلام يجعل وعد النماء والشراكات الدولية والقروض والعلاقات مع الصناديق والهيئات والمستثمرين أمرا حقيقيا وممكنا , فليس هناك من يجازف بكل تأكيد لضخ أموال طائلة في بلد يتماسك أبناؤه ( الحزز) كما يقولون , تأهبا لقتال أو نزوحا من وابل رصاص ! كما لا يمكن الشروع في افتراع مشروع وطني خلاّق , وملايين السودانيين /ات بين قتيل و نازح ولاجئ وجريح ومعاق وأسير ومفقود , لابد من التأمل في حال بلادنا , والتطلع لمستقبل مغاير , هذا هو معيار الوطنية الحق , وليس التمشدق بالشعارات أو مضمضمة الشفاه ببارد العبارات , لهذا يأتي التفاؤل , ولعل الناشطين /ات ولجان المقاومة والإعلاميين والسياسيين والخبراء وغيرهم من أصحاب المصلحة الحقيقين يلعبون دورا مهما ومكلا لوفدي التفاوض .
نطمع أن ينبع من جوبا سلام حقيقي , وكما النيل في رحلته الأبدية من الجنوب للشمال , وكما حمل طائر ( لومنقري) الصغير الفيل الضخم وعبر به إلى الضفة الأخرى ليلحق بعشيرته في سلام , نرجو أن تعبر بلادنا بأثقالها ومقعداتها , إلى ضفة السلام الحرية والعدالة أو كما هتف الثوار .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى