أعمدة ومقالات

إخصاء الإستنارة .. معاوية نور نموذجاً (2)

عادل حسن إبراهيم

من الوهلة الأولى قد ينصدم قارىء هذا المقال من التعبير الوارد فى العنوان (إخصاء الإستنارة)، و لكنه حالما يستدرك تدريجياً مغزي ذلك عندما يُسقِطه على سِيرة معاوية نور المُتوهجة المُستنيرة ثم خبوها السريع و نهايتها المأساوية، فالإخصاء هو فعل قصدي صادر عن سبق إصرار وترصد و يستهدف إبطال الفاعلية و الديناميكا الطبيعة و بهذا المعنى يمكننا القول أن معاوية نور كرائد تنويري حداثي طليعي قد تم إخضاعه إلى عملية إخصاء مُمنهجة من قبل السلطة الإستعمارية التى تنبهت إلى خطورة دعوته الحداثية بعد أن إخترق بكتاباته الجريئة المُحطمة للتابوات المجتمع الثقافي و الفكري بالقاهرة و أسس تواصلاُ فكرياً نقدياً مُعمقاً مع الأدب و الفكر الغربي مستفيداً من الحرية النسبية المتاحة هناك فى ذلك الوقت، فقامت السلطة الإستعمارية بالخرطوم و بمساعدة أسرته بتعقبه و إعادته إلى الخرطوم حيث تدهورت حالته الصحية كما هو معروف و لزم غرفة قصية في بيت عائلته بأم درمان في عزلة تامة قبل أن يرحل بعد ثلاث سنوات تحت وقع سياط مُعالج شعبي (فكي) زعم أن جلد الفتى بالسوط كفيل بإخراج الشيطان الذي تلبسه !! حتى لقي حتفه فى نهاية الأمر و هو فى مطلع الثلاثينات من عمره بتلك الطريقة التراجيدية التى تمثل فى رأي صورةً رمزيةً لأكثر مظاهر عُنف السلطة بشاعةً لصد و لجم حركة الوعي و التنوير فى التاريخ السوداني الحديث، ذلك العُنف السلطوي غير الرحيم ضد الثقافة و الفِكر الحُر الذى ورثته و نفذته فيما بعد السلطات الوطنية المتعاقبة ضمن ميراثها التربوي و وكالتها المُستترة للمصالح الإستعمارية. و لعلنا سوف لن نجد صعوبة للإستدلال على ذلك بنماذج التعذيب و الإعدامات للرموز الطليعية من المثقفين و المفكرين على طول تعاقب الحكومات الوطنية حتى وصلت إلى حد النفي و التغريب الجماعي فى عهد حكم الأخوان المسلمين الذين دشنوا حِقبة من القحط الثقافي و الفكري بعد تجفيفهم لكل منابع الفكر و إغلاقهم و مصادرتهم العلنية لكل مظاهر الحياة الثقافية و الفكرية بالبلاد بدءاً بإتحاد الكتاب السودانيين و كل مراكز التنوير و الثقافة فى محاولة منهم للي زراع التاريخ و تنفيذ مشروع هُلامي مُتوهم يتصورون أنه (مشروع حضاري إسلامي) تكون فيه الدولة خالية من الفكر الحُر، منزوعة الإبداع و الخيال و عديمة الأدب.

قياساً بتوصيف إدوارد عطية (أستاذ معاوية بكلية غوردون) فى المقتطف الذى أوردته فى المقال السابق، يتبين لنا أننا بإزاء طفرة عبقرية أو حالة فكرية قلقة تنبت فى مناخ إجتماعي راكد تحت وطأة ثِقل صرامة التقاليد العشائرية و حمولة ذكريات مؤلمة من ميراث حروب المهدية و تصوراتها البدائية للدولة. فى مجتمع بهذه الخلفية التاريخية و أمام حاضر إستعمار أجنبي جديد يتعامل بحزم و صرامة مع الأفكار التحررية، كان من الطبيعي أن يشعر معاوية بغربة مُوحشة تكبل إنطلاق طاقاته و قدراته الفكرية  و يفكر جدياً فى الإنفلات من هذا المحبس الشرير الذى لطالما أخمد العديد من النماذج الفكرية الطليعية من أمثال صنوه و مجايله الشاعر التيجاني يوسف بشير.

إن القيمة المُستقاة من إعادة نبش آثار و تراث (جِدنا الشاب) المُستنير معاوية محمد نور فى هذه اللحظة الفارقة من تاريخ التطور السياسي و الإجتماعي و الثقافي فى بلادنا لتنطوي على دروس بالغة الأهمية يجب أن تستدعى إنتباه و تبصر الإنتلجنسيا الجذرية المسكونة بالرغبة فى التغيير و التى قامت بتحريك أكبر حراك ثوري حضاري شهده عالمنا المعاصر، و أهم هذه الدروس هو روح المقاومة و التصميم و نكران الذات و تحطيم خُرافة المحرمات، فمعاوية برغم توقف ديناميته المفاجىء و نهايته المأساوية لكن مشروعه التنويري و ما أرساه من قِيم فى أثره الفكري الذى عكف عليه بإنهماك و مثابرة و كأنه يسابق الزمن فى مهمة رسولية يعرف أنها قصيرة، يظل بؤرة من ضوء يلمع بريقها وسط عتمة و ظلمات التفكير النخبوي السائد.

على الرغم من أن معاوية يعتبر مُفكر كوني من طراز فريد و أن فكره المُقاوِم و طبعه المتمرد إرتبط فى جوهره بالإستغراق الكثيف المُعمق فى النقد الأدبي و إختراق جُدر و دهاليز المدارس الفكرية الأوروبية الحديثة آنذاك و إنغماسه فى أجواء الحياة الثقافية و الفكرية القاهرية، إلا أنه كان مُتسقاً فى تمثله لواقع مجتمعه السوداني و لم ينفصل عنه رغم كآبته، فنحن نلمس هذا الحنين و الأسي الدفين و النزعة الحميمية ما بين خطوط اللوحات و الصُور التى يرسمها فى نصوصه القصصية، كما أن كتاباته النقدية فى مقالاته عن بؤس الإنسان و الحياة السودانية إتسمت بجدية و صرامة ثورية غير مهادنة و دعوة قلقة مستمرة تأكيداً لضرورة التصدي الفكري لأسئلة التغيير.

بسبب الذاكرة الشفاهية و ثقافة المؤانسة يصير القصور الفكري عرضاً مُلازماً للنُخب و تظل عاجزة عن إلتقاط الأفكار الجوهرية و التأريخ لها بتدوينها و إعادة طرح أسئلتها، فتاريخ الفكر هو تاريخ أسئلته قبل أن يكون تاريخ أجوبته، ذلك إذا ما أُريد للفِكر أن يكون فِكراً نقدياً، لذا فى رأي و بسبب هذا الركود و الإنقطاع المجيد للتواصل الفكري تظل حداثة معاوية نور فى كتاباته و أسئلته المطروحة منذ عشرينيات القرن الماضي حاضرةُ الآن و تلامس واقعنا الراهن الذى لم يتغير إلا فى مظهره الخارجي و لكن فى جوهره ظل كما هو برغم زخم التطور العلمي الكوني الهائل فى القرن الحادي و العشرين.

لعل أكثر ما يستلزمنا لنستدعيه من فِكر معاوية فى حالتنا المُشتبكة الراهنة هو هاجسه القومي المتساوق مع فعل تنويري واسع، فقد أراد معاوية للدعوة القومية أن تبدأ بإبداع وإنجاز خطط جيدة للتنمية الإقتصادية والتقدم الثقافي ، والإصلاح الإجتماعي ، قبل أن تنفجر في شكل تمرد ضد السيطرة الخارجية. يقول إدوارد عطية : ( أدرك معاوية أن الراية القومية مجرد شعار لا يعطيه معنى وتبريراً إلا إذا أدى إلى تمليك الناس قوة حقيقية ، وبوأهم مكاناً مرموقاً في سجل الإسهام الحضاري العالمي ، وبهذا المقتضى يكون الإستقلال وسيلة لتلك الغاية ، وما لم تظهر غاية كُبرى يحققها الإستقلال القومي ، فإن الشعب لا يستحق أن ينال إستقلاله ، وإنه إن تأتي له أن ينال الإستقلال ، فإن ذلك الإستقلال سيكون بلا معنى بالتأكيد !)

أليس بالفعل قد صدقت هذه النبوءة؟ فقد عكف معاوية على مناقشة هذه الأفكار فى الفترة الممتدة ما بين منتصف العشرينيات و حتى النصف الثاني من الثلاثينيات قبل أن يباغته الإنهيار العصبي الحاد و يتوقف عقله عن الإنتاج و يموت فى العام 1941 أى قبل 14 سنة من إعلان الإستقلال و ثلاثة سنوات من تكوين مؤتمر الخريجين الذى فيما يبدو لم يكترث كثيراً لعمق أطروحات معاوية.

 نقلا عن صحيفة مداميك 

إخصاء الاستنارة.. معاوية نور نموذجاً «1»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى